عاش بها سحرة فرعون ومشت فيها زوجة الرسول.. حكاية القرية الأكثر إثارة للجدل بالصعيد -صور
كتب : جمال محمد
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
على الضفة الشرقية لنهر النيل جنوب محافظة المنيا، تقف قرية أنصنا شاهدة على آلاف السنين من التاريخ، تحمل بين جنباتها آثارًا وحكايات تمتزج فيها الحقيقة بالأسطورة، حتى باتت واحدة من أكثر المناطق المصرية إثارة للفضول.
هنا تتجاور أطلال الحضارات الفرعونية والرومانية والقبطية والإسلامية، وتتناقل الألسنة رواية قديمة تقول إن هذه الأرض كانت موطنًا لسحرة فرعون الذين استدعاهم لمواجهة النبي موسى عليه السلام.
أسطورة لم تغادر ذاكرة الأهالي
ورغم مرور قرون طويلة على تلك الرواية، لا تزال حاضرة بقوة في وجدان أبناء القرية، فالكثير من الأهالي يروون أن أنصنا كانت تضم مئات السحرة المشهورين في مصر القديمة، وأن فرعون استعان بهم من هذه المنطقة في يوم الزينة الشهير لمواجهة معجزة العصا.
وتوارثت الأجيال تلك الحكاية حتى أصبحت جزءًا من هوية المكان، يتحدث عنها الكبار للصغار، وتُروى للزائرين باعتبارها واحدة من أشهر الأساطير المرتبطة بتاريخ الصعيد المصري.
ولم تتوقف القصة عند الروايات الشعبية، بل وجدت طريقها إلى بعض الكتب التاريخية القديمة، فقد أشار المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه الشهير "الخطط المقريزية" إلى أن أنصنا عُرفت بارتباطها بسحرة فرعون، وذكر أن السحرة الذين واجهوا موسى عليه السلام يُقال إنهم كانوا من أبناء هذه المدينة.
كما نقل المقريزي روايات أخرى متداولة آنذاك، منها أن التماسيح كانت تتجنب الاقتراب من ساحل أنصنا بسبب طلاسم وضعت بها، في صورة تعكس حجم الغموض والأساطير التي أحاطت بالمدينة عبر العصور.
ورغم انتشار تلك الروايات، فإن المؤرخين والباحثين يؤكدون عدم وجود دليل أثري أو علمي حاسم يثبت أن سحرة فرعون خرجوا بالفعل من أنصنا، فالقصة بقيت في إطار الروايات التاريخية المتداولة التي تناقلها الرحالة والمؤرخون عبر مئات السنين دون أن تُحسم بالأدلة المادية.
لكن غياب الدليل لم يمنع استمرار الحكاية، بل ربما زادها غموضًا وجاذبية، لتظل واحدة من أكثر القصص تداولًا حول تاريخ القرية.
ويرى المؤرخ الشاب أحمد إبراهيم، أحد أبناء المنيا والمشاركين في إعداد فيلم وثائقي عن تاريخ القرية، أن الرواية الخاصة بسحرة فرعون لم تُثبت بشكل قاطع، لكنها ظلت حاضرة في العديد من كتب المؤرخين والرحالة، الأمر الذي ساهم في ترسيخها داخل الوعي الشعبي.
ويؤكد أنصنا اليوم ليست مجرد قرية أثرية، بل نموذج فريد لتراكم الحضارات المصرية المتعاقبة، بينما تبقى أسطورة "سحرة فرعون" واحدة من أكثر الحكايات التي تمنح المكان سحره الخاص وغموضه الممتد عبر الزمن.
مدينة عمرها أكثر من ألفي عام
بعيدًا عن الأساطير، تمتلك أنصنا تاريخًا حقيقيًا لا يقل أهمية وإثارة، فالمدينة ترجع جذورها إلى أكثر من ألفي عام، وكانت الضاحية القبطية لمدينة "أنتنيوبوليس" التي أنشأها الإمبراطور الروماني هادريان عام 130 ميلادية.
وخلال العصر الروماني تمتعت المدينة بمكانة خاصة، وتحولت لاحقًا إلى واحدة من أهم المدن المسيحية في مصر، حتى عُرفت باسم "مدينة الشهداء" لما شهدته من موجات اضطهاد واسعة ضد المسيحيين خلال عصر الاستشهاد.
ولا تزال أطلال المدينة القديمة الممتدة في الصحراء المجاورة للقرية شاهدة على تلك الحقب التاريخية، فيما تحتفظ المنطقة ببقايا أثرية تعود إلى عصور مختلفة، من بينها آثار مرتبطة بعهد الملك رمسيس الثاني.
مارية القبطية
ولا تقتصر أهمية أنصنا على تاريخها الفرعوني أو الروماني، بل تمتد أيضًا إلى التاريخ الإسلامي، فبحسب الروايات التاريخية، خرجت من هذه المنطقة السيدة مارية القبطية زوجة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والتي تحظى بمكانة خاصة في الوجدان الإسلامي.
كما ارتبط اسم القرية بالصحابي الجليل عبادة بن الصامت، الذي يُنسب إليه نشر الإسلام في المنطقة، وهو ما أضفى على أنصنا بعدًا دينيًا إضافيًا جعلها ملتقى لحضارات وثقافات متعددة عبر العصور.
وفي أنصنا، لا يعرف الزائر أين تنتهي حدود التاريخ وأين تبدأ الأسطورة، فكل حجر يحكي قصة، وكل طريق يقود إلى حكاية، لتظل القرية واحدة من أكثر بقاع المنيا ثراءً بالأسرار والذكريات، ولا تختلف كثيراً عن منطقة البهنسا "البقيع الثاني" والتي تضم حكايات من مختلف العصور وفي أرضها المئات من الصحابة والتابعين.