إعلان

شريان مائي تحت الرمال.. "عين جالاو" بالفرافرة تبوح بأسرار هندسة الرومان

كتب : محمد الباريسي

06:04 م 11/06/2026

تابعنا على

في قلب الصحراء الغربية، وعلى بُعد خمسة كيلومترات من مدينة الفرافرة القديمة بمحافظة الوادي الجديد، تختبئ منطقة "عين جالاو" بين بساتين النخيل العتيقة والرمال الصامتة، حاملةً في باطنها إرثاً حضارياً متراكماً عبر آلاف السنين، من عصور ما قبل التاريخ حتى الحقبة القبطية.

موقع لا يعرفه كثيرون، لكنه يُخفي من أسرار تاريخ الواحات ما يكفي لإعادة رسم خريطة الحضارة المصرية القديمة في صحاريها الشاسعة.

الفرافرة التاريخية.. محطة استراتيجية على طرق القوافل الصحراوية

قال الخبير الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار بالواد الجديد، لمصراوي، إن منطقة الفرافرة شهدت فترات مطيرة غزيرة منذ عصور ما قبل التاريخ، لا سيما خلال العصر الهولوسيني المبكر، حين كانت الصحراء الغربية أرضاً خصبة تزدهر بالمراعي والبحيرات الموسمية، مما هيّأ المناخ لنشوء تجمعات بشرية مبكرة، وحركة قبائل قديمة تنتقل بين الواحات ووادي النيل بحثاً عن الماء والكلأ.

وأكد إبراهيم، أنه مع تعاقب الأزمان، تحوّلت الفرافرة إلى محطة استراتيجية على طرق القوافل الصحراوية الكبرى، إذ ربطت بين واحات الداخلة والبحرية ووادي النيل، وكان وجود العيون الطبيعية، ومنها "عين جالاو"، هو العامل الحاسم في استمرار الاستقرار البشري والنشاط الزراعي بالمنطقة على مرّ العصور.

عبقرية نقل المياه الجوفية بالجاذبية

يُعدّ نظام "الفغارات" أو القنوات الجوفية القديمة من أبرز ما تزخر به "عين جالاو"، وهو نظام هندسي بالغ الدقة والإبداع جرى توظيفه لنقل المياه تحت الأرض لمسافات طويلة دون الحاجة إلى رفعها بالسواقي، إذ جرى حفر هذه القنوات بانحدار مدروس يتيح تدفق المياه من الخزان الجوفي مباشرةً إلى البساتين، مستعيناً بقوى الجاذبية وحدها.

هذا ما أكده الخبير الأثري بهجت أحمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية السابق بالوادي الجديد، مضيفًا أن هذه الأنظمة عُرفت منذ الحضارة المصرية القديمة، ثم جرى تطويرها وتوسيعها في العصرين الروماني والقبطي، لتنتشر على نطاق واسع في الواحات الغربية، لما تتميز به من قدرة فائقة على الحدّ من تبخر المياه في ظل المناخ الصحراوي القاسي، وكانت فتحات التهوية والصيانة تظهر على سطح الأرض في خطوط مستقيمة واضحة، فيما تمتد القناة نفسها في صمت تحت الرمال والصخور.

وقال إن اليوم، لا تزال بعض هذه القنوات ظاهرة للعيان وسط حدائق النخيل والزيتون القديمة في «عين جالاو»، وكأنها شرايين أثرية حية ما زالت تحمل ذاكرة الماء في قلب الصحراء.

قال خبير الآثار القبطية بالوادي الجديد، منصور عثمان، إنه لا تقتصر ثروة "عين جالاو" على أسرار المياه؛ فالمنطقة تضم أيضاً عدداً من المقابر الصخرية المنحوتة داخل التلال الحجرية، يعود أغلبها إلى العصر الروماني، وهي مقابر تتسم بالبساطة وتخلو في معظمها من الزخارف المعقدة، مما يعكس طبيعة المجتمعات الزراعية الصغيرة التي عاشت في ظل واحة الفرافرة آنذاك وعاشت على بركات عين جالاو.

وأكد منصور، أنه جرى العثور على نقوش وعلامات قبطية في المنطقة، تؤكد استمرار الوجود البشري المسيحي خلال القرون الأولى للمسيحية في مصر، مُضيفةً طبقةً حضارية جديدة فوق ما خلّفه المصريون القدماء والرومان.

كيف تحولت الواحات الغربية لمراكز حضارية كبرى؟

تكشف هذه الآثار مجتمعةً عن الدور المحوري الذي أدّته الواحات الغربية إبان العصر الروماني، حين كانت مناطق زراعية رئيسية تمدّ الدولة الرومانية بالحبوب والتمور وزيت الزيتون، وقد أنشأ الرومان في الفرافرة والواحات المجاورة نقاطاً دفاعية وحصوناً متينة لحماية طرق القوافل والآبار ومخازن الغلال، مُدركين أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية.

هذا ما أكد محسن عبد المنعم يونس، مدير الهيئة المصرية العامة لتنيط السياحة بالوادي الجديد، موضحًا أن الواحات لم تكن يوماً مناطق هامشية معزولة عن الحضارة المصرية، بل كانت مراكز حضارية متصلة بالعالم القديم، عاشت فيها حضارات متعاقبة: المصريون القدماء، والرومان، والأقباط، والعرب، وتركت جميعها بصماتها الراسخة في الأرض واللغة والعادات والزراعة والعمارة.

وقال محسن، إن "عين جالاو" تتميز بطابعها العزلاتي الفريد؛ إذ يستلزم الوصول إليها حتى اليوم امتلاك سيارة دفع رباعي أو السير عبر الرمال، ولا يمكن الولوج إلى المنطقة إلا من خلال بساتين النخيل القديمة العتيقة، مما يمنح الزائر إحساساً نادراً بالعزلة التاريخية، وكأن الزمن توقف هناك منذ قرون بعيدة.

وأضاف أنه قد ارتبطت حياة الإنسان الواحاتي دائماً بالماء ارتباطاً عضوياً لا فكاك منه؛ فالعيون والآبار كانت تُعامَل باعتبارها مراكز الحياة والاستقرار بامتياز، ومنها تتفرع الحقول، وتُشيَّد البيوت، وتُقام المقابر، لذلك فإن دراسة «عين جالاو» لا تكشف فحسب عن موقع أثري صغير، بل تفتح باباً واسعاً لفهم حضارة الواحات المصرية بمجملها وتعقيداتها الثرية.

واختتم حديثة محسن موضحا أنه تُمثّل "عين جالاو" اليوم جزءاً لا يتجزأ من التراث الواحاتي الأصيل الذي يستدعي مزيداً من التوثيق العلمي والدراسة الميدانية والحماية الفعلية، لا سيما في ظل ما تختزنه من آثار مائية وزراعية وصخرية نادرة، قد تكشف في المستقبل القريب عن صفحات جديدة مجهولة من تاريخ الفرافرة وواحة الوادي الجديد والواحات الغربية المصرية بأسرها، مضيفًا: كم من الأسرار ما زالت مدفونة تحت رمال صحاري الوادي الجديد، تنتظر بصبر من يقرأ تاريخها بعين الباحث المدقّق وعشق عاشق تراب الواحات؟

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان