قبل شهور كان المهندس محمود جوده يحمل حقيبة تحتوى أجهزة الإلكترونية، فجأة استشعر وجود حرارى وتصاعد دخان من الحقيبة، ليكتشف اشتعال باور بانك كان داخلها.
سيطر جوده على الموقف وأفرغ ما بداخلها وألقى جهاز تخزين الطاقة المحمول لتلافي أية عواقب تنتج عن اشتعال البطاريات.
الموقف لم يمر على المهندس محمود جودة حادث عارض نجا منه، سيطر عليه التفكير وتحول للحظة إلهام، خريج قسم هندسة تكرير وبتروكيماويات بكلية هندسة البترول جامعة السويس يعلم تركيب البطارية الليثيوم ويعلم جيدا لماذا اشتعلت.
معادن ثمينة داخل البطارية
ثمة تركيبة معادن داخل الباور بانك، تَذكر دورها وقيمتها الثمينة وأضاءت فكرة في رأسه كالشرر المشتعل "لماذا لا اخرج مكوناتها كل على حدى لاستفيد منها"، بحث محمود عن تطبيق لفكرته فاكتشف أنها الأولى من نوعها في مصر والدول العربية، فكان السؤال لماذا لا ابدأ وأكون أول من يعيد تدوير البطاريات الليثيوم في مصر الشرق الأوسط.
اجتهد للوصول بالفكرة إلى التطبيق التكنولوجي الوصول إلى الألات المستخدمة لتحقيق ذلك، وأطلق على المشروع " cell revolt" وشارك به في المبادرة الوطنية المشروعات الخضراء والذكية، وحصد المركز الأول على محافظة السويس متفوقا على 25 مشروع استقبلتها اللجنة المعنية بمطابقة المعايير الخاصة بالمبادرة، كما ينافس من بين عدة مشروعات على مستوى الجمهورية.
يمثل مشروع المهندس محمود جودة 38 عاماً، وصديقه ماجد هشام شريكه في المشروع تحديا كبيرا للتطبيق، وفي المقابل يحظى المشروع باهتمام كبير ومتابعة رسمية، للاستفادة من ثروة غير مستغلة.
كشف المهندس محمود جودة أن البحث عن أسباب الحريق وكيفية التخلص من البطاريات الليثيوم قاده إلى أن البطاريات الليثيوم في مصر لا يتم استغلالها أو إعادة تدويرها نهائياً على عكس بطاريات الرصاص الخاصة بالسيارات التي تباع وتستبدل مقابل لاستخراج الرصاص منها.
قنابل عشوائية التوقيت
يقول جودة إن بطاريات الليثيوم تلقى عادة في القمامة دون تخلص آمن، ورغم خطورتها البالغة وصفها بأنها قنابل عشوائية التوقيت، بسبب قابليتها للسخونة والاشتعال، إلا أنها يجرى تهريبها عبر تجار الخردة إلى الصين رغم انضمام جمهورية مصر العربية عام 2023 ل "اتفاقية بازل" التي تمنع تصديرها، مما يفقد البلاد ثروات مواد غالية الثمن.
تستهدف اتفاقية بازل حماية صحة الإنسان والبيئة من الآثار الضارة الناجمة عن توليد النفايات الخطرة، ونقلها عبر الحدود وإدارتها، وتلزم الدول
الدول الأطراف بضمان التخلص من النفايات بطريقة سليمة بيئياً وقريباً من مصدر توليدها قدر الإمكان، مع إخضاع أي حركة نقل النفايات عبر الحدود لنظام الموافقة المسبقة والإخطار الرسمي.
يؤكد صاحب مشروع تدوير البطاريات الليثيوم أن المشروع يخدم الشركات الكبرى التي تمتلك مراكز بيانات مثل شركات الاتصالات إلى جانب قطاعات الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، ومخازن الطاقة، والسيارات الكهربائية.
100 ألف طن مخلفات إلكترونية
تُمثل المخلفات الإلكترونية واحدة من أكبر التحديات البيئية والاقتصادية في العصر الحالي، وتقدر حجم هذه النفايات في مصر من 80 إلى 100 ألف طن سنوياً بحسب تقديرات وزارة البيئة تصريح صحفي لأحمد سالم رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية لتدوير المخلفات الإلكترونية ورئيس لجنة المخلفات الإلكترونية باتحاد الصناعات المصرية.
ذلك القدر من المخلفات الإلكترونية يضم ثروات معدنية هائلة مهدرة، وتاتي البطاريات الليثيوم كأحد أخطر مكونات هذه النفايات، لكونها تفتقر إلى منظومة محلية رسمية للتخلص الآمن وإعادة التدوير.
بحسب ما توصل له المهندس جودة فإن هذه الشركات تضطر حالياً لتكبد تكاليف باهظة لتأجير حاويات مغلقة تنقل البطاريات إلى خارج البلاد لتفريغ الشحنة وإعادة إرسالها لشركات خارجية، بهدف التخلص الآمن منها، مقابل الحصول على شهادات التوافق مع الاشتراطات البيئية.
التحديات والدعم
واستطرد جودة أن أعمال المشروع اقتصرت على تجارب معملية لعدم توفر الماكينات ووجود عائق رئيسي يتمثل في عدم وجود كود صناعي لعملية إعادة تدوير بطاريات الليثيوم في مصر حتى الآن.
وأوضح أنه تواصل مع الجهات المختصة، وعقد لقاءات مع المسؤولين بالهيئة العامة للاستثمار ووجد تعاوناً كبيراً، وتلقى وعود بتشكيل لجنة فنية للعمل على تقنين وتكويد هذه الصناعة غير المسجلة بأكواد صناعية في مصر.
شارك جودة أيضا بمشروعه ضمن "المبادرة الرئاسية للتحالف والتنمية" مع جامعة القاهرة الجديدة كجزء من تحالف أطراف صناعة البطاريات، ووصل التصفيات النهائية ضمن أفضل 20 شركة من أصل 6 شركات مستهدفة، ولم يوفق في المراحل النهائية لعدم تقديم منتج نهائي فعلي من إعادة التدوير، كون الجهات المانحة تتخوف من تمويل مشاريع لم تنتج فعليا وتطلب دوما نموذج منتج وعينات مقابل العرض المالي.
يسعى المهندس محمود جوده في المرحلة الحالية لاستكمال ملف الدراسة الاستثمارية، وتدعيمها بأحدث البيانات الرسمية والدراسات البيئية الخاصة بحجم المخلفات الإلكترونية في مصر، تمهيداً لجذب الاستثمارات اللازمة وتأسيس المصنع الذي سيمثل نقطة تحول في تدوير البطاريات الليثيوم بمصر.
اقرأ أيضًا:
ضبط 30 تمساحًا صغيرًا داخل حقيبة راكب بقطار أسيوط.. ما القصة؟ (صور)