إعلان

أسرار ومحطات لا تعرفها عن قرية "الجديدة" في الوادي الجديد -صور

كتب : محمد الباريسي

06:52 م 02/11/2026

تابعنا على

احتفظت قرية الجديدة، الواقعة على بُعد نحو 20 كيلومترًا من مدينة موط، عاصمة مركز الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، بصفحات استثنائية من تاريخ الواحات المصرية، امتزجت فيها حكايات العائلات الأولى بمقاومة الاحتلال الإنجليزي، ومواجهة زحف الرمال، وصولًا إلى بناء مجتمع زراعي حافظ على عاداته وتقاليده رغم التحولات التي شهدتها المنطقة على مدار عقود.
وبين مزارع النخيل والتلال الرملية التي تفصل الأراضي الزراعية، تكشف شهادات مؤرخين وأبناء القرية، تفاصيل رحلة طويلة من التحديات، بدأت بالاستقرار في الصحراء، وامتدت إلى التعليم والكهرباء والعمران، فيما ظلت العادات والتقاليد حاضرة في المناسبات الاجتماعية.

البدايات الأولى.. عائلات قدمت من أسيوط

تعود جذور قرية الجديدة، بحسب مذكرات العمدة الراحل شاذلي منصور، إلى استقرار عائلات قدمت من مناطق مختلفة، أبرزها عائلة «مزاج»، التي تعود أصولها إلى بني عديات بمحافظة أسيوط، ولها امتدادات عائلية في قريتي الراشدة وبدخلو.
ويقول محمود عبد ربه، الباحث في التراث الواحاتي،: إن مزارع النخيل وحفر الآبار شكّلا أساس الحياة الاقتصادية منذ البدايات الأولى، رغم طبيعة الأرض التي تتخللها تلال رملية.
ومع اتساع التجمعات السكنية، أصبحت الزراعة النشاط الأساسي للأهالي، بالتوازي مع ظهور وظائف ومهن أخرى في مركز الداخلة.

مدرسة أهلية وتكريم في عهد الخديوي

شهدت قرية الجديدة خلال أوائل القرن العشرين جهودًا أهلية لنشر التعليم، إذ شاركت العائلات في تأسيس مدرسة أهلية بالجهود الذاتية، قبل التوسع التدريجي في الخدمات التعليمية.
وتشير مذكرات العمدة شاذلي منصور إلى حصول أحد أجداده على لقب البكوية وتكريم من الخديوي عباس حلمي، شمل سيفًا ووسامًا وهدايا تقديرًا لدوره المجتمعي.
كما احتفظت عائلة العمودية بمضيفة لاستقبال كبار الزوار، وسجل تاريخي يضم كلمات لشخصيات زارت القرية عبر أجيال متعاقبة، بحسب محمود عبد ربه.

حكاية قرية رفضت دخول الإنجليز

ويروي منصور شاذلي، الذي تولى العمودية خلفًا لوالده، تفاصيل واقعة ارتبطت بفترة الاحتلال البريطاني، مؤكدًا أن قرية الجديدة واجهت مطالبات مالية من قوات الاحتلال.
وبحسب الرواية العائلية، أرسل أحد أجداده الأموال المطلوبة دون السماح للقادمين بدخول القرية، في موقف ظل حاضرًا في الذاكرة الشعبية للأهالي.
وتبقى تفاصيل الواقعة، بما فيها ملابسات منح لقب البكوية، بحاجة إلى وثائق تاريخية مستقلة لإثباتها، خاصة مع اختلاف الروايات المتداولة بشأن مصدر التكريم.

رحلة البحث عن الرزق

خلال ثلاثينيات القرن الماضي، اتجه عدد من أبناء قرية الجديدة إلى القاهرة بحثًا عن فرص العمل والتجارة.
ويؤكد محمود عبد ربه أن العديد من أصحاب المحال التجارية في شارع باب البحر بالقاهرة تعود جذورهم إلى القرية، مشيرًا إلى استمرار الروابط الاجتماعية والعائلية بين المهاجرين وموطنهم الأصلي.
وظلت مزارع النخيل مصدرًا رئيسيًا للدخل لدى الأسر المقيمة في مركز الداخلة، بينما ساهمت الهجرة في تنويع مصادر المعيشة.

الكهرباء تغير وجه القرية

بدأت مرحلة جديدة من التنمية عقب إعلان الرئيس جمال عبد الناصر، عام 1958، مشروع إنشاء وادٍ جديد موازٍ لوادي النيل.
وفي 3 أكتوبر 1959، وصلت أولى قوافل التعمير إلى الوادي الجديد، وهو التاريخ الذي أصبح العيد القومي للمحافظة، وفق الهيئة العامة للاستعلامات.

ويشير محمود عبد ربه إلى أن الإذاعية آمال فهمي استضافت العمدة شاذلي منصور في برنامج «على الناصية»، للحديث عن قرية الجديدة ودورها المجتمعي.
وفي أواخر الستينيات، دخلت الكهرباء القرية، التي كانت، بحسب شهادات الأهالي، من أوائل قرى مركز الداخلة التي حصلت على الخدمة بعد مدينة موط.
وساهم وصول الكهرباء في تحسين ظروف المعيشة وتشجيع الاستقرار، بعدما كانت الهجرة أحد الخيارات المتاحة أمام السكان.

معركة لإنقاذ الأرض والمنازل

رغم التحولات العمرانية، ظل زحف الرمال أحد أبرز التحديات التي واجهت قرية الجديدة، خاصة مع اقتراب الكثبان من المناطق الزراعية والسكنية.
ويكشف الدكتور عبد المنعم حنفي، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة بورسعيد، في تصريحات لـ «مصراوي»، عن جهود بدأت بدراسة حركة الكثبان الرملية عام 1974، بالتعاون مع الدكتور فاروق الباز.
ويوضح حنفي أنه خلال رئاسته مركز الداخلة عام 1982، اتخذ إجراءات ميدانية لمواجهة زحف الرمال، تضمنت حفر بئر شمال حديقة العمدة، وتشجيع الأهالي على زراعة مناطق الغرود الرملية.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات ساعدت، وفق تقديره، في الحد من زحف الرمال باتجاه منطقتي الجوسق ونخيل العمدة.

كيف تحولت الكثبان إلى منازل؟

لم تقتصر جهود مواجهة زحف الرمال على حماية مزارع النخيل، بل امتدت إلى استغلال بعض المناطق الرملية في التوسع العمراني.
ويقول حنفي إن أجزاء من الكثبان الواقعة غرب قرية الجديدة قُسمت إلى قطع أراضٍ للبناء، مع تجهيز الطرق باستخدام الطفلة ومد شبكات المياه.
وأضاف أن هذه الإجراءات أسهمت في ظهور مساكن جديدة على جانبي طريق الموشية، وتحويل مساحات كانت تواجه خطر الرمال إلى مناطق عمرانية.

عادات الزواج.. الحمام والذبائح وعشاء القلب

بعيدًا عن مشروعات التنمية، احتفظت العادات والتقاليد بمكانة خاصة في المجتمع المحلي، خصوصًا خلال حفلات الزواج.
ويقول حنفي إن العادات والتقاليد القديمة تضمنت ذبح أسرتي العروس والعريس ذبائح لإطعام الأهالي، في مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي.
ومن أبرز الطقوس تقديم أم العروس أزواجًا من الحمام إلى أسرة العريس خلال أسبوع، إلى جانب إعداد وجبة تعرف باسم «عشاء القلب» ليلة الزفاف.
كما كانت الزفة تُنظم على ظهور الجمال أو الخيول، فيما تضمنت بعض العادات والتقاليد زيارات لأضرحة الشيخ سيد والشيخ خضر.
وتعكس هذه الممارسات جانبًا من التراث الموروث، دون أن يعني ذلك استمرار جميع تفاصيلها لدى كل الأسر حاليًا.

قرى وعزب تنمو في عمق الصحراء

ويقول محسن عبد المنعم، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، إن الوحدة المحلية لقرية الجديدة تضم تجمعات منها الغرغور والقلمون والموشية، التي شهدت توسعًا عمرانيًا خلال العقود الماضية.
وتبقى قرية الجديدة نموذجًا لتاريخ الاستقرار في مركز الداخلة، حيث تتجاور مزارع النخيل مع العمران الحديث، وتحضر العادات والتقاليد إلى جانب التعليم والعمل الحكومي.
وبين ذاكرة مقاومة زحف الرمال وحكايات العائلات، تستمر القرية شاهدًا على قدرة سكان الواحات على التكيف مع البيئة الصحراوية، والحفاظ على هويتهم عبر الأجيال.

اقرأ أيضا
مصرع شخصين وإصابة 4 آخرين في تصادم سيارتين بالوادي الجديد

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك