إعلان

"بطيخ" وسط الصحراء.. حكاية صخور غامضة تحير الزائرين في الوادي الجديد - صور

كتب : محمد الباريسي

09:00 ص 28/08/2026

تابعنا على

في عمق صحراء الوادي الجديد، وعلى بعد نحو 95 كيلومترًا على طريق أسيوط - الخارجة، تتناثر كتل صخرية مستديرة بألوان البني والوردي والقرمزي، تبدو للوهلة الأولى كأنها ثمار بطيخ عملاقة نُثرت فوق الرمال.
والمشهد، الذي يعرفه السكان باسم «وديان البطيخ»، يمثل واحدة من الظواهر الجيولوجية اللافتة في الصحراء الغربية، ويجمع بين الغموض العلمي وجاذبية السياحة البيئية، إلى جانب احتمالات الاستفادة من الثروات المعدنية.

تبدأ حكاية صخور البطيخ قبل ملايين السنين، حين خضعت صحراء الوادي الجديد لتحولات جيولوجية متعاقبة، أثرت فيها الرياح والأمطار وعوامل التعرية والتجوية الكيميائية.
وقال الدكتور جبيلي عبد المقصود، أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم في جامعة الوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن صخور البطيخ يُرجح أنها نشأت من طبقات رسوبية تعرضت لعمليات نحت وتحلل طويلة، ذابت خلالها بعض المكونات تدريجيًا، بينما قاومت مكونات أكثر صلابة، لتبقى في صورة كتل مستديرة.

وأوضح عبد المقصود أن هذه العمليات أعادت تشكيل الصخور طبقة بعد أخرى، حتى ظهرت الهيئة الكروية المميزة، مؤكدًا أن المنطقة تمثل «معملًا مفتوحًا» لدراسة الظواهر الجيولوجية والتحولات البيئية والمناخية التي مرت بها الصحراء الغربية عبر عصور طويلة.

من جانبه، قال الدكتور نبيل حنفي، أستاذ الجغرافيا المتفرغ بجامعة بورسعيد وأحد أبناء الوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إن صخور البطيخ لا تظهر بصورة متصلة، بل تتوزع في بقع صحراوية محددة، وتتدرج ألوانها بين البني والوردي والقرمزي ودرجات داكنة، فيما تقترب صلابتها في بعض المواقع من صخور الصوان.
وأضاف أن الدراسات المرتبطة بهذه الظواهر الجيولوجية لم تحسم بصورة نهائية آلية تشكل الصخور، رغم اتفاق الباحثين على دور المياه والأمطار والتجوية الكيميائية.

ومع بقاء الأسئلة العلمية، ظهرت روايات شعبية تزعم أن صخور البطيخ كانت ثمارًا تحجرت منذ آلاف السنين، وهي حكايات محلية تضيف بعدًا قصصيًا إلى المكان، دون أن تمثل تفسيرًا علميًا للظاهرة.

تنتشر صخور البطيخ في أكثر من نطاق داخل الوادي الجديد، من بينها منطقة الكيلو 95 بطريق الخارجة - أسيوط، وسهل الزيات على طريق الخارجة - الداخلة، ومناطق شمال قرية تنيدة بمركز بلاط.
وقال محمود عبد ربه، من أبناء الخارجة والمهتم برصد تراث الواحات، لـ«مصراوي»، إن الاسم لا يشير إلى وادٍ واحد بالمعنى الجغرافي الضيق، بل إلى عدة نطاقات صحراوية تتشابه في تكويناتها الصخرية الغريبة.

وبحسب عبد ربه، تصل أوزان بعض الكتل إلى مئات الكيلوجرامات، وتبدو من مسافات بعيدة كأنها منحوتات طبيعية موضوعة فوق الهضاب والرمال، فيما يختلف اندماجها مع سطح الصحراء من موقع إلى آخر، بما يمنح كل نطاق طابعًا بصريًا خاصًا ويزيد من جاذبية السياحة البيئية والرحلات الاستكشافية في الوادي الجديد.

وأشار إلى أن الظواهر الجيولوجية المشابهة تظهر كذلك في مناطق أخرى من الصحراء المصرية، بينما تجعل الأحجام والألوان المتباينة من صخور البطيخ مشهدًا لافتًا لعشاق التصوير والرحلات البرية.

وقال محسن عبد المنعم يونس، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن السياحة البيئية يمكن أن تستفيد من هدوء هذه المواقع واتساعها وتنوع مسارات السفاري والتخييم والتصوير الليلي.
وأوضح أن كثيرًا من الزوار يحرصون على التقاط صور تذكارية يقارنون خلالها بين صخور البطيخ وثمار البطيخ الحقيقية، في مشهد يجمع بين طرافة الاسم ودهشة التكوين الطبيعي.

ولا تتوقف قيمة المنطقة عند السياحة البيئية؛ إذ أشار يونس إلى وجود ثروات معدنية في نطاقات صحراوية بالمحافظة، من بينها الجبس والرمال البيضاء المستخدمة في صناعة الزجاج وعدد من الصناعات المرتبطة بمواد البناء.
وترتبط هذه الثروات المعدنية بما يمتلكه الوادي الجديد من موارد طبيعية أخرى، بينها الفوسفات والطفلة الزيتية في هضبة أبو طرطور، بما يمنح المحافظة أهمية اقتصادية تتجاوز المشهد السياحي.

ولفت إلى احتمالات وجود خزانات للمياه الجوفية في بعض المناطق، بما قد يسمح بإقامة مشروعات زراعية محدودة تراعي طبيعة البيئة الصحراوية، مع ضرورة تحقيق توازن بين استغلال الثروات المعدنية والحفاظ على البيئة التي تمثل أساس السياحة البيئية.

ولا تبدو صخور البطيخ ظاهرة محلية خالصة؛ إذ تظهر تكوينات كروية مشابهة في الفيوم ومناطق أخرى من الصحارى المصرية، وهو ما يعزز فرضية ارتباطها بظروف رسوبية ومناخية تكررت عبر فترات جيولوجية طويلة.
ويحوّل انتشار هذه الظواهر الجيولوجية في أكثر من منطقة مصرية التكوينات الصخرية من مجرد مشهد محلي غريب إلى عنصر من عناصر التنوع الطبيعي، يمكن توظيفه في تقديم صورة مختلفة للصحراء المصرية، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تقتصر على الرمال والكثبان.

وبين العلم والسياحة وفرص الاستثمار، تظل صحراء الوادي الجديد مساحة مفتوحة لفهم تاريخ الأرض واستكشاف صخور البطيخ، وتطوير السياحة البيئية، ودراسة فرص الاستفادة الرشيدة من الثروات المعدنية، دون الإخلال بالتوازن الطبيعي للمناطق الصحراوية.


اقرأ أيضًا:

حريق مزرعة نخيل بالطريق الدائري في الوادي الجديد والحماية المدنية تتدخل

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان