في أحد أحياء مدينة أسيوط، خلال شهر مارس عام 2026، كان "فتحي. ف"، الرجل الستيني الذي أفنى عمره في العمل وكسب الحلال، يسير بخطى مثقلة بالهموم نحو منزل زوج ابنته؛ لم تكن تلك الزيارة ودية، بل كانت محاولة أخيرة من أب يسعى لحفظ حقوق ابنته، وتوثيق زواجها "العرفي" من الشاب "ع. ج" البالغ من العمر 27 عامًا، لإنهاء خلافات أسرية طال أمدها.
كان المجني عليه يحمل بين طيات ملابسه مبلغًا ماليًا قدره 55 ألف جنيه، جمعه من سنوات عمله، دون أن يدرك أن تلك الزيارة ستكون الأخيرة في حياته.
وبحسب ما كشفت عنه أوراق القضية، داخل جدران المنزل، لم يجد الأب العجوز آذاناً صاغية، بل استقبله "ع. ج" وشقيقته "ي" بقلوب غلفها الطمع والجحود؛ احتدم النقاش، وارتفعت الأصوات حين طالب "فتحي" بحقوق ابنته بقوة، وفي لحظة شيطانية، تحول الخلاف إلى غدر؛ حيث انقض الشاب العشريني على حماه، واستل "شالاً قماشياً" كان قد أعده مسبقاً، ولفه حول عنق الرجل المسن بكل ما أوتي من قوة. وضغط عليه بقوة قاصدًا إنهاء حياته.
حاول المجني عليه مقاومة الاعتداء والنجاة بحياته، إلا أن شقيقة المتهم "ي" تدخلت وأمسكت بذراعيه لمنعه من الحركة والدفاع عن نفسه، ما مكّن شقيقها من مواصلة خنقه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة بين أيديهما.
ببرود قاتل، وبدلاً من الندم، سارع القاتل إلى تفتيش جيوب ضحيته، استولى على هاتفه المحمول ومبلغ 45 ألف جنيه، ولإخفاء الجريمة المروعة، خطط الشقيقان للتخلص من الجثة، أحضر المتهمان جوالاً بداخله جثمان المجني عليه، وربطاه بحجر أبيض ثقيل لضمان غوصه في المياه وعدم ظهوره.
واستعار الشقيقان دراجة نارية "تروسيكل" من أحد الجيران، بدعوى استخدامها في نقل بعض متعلقات شقيقة المتهم، ثم حمّلا عليها الجثمان وتوجها به خلال ساعات الليل إلى ترعة نجع حمادي بمحافظة أسيوط، وألقياه في المياه، ظناً منهما أن السر قد دُفن للأبد.
بعد مرور عدة أيام، طفا الجثمان على سطح المياه، وعُثر عليه مقيدًا ومثقلًا بالحجر، فيما انتقلت الأجهزة الأمنية بقسم أول أسيوط إلى موقع العثور عليه، وبدأت في فحص بلاغات التغيب لكشف هويته.
وبمضاهاة أوصاف الجثمان مع البلاغات المقدمة، تمكنت أسرة المجني عليه من التعرف عليه، بينما أفادت زوجته بأنه غادر المنزل متوجهًا إلى زوج ابنته لحل الخلافات الأسرية، وكان يحمل بحوزته مبلغًا ماليًا.
مثلت أقوال زوجة المجني عليه الخيط الأول الذي قاد رجال المباحث إلى المتهمين، حيث جرى إعداد الأكمنة اللازمة وضبط الشقيقين.
وأسفرت عملية التفتيش عن العثور بحوزة المتهم الأول على هاتف محمول جديد اشتراه عقب الواقعة، إلى جانب مبلغ 10 آلاف و500 جنيه، بينما ضُبط بحوزة شقيقته مبلغ 10 آلاف جنيه من أصل 15 ألف جنيه حصلت عليها مقابل مشاركتها في الجريمة.
وبمواجهة المتهمين بما أسفرت عنه التحريات والمضبوطات، اعترفا بتفاصيل ارتكاب الجريمة، بداية من الاعتداء على المجني عليه وقتله وسرقته، وصولًا إلى نقل جثمانه وإلقائه في مياه الترعة.
وعقب انتهاء التحقيقات، أُحيل المتهمان إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهما عما نُسب إليهما من اتهامات.
وفي قاعة الدائرة الأولى بمحكمة جنايات أسيوط، برئاسة المستشار محمد فتحي صادق، وعضوية المستشارين عماد الدين عزت محمد، وعمرو عثمان مهني، وطاهر أبوزيد، وبحضور أمين السر صلاح تمام محمد ومارتن يوسف. خيم صمت مهيب قبل أن ينطق القضاء بكلمته العادلة؛ أُسدل الستار على الفصل الأخير من المأساة، حيث قضت المحكمة بإحالة أوراق المتهم الأول إلى فضيلة مفتي الجمهورية لاستطلاع الرأي الشرعي في إعدامه، بعد إدانته بقتل والد زوجته وسرقته والتخلص من جثمانه.
وقررت المحكمة تأجيل النطق بالحكم على شقيقة المتهم، على خلفية اتهامها بالمشاركة في ارتكاب الجريمة ومساعدة شقيقها في التخلص من جثمان المجني عليه.
اقرأ أيضًا:
"توكيل ملغى وقضايا ملفقة".. السجن 10 سنوات لشقيقين للإيقاع بشقيقهما في أسيوط