كانت محافظة المنيا على موعد مع الألم الشديد بالأمس، ففي الوقت الذي خرج فيه بعض الأبناء بحثًا عن لقمة العيش، وسافر آخرون لاستكمال رحلة العلاج أو إنهاء أوراق السفر، كانت أسرهم تنتظر عودتهم محملين بالأمل، تحولت ساعات الانتظار إلى صدمة، وتصبح الهواتف التي حملت أخبار الرحيل أثقل من أن تحتملها القلوب.
حادث مروع وقع على طريق القاهرة – أسيوط الصحراوي الغربي، بالقرب من الفيوم، أعاد عشرات الأسر إلى مشهد الفقد المفاجئ، بعدما اصطدم أتوبيس لنقل الركاب، قادم من المنيا ومتجه إلى القاهرة، بسيارة نقل ثقيل «تريلا» محملة بنحو 60 طنًا من الأسمنت، عند الكيلو 55 قبل مطلع الطريق الإقليمي في اتجاه الجيزة.
وبينما أعلنت الحصيلة الأولية مصرع 13 شخصًا وإصابة 34 آخرين، كانت وراء كل اسم حكاية مختلفة، وأحلام توقفت فجأة، وأسر وجدت نفسها أمام فاجعة لم تكن مستعدة لها.
غطاس خرج بحثًا عن مستقبل جديد فعاد في الكفن
من رحلة إلى القاهرة لإنهاء أوراق السفر، إلى عودة محمولة على الأعناق.. هكذا انتهت رحلة الشاب غطاس شكري، ابن قرية العمودين بمحافظة المنيا، الذي غادر قريته فجرًا، يحمل آمالًا في بدء حياة جديدة بالخارج، والعمل من أجل تكوين نفسه ومساعدة أسرته، لكنه عاد بعد ساعات جثمانًا يلفه الكفن الأبيض.
وبدأ أهالي القرية استقبال المعزين في الشاب، البالغ من العمر 25 عامًا، عقب تشييع جثمانه ودفنه، وسط حالة من الحزن خيمت على أسرته وأصدقائه وأبناء قريته، الذين عرفوه بخفة ظله وحرصه على مساندة الآخرين ومشاركتهم مناسباتهم.
وقال مينا جرجس، أحد أبناء القرية، إن غطاس كان يسافر لإنهاء بعض الأوراق المتعلقة بسفره إلى الخارج بحثًا عن العمل وتحسين ظروف أسرته، موضحًا أنه كان الأخ الوحيد لأربع شقيقات، ما ضاعف من حجم الصدمة التي خلفتها وفاته بين أفراد أسرته وكل من عرفه.
"هدير أيمن" فرحة تخرج شقيقها تحولت إلى مأساة
وفي قرية العوايسة التابعة لمركز سمالوط، خيم الحزن على أسرة الدكتورة هدير أيمن محمد، أخصائية العلاج الطبيعي، التي رحلت في الحادث، تاركة خلفها وجعًا كبيرًا بين أفراد أسرتها وأقاربها وأبناء قريتها.
وكانت الأسرة قد عاشت قبل الحادث بيومين فقط أجواء من الفرحة والفخر، احتفالًا بتخرج شقيق هدير من كلية الشرطة، في مناسبة عائلية حملت مشاعر السعادة والأمل بمستقبل جديد، قبل أن تنقلب الفرحة إلى مأساة برحيلها المفاجئ.
وتحولت أجواء الاحتفال إلى حزن عميق، بعدما وجدت الأسرة نفسها أمام فراق لم يكن في الحسبان، فيما استقبل أهالي القرية نبأ الوفاة بصدمة كبيرة، منتظرين وصول الجثمان لتوديع الراحلة إلى مثواها الأخير.
القس نبيل خادم الكنيسة الإنجيلية
وفي قرية صفط اللبن التابعة لمركز المنيا، أعلنت الكنيسة الإنجيلية وفاة القس نبيل عبيد، كاهن الكنيسة، متأثرًا بحادث التصادم الذي وقع بين أتوبيس الركاب وسيارة النقل الثقيل المحملة بالأسمنت.
وسادت حالة من الحزن بين أهالي القرية عقب إعلان وفاته، فيما شهدت صلاة الجنازة كلمات رثاء استعاد خلالها الحاضرون مواقف الراحل وسيرته الطيبة، مؤكدين أنه كان صاحب قلب رحيم، وكرّس حياته لخدمة رسالته الكنسية بأمانة وإخلاص، وترك أثرًا طيبًا في نفوس أسرته وأحبائه وأبناء كنيسته.
المهندس عمر طارق شاب حافظ لكتاب الله
وفي قرية صفط الخمار بمركز المنيا، اتشحت القرية بالسواد حزنًا على وفاة الشاب المهندس عمر طارق عبدالرازق، أحد ضحايا الحادث، الذي رحل في مقتبل العمر، تاركًا خلفه حزنًا واسعًا بين أسرته وأصدقائه وكل من عرفه.
ونعى أهالي القرية وأصدقاؤه الشاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرين إلى أنه كان حافظًا لكتاب الله، وملتزمًا بحضور الدروس الدينية في العديد من المساجد والمحافظات، فضلًا عن حرصه على مساعدة الآخرين والمشاركة في الأعمال الخيرية.
ووصل جثمانه في الساعات الأولى من صباح الأربعاء من مشرحة مستشفى سنورس إلى مسقط رأسه، حيث أُديت صلاة الجنازة عليه بقرية صفط الخمار، قبل دفنه في مقابر عائلته بقرية السرو التابعة لمركز أبو قرقاص، وسط دعوات بالرحمة والمغفرة والصبر لأسرته.
إسماعيل درويش وداع أخير ل "الحاج" في مسجد القشيري
وفي شارع الحسيني بحي وسط مدينة المنيا، شيع الأهالي جثمان إسماعيل درويش، البالغ من العمر 68 عامًا، الذي لقي مصرعه في الحادث المروع.
وأدى المشيعون صلاة الجنازة على الراحل في مسجد القشيري، وسط حالة من الحزن بين أسرته وأقاربه وأبناء المنطقة، الذين أكدوا أنه كان محبوبًا من الجميع، وعاد منذ عدة أشهر من الحج، لتتحول لحظات الوداع إلى مشهد جديد من مشاهد الفقد التي عاشتها المحافظة عقب الحادث.
خلف ربيع خرج مع نجله للكشف الطبي
وفي عزبة شلبي بحي شمال مدينة المنيا، خيم الحزن على أسرة خلف ربيع، الموظف بجامعة المنيا، البالغ من العمر 55 عامًا، والذي توفي في الحادث أثناء سفره برفقة نجله لإجراء الكشف الطبي على أحد أبنائه.
وشيّع الأهالي جثمانه مساء الثلاثاء، وأدوا صلاة الجنازة عليه في مسجد التحرير، وسط حالة من الحزن على رحيل رجل عرفه أبناء المنطقة بالسعي في خدمة الآخرين وحرصه على مساعدة الأهالي.
وبينما انتهت رحلة الأب بالموت، ظل نجله على قيد الحياة، ليحمل معه ذكرى الرحلة التي خرجا فيها معًا، وانتهت بفقدان والده في واحدة من أقسى صور الفراق.
رحلة العلاج التي انتهت بوفاة ياسمين ووالدته
ومن بين أكثر الحكايات إيلامًا، رحيل الطفل ياسين محمد، الطالب بالصف الخامس الابتدائي بمدارس النيل المصرية الدولية بالمنيا، ووالدته الدكتورة سالي مصطفى، في الحادث، أثناء توجههما إلى القاهرة لاستكمال رحلة علاج الطفل من مرض السرطان.
كان ياسين قد عرفه الجمهور قبل عامين، عندما ظهر مع الفنان أحمد سعد خلال حفله بالمنيا، وغنيا معًا أغنية «محارب السرطان»، في مشهد أثار تعاطف الحضور مع الطفل الذي كان يتمسك بالأمل في مواجهة المرض.
لكن الرحلة التي كان يفترض أن تقوده إلى استكمال العلاج انتهت بوفاته ووالدته، في الوقت الذي كان فيه والده خارج البلاد للعمل وتوفير نفقات علاج نجله، بما في ذلك إجراء عملية زراعة نخاع.
أيمن كسراوي والدكتور عادل حماد
وامتدت قائمة الضحايا لتضم المصرفي أيمن كسراوي، مدير فرع بنك أبو ظبي الإسلامي، الذي توفي أثناء سفره لإنهاء بعض إجراءات العمل، في واقعة أضافت حكاية جديدة إلى مآسي الأسر التي فقدت أبناءها في الحادث.
كما انتهت رحلة علم الدكتور عادل محمود حماد، الأستاذ المتفرغ بكلية الزراعة، قسم الميكروبيولوجيا بجامعة المنيا، بعدما لقي مصرعه في الحادث، ونُقل جثمانه إلى مسقط رأسه بمحافظة كفر الشيخ، وسط حالة من الحزن بين طلابه وزملائه وأبنائه.
وهكذا لم يقتصر الفقد على أسرة أو قرية بعينها، بل امتد إلى أسر العاملين والطلاب والكنيسة والجامعة، ليترك خلفه فراغًا كبيرًا في حياة أشخاص كانت لهم أدوار وأحلام ومسارات لم تكتمل.
قرى كاملة تعيش وجع الفراق
وبحسب المعلومات المعلنة عن الحادث، وقع التصادم على الطريق الصحراوي الغربي عند الكيلو 55، قبل مطلع الطريق الإقليمي في اتجاه الجيزة، بين أتوبيس ركاب قادم من المنيا وسيارة نقل ثقيل محملة بنحو 60 طنًا من الأسمنت.
وأسفر الحادث عن مصرع 13 شخصًا وإصابة 34 آخرين، ونُقل المصابون إلى مستشفى أكتوبر المركزي لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، فيما نُقلت جثامين المتوفين إلى مستشفيي سنورس وطامية المركزيين بمحافظة الفيوم، لاستكمال الإجراءات القانونية والطبية.
وتواصل الجهات المختصة استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات التصادم وأسبابه، بينما بقيت تفاصيل الرحلات الأخيرة للضحايا عالقة في ذاكرة أسرهم؛ رحلة علاج لم تكتمل، وسفر كان هدفه بناء مستقبل أفضل، وعمل انقطع فجأة، وحياة انتهت قبل أن تحقق أحلامها.
اقرأ أيضاً
الحزن يخيم على قرية بسمالوط عقب وفاة أخصائية العلاج الطبيعي في حادث أتوبيس
بالصور- تشييع جثمان شيخ الكنيسة الإنجيلية ضحية حادث طريق أسيوط الغربي
حزن في المنيا بعد رحيل مهندس شاب بحادث طريق أسيوط الغربي
حزن في المنيا على موظف جامعي توفي بحادث الصحراوي الغربي: كان بيكشف على ابنه
المنيا تفقد 8 من أبنائها في حادث أتوبيس طريق أسيوط الغربي
"غطاس شكري" شاب خرج لتخليص أوراق سفره فمات في حادث الصحراوي الغربي