تروس خشبية وحكايات منسية.. أسرار طاحونة "أبو شاهين" الأثرية برشيد (صور)
كتب : أحمد نصرة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
تحتفظ طاحونة أبو شاهين الأثرية بمدينة رشيد بمكانة تاريخية متميزة، جعلتها ضمن أهم العناصر المعمارية التي يرتكز عليها مشروع إحياء مدينة رشيد التاريخية، الذي يهدف إلى استعادة الطابع العمراني والحضاري للمدينة والحفاظ على هويتها التراثية، تنفيذًا لخطة الدولة لتحويلها إلى مقصد سياحي وتراثي عالمي.
طاحونة "أبو شاهين" الأثرية في رشيد
وتقف الطاحونة اليوم شاهدة على حقبة مهمة من تاريخ رشيد، بعدما صمد مبناها ومكوناتها أمام مرور الزمن، لتكشف للأجيال كيف كانت عملية طحن الغلال تتم قبل ظهور الآلات الحديثة، وكيف ارتبطت الطاحونة في الوقت نفسه بنظام الوقف والإنفاق على المنشآت الدينية.
تعود قصة طاحونة أبو شاهين إلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، الموافق للقرن الثامن عشر الميلادي، عندما أنشأها عثمان أغا الطوبجي، قائد المدفعية بالحامية العثمانية في رشيد، وخصصها لطحن الغلال، وكانت تدار بواسطة الدواب.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن عثمان أغا لاحظ تردي أحوال مسجد المحلي واحتياجه إلى موارد مالية للصيانة والعناية، فأنشأ الطاحونة وخصص جزءًا من ريعها للإنفاق على المسجد، لتصبح بذلك منشأة اقتصادية ارتبط دورها بالحفاظ على أحد أبرز مساجد المدينة.
يوضح الأثري أحمد حبالة، مدير تفتيش آثار رشيد، أن هذا النوع من الطواحين كان منتشرًا في المدينة خلال تلك الفترة، وكانت الطواحين إما تلحق بالمنازل أو تقام بشكل مستقل.
وكانت طواحين الأغنياء تعتمد على الحيوانات في تشغيلها، بينما اعتمدت طواحين الفقراء على سواعد الرجال، ومن بينها طواحين الرحى والطواحين ذات الأذرع، لتظل طاحونة أبو شاهين واحدة من النماذج الباقية التي توثق هذه الصناعة القديمة.
تطل الواجهة الرئيسية للطاحونة على شارع الأمصيلي، ويغلق عليها باب خشبي ذو مصراعين، يعلوه منور من المصبعات الحديدية.
ويقود المدخل إلى دركاة تضم مسطاحين، كانا يستخدمان لوضع الحبوب وتجفيفها قبل عملية الطحن، بينما تعلو المسطاح الغربي حجرة مخصصة لإقامة الطحان، ويمكن الوصول إليها عن طريق سلم من المدار الغربي.
كما يوجد سلم آخر بالمدار الشرقي يؤدي إلى سطح الطاحونة، ومن خلالهما يمكن الوصول إلى المدارين اللذين يضمان طاحونتين كاملتي العدة والآلة.
كيف كانت الطاحونة تعمل؟
تتكون الطاحونة من مدارين، شرقي وغربي، ويضم كل مدار حجرًا مستديرًا به فتحة في المنتصف، موضوعًا فوق قاعدة ثابتة ذات حافة بارزة لحجز الحجر.
ويتصل الحجر العلوي بمنظومة من العجلات والتروس الخشبية، تنقل الحركة الناتجة عن دوران الحيوان المستخدم في التشغيل إلى أحجار الطحن، بينما تحمل «الجايزة»، وهي خشبة مستعرضة، أجزاء الطاحونة، وتتصل بـ«الهرميس» الذي يوضع على رقبة الحصان أو الثور لتحريك الطاحونة.
وتتميز الطاحونة بوجود قادوسين منفصلين، بما يسمح بطحن نوعين من الحبوب في الوقت نفسه، مع إمكانية التحكم في درجة نعومة أو خشونة الدقيق.
إسطبل للدواب وحجرة للطحان
لم تكن الطاحونة مجرد غرفة تضم أحجار الطحن، وإنما ضمت مجموعة من العناصر المرتبطة بعملية التشغيل.
فقد احتوت على حجرة لمبيت الطحان، وإسطبل لإقامة البغال التي تدير الطواحين، إلى جانب أماكن مخصصة لوضع العلف والماء، وأماكن أخرى لتجفيف الحبوب قبل طحنها.
وكانت الطاحونة تعمل طوال أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة، الذي كان مخصصًا لراحة الطحان والدواب، وإجراء أعمال الصيانة وتنظيف أحجار الطحن من بقايا الحبوب والدقيق.
لماذا حملت اسم أبو شاهين؟
رغم أن عثمان أغا الطوبجي هو منشئ الطاحونة، فإن اسم «أبو شاهين» ارتبط بآخر شخص عمل بها قبل توقفها.
وتوضح الروايات الأثرية أن إطلاق أسماء آخر العاملين أو المالكين على المنشآت كان أمرًا شائعًا في رشيد، وهو ما يفسر ارتباط الطاحونة باسم أبو شاهين، آخر الطحانين الذين تولوا العمل بها.
تكشف الطاحونة عن جانب مهم من خصوصية العمارة الرشيدية، إذ استخدم في بنائها الطوب المنجور، الذي اشتهرت به المدينة خلال تلك الفترة.
وكان الطوب يحرق بدرجة معينة ليكتسب اللونين الأسود والأحمر، كما استخدمت مادة «القصرمل» في البناء، وهي خليط من الجير والحمرة والسرسة.
واستخدمت الميد الخشبية داخل الجدران للمساعدة في الحد من التصدعات والشروخ، بينما دعمت الأسقف بالصواري الخشبية.
أعمدة أثرية وحنايا لحماية الدواب
ومن التفاصيل اللافتة داخل الطاحونة وجود أعمدة رخامية داخل الإسطبل، يرجح أنها أعمدة أعيد استخدامها من مبانٍ أو معابد مهدمة من عصور سابقة، ويرجح أن بعضها يعود إلى العصر البيزنطي.
كما نفذت فتحتان معقودتان بالمدارين، يرتكز عقد كل منهما على عمودين رخامين، وكانتا مخصصتين لجلوس السايس المشرف على تشغيل الطاحونة.
ونفذت كذلك حنايا ضحلة في الجدران المحيطة بالمدارين، بهدف منع احتكاك الحيوانات بالجدران أثناء دورانها وتشغيل آلية الطحن.
من طحن الغلال إلى شاهد على تاريخ رشيد
ارتبطت الطاحونة لسنوات طويلة بالحياة اليومية لأهالي رشيد، إذ كانت الغلال تصل إليها ليجري طحنها مقابل أجر يدفع نقدًا أو بنظام المقايضة، من خلال الحصول على جزء من الحبوب أو المحاصيل.
ومع ظهور الآلات الحديثة وتطور وسائل الطحن، توقف العمل بالطاحونة، لكن المبنى ومكوناته بقيا شاهدين على مرحلة مهمة من تاريخ الصناعة والحياة اليومية في رشيد، لتتحول من منشأة تؤدي وظيفة اقتصادية إلى أثر يحكي تفاصيل زمن كامل.
طاحونة أبو شاهين في مشروع إحياء رشيد
وتأتي العناية بطاحونة أبو شاهين ضمن جهود الحفاظ على المقومات التراثية لمدينة رشيد، التي تضم مجموعة استثنائية من المنشآت التاريخية، وتعد الطاحونة جزءًا من مجموعة الأمصيلي التي تضم منزل الأمصيلي ومنزل حسيبة غزال والطاحونة.
وبالإضافة إلى العناية بمبنى الطاحونة، شملت الأعمال تطوير واجهات العمارات المحيطة بألوان موحدة تتناسب مع الطابع التراثي للمدينة، وتنفيذ نموذج موحد لواجهات المحال التجارية، إلى جانب توحيد تصميمات اللافتات والإعلانات، بما يحقق مظهرًا حضاريًا متناسقًا يعكس الهوية التاريخية والجمالية لرشيد.
وأكدت الدكتورة جاكلين عازر أن مشروع إحياء مدينة رشيد يحظى باهتمام كبير من الدولة، نظرًا لما تمثله المدينة من قيمة تاريخية وحضارية فريدة، مشيرة إلى أن أعمال التطوير تستهدف الحفاظ على الهوية المعمارية المميزة، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والخدمات، بما يعزز مكانة رشيد كواحدة من أبرز الوجهات التراثية والسياحية في مصر، ويدعم جهود التنمية المستدامة بمحافظة البحيرة.
اقرأ أيضًا:
حبس عامل وشقيقته 4 أيام بتهمة تعذيب نجل شقيقهما حتى الموت في وادي النطرون
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News