لا تقتصر عظمة الحضارة المصرية على ما تركه الأجداد فوق ضفاف النيل والرمال، بل تمتد خريطة الكنوز الفرعونية، واليونانية، والرومانية، لتغوص أعماق البحار والمجاري المائية، حاملةً أسرار موانئ تجارية عملاقة، وقصوراً ملكية، وسفناً حربية وتجارية رقدت في قاع المياه لآلاف السنين.
فبدايةً من أقدم ميناء صناعي في العالم على ساحل البحر الأحمر، مروراً بعواصم الملوك والملكات في الإسكندرية، ووصولاً إلى مجرى نهر النيل العريق، تكشف الآثار المغمورة عن صفحات مفقودة من تاريخ مصر البحري الذي طالما ربط الشرق بالغرب، وفقاً للوثائق والمعطيات المصورة التي يتيحها القسم الخاص بالآثار الغارقة على الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار المصرية.
أسرار البحر الأحمر
لم تكن الشواطئ الممتدة على الساحل الشرقي لمصر مجرد أطراف جغرافية، بل كانت البوابة الأولى التي عبَر منها القدماء المصريون نحو العالم القديم، وفي أحضان البحر الأحمر، تختبئ تحت الأمواج أسرار شبكات التجارة الدولية والهندسة البحرية المبكرة، والتي يتصدرها ميناء وادي الجرف كأقدم ميناء بحري صناعي في العالم.
يرجع تاريخ هذا الموقع الأثري إلى عصر الملك خوفو (أشهر ملوك الأسرة الرابعة، نحو 2600 ق.م)، ويمثل الميناء معجزة هندسية مبكرة، حيث تظهر بقايا منشآته المقامة في الماء على شكل الحرف اللاتيني (L) بزاوية منفرجة، لتمتد تحت الماء شرقاً لمسافة نحو 160 متراً، ثم تتجه جنوباً لمسافة 130 متراً بعرض يتراوح بين 8 و14 متراً على عمق لا يتجاوز مترين. صُمم هذا المبنى ليشكّل حاجزاً للأمواج والتيارات الشمالية، ويوفر مساحة مائية آمنة لا تقل عن 5.67 هكتارات لرسو السفن وانطلاقها.
ومما يؤكد عراقة وظيفة الموقع كأقدم ميناء صناعي معروف عالمياً حتى الآن، العثور على 21 مرساة من الحجر الجيري ترجع لعصر الأسرة الرابعة على بعد 120 متراً من الشاطئ الحالي، وهو ما يثبت أن المصريين القدماء خبروا الهندسة البحرية المبكرة، وأسسوا شبكة اتصال استراتيجية متقدمة بين ساحل البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء.
حطام سفينة تجارية غارقة في جزيرة سعدانة
وعلى ساحل البحر الأحمر في شمال سفاجا، تحتضن جزيرة سعدانة في قاعها حطام سفينة تجارية غارقة تعود إلى نحو عام 1760م. وتكتسب هذه السفينة أهميتها من صعوبة الإبحار في تلك المنطقة المليئة بالمياه الضحلة والشعاب المرجانية الخطرة.
بلغ طول السفينة نحو 50 متراً، وكانت تحمل حصيلة تجارية هائلة قُدرت بنحو 900 طن من البضائع، شملت الخزف الصيني النادر من عهد أسرة تشينغ المخصص لأسواق الشرق الأوسط، وأنواعاً فاخرة من التوابل (كالفلفل والهيل وجوزة الطيب من الهند)، واللبان العُماني، إلى جانب جوز الهند، والزيتون، والبندق.
ورغم أن طراز بناء السفينة لا يشبه الطرز المعروفة لتلك الحقبة التاريخية، فإن محتوياتها المتنوعة ألقت الضوء على كثافة شبكات التجارة العالمية وحيويّة الموانئ المصرية كحلقة وصل رئيسية بين الشرق والغرب.
الإسكندرية وعواصم الملوك تحت الماء
ومع الاتجاه شمالاً نحو عروس البحر المتوسط، تتغير طبيعة الآثار المغمورة من موانئ التجارة إلى القصور الملكية والمدن التي ابتلعتها المياه؛ حيث تزخر الإسكندرية بشواطئ وخلجان غارقة تحتضن أسرار الحقبتين البطلمية والرومانية وأصداء الحملات التاريخية الكبرى، وهي الحكاية التي تبدأ تفاصيلها من قلب الميناء الملكي:
1. الميناء الشرقي (الميناء الملكي)
يمتد هذا الميناء التاريخي بين رأس السلسلة شرقاً وقلعة قايتباي غرباً، وتبلغ مساحته نحو 600 هكتار بعمق يتراوح بين 2 و8 أمتار، ليشهد على موقع الحي الملكي القديم وعاصمة مصر السياسية والثقافية. بدأت الاكتشافات الهامة في الميناء عام 1961 بجهود الغواص والباحث كامل حسين أبو السعادات، ثم تلتها مسوحات بعثة المعهد الأوروبي للآثار الغارقة عام 1992 باستخدام أحدث تقنيات المسح الأثري.
أسفرت هذه الجهود عن تحديد تخطيط الميناء الذي ضم عشرة موانئ رئيسية (منها الميناء الكبير والداخلي)، وكشف خطوط الساحل القديمة، وحواجز الأمواج، إضافة إلى الكشف عن جزيرة أنتيرودوس وشبه جزيرة التيمونيوم الغنيتين بالبقايا المعمارية والسياسية والدينية العريقة.
2. موقع قلعة قايتباي وبقايا الفنار العظيم
لا تبعد أسرار القاع كثيرًا عن النقطة السابقة؛ إذ يبدأ هذا الموقع من حافة القلعة باتجاه الشرق لمسافة 150 متراً على عمق يتراوح بين 6 و8 أمتار، حاملاً آثاراً فريدة أُلقيت في مياه الميناء عام 1167م بناءً على أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي لإعاقة الغزو الصليبي القادم من قبرص، بالإضافة إلى بقايا منار الإسكندرية القديم وجزيرته التي أسقطها الزلزال التاريخي.
تتميز قطع الموقع بانتظامها في خط متجّه شمالاً، حيث انتُشل منها أكثر من 3000 قطعة أثرية معمارية (أعمدة ضخمة، تماثيل، قواعد، تيجان)، جرى اختيار 36 قطعة ضخمة منها لعرضها في ممر المسرح الروماني بكوم الدكة، فضلاً عن اكتشاف 7 تماثيل ضخمة لأبي الهول (سفنكس)، وموقع حطام ثلاث سفن ترجع ما بين القرن الثالث ق.م والقرن السابع الميلادي.
3. موقع الشاطبي (القصور والمعابد الملكية)
ومن بقايا المنار والتحصينات العسكرية، تمتد الرحلة شرقًا نحو موقع الشاطبي الواقع من السلسلة أمام مكتبة الإسكندرية حالياً، والذي مثّل في العصر البطلمي الحي الشرقي للمنطقة الملكية (رأس لوخياس). بدأت أعمال المعهد الهليني فيه عام 1998م، وأسفرت عن العثور على بقايا أثرية يُرجح أنها تخص معبد إيزيس أو قصر الملكة كليوباترا السابعة، فضلاً عن بقايا فخارية وأوانٍ على طراز الأمفورات تعود للعصر الروماني المتأخر.
4. خليج المعمورة.. بوابة التجارة القديمة
ومع الامتداد شرقاً نحو أطراف المدينة، يبرز خليج المعمورة الذي امتد في العصور القديمة من حدائق المنتزه غرباً إلى أبو قير شرقاً، محتضناً البوابة الرئيسية لدخول السفن القادمة من المتوسط إلى نهر النيل عبر فرع النيل الكانوبي لنقل البضائع. أفرزت المسوحات الأثرية عن حطام سفينة رومانية، وميناء صغير ورصيف من العصر اليوناني الروماني، ومحجر للحجر الجيري، إضافة إلى أحواض تشير إلى وجود مزارع سمكية وتجمع سكاني قديم.
5. خليج أبو قير.. المدن الغارقة وحطام أسطول نابليون
وتكتمل محطات الإسكندرية في المحطة الأعمق تاريخياً؛ حيث يقع خليج أبو قير شرقي المدينة على مسافة 22 كم، مكتسباً أهمية كبرى بدأت جهوده بأمير الغطاسين عمر طوسون وباحثين مثل كامل أبو السعادات وجاك دوما، وصولاً إلى بعثة المعهد الأوروبي للآثار التحت مائية برئاسة فرانك جوديو عام 1996 باستخدام المسح المغناطيسي والصوتي. وينقسم الموقع إلى قطاعين رئيسيين:
مواقع حطام أسطول نابليون: وتضم بقايا 6 سفن غارقة تابعة للحملة الفرنسية (أبرزها سفينة القيادة "الشرق/أورينت"، و"السيريوز"، و"الجورييه")، والتي انتُشلت منها الأسلحة والذخائر والعملات ومعدات الملاحة.
مواقع المدن الغارقة: وتضم مدينتي شرق كانوب (على عمق 4 إلى 5 أمتار) وهيراكليوم (على مسافة 6 كم شمال شرق شاطئ أبو قير على عمق 5 إلى 7 أمتار)، وهما مدينتان تاريخيتان عظيما الشأن غرقتا نتيجة تغيرات جيولوجية وزلزالية.
الشرايين المائية ومحاجر التاريخ في النيل
وإذا كانت البحار قد احتضنت الموانئ والأسطول والقصور، فإن شريان النيل في أقصى الجنوب كان يمثل القلب النابض الذي تُنقل عبره كتل التاريخ الحجرية لبناء الحضارة نفسها؛ حيث لعب النهر العظيم على مر العصور دوراً محورياً كشريان للنقل التجاري واللوجستي لنقل الأحجار الضخمة والكتل الجرانيتية والرملية من محاجر أسوان وجبل السلسلة جنوباً إلى المعابد والمقابر شمالاً.
ولم تقتصر حركة النهر على الضفاف، بل وثقت الدراسات الأثرية العديد من مراسي السفن الغارقة في مجرى النهر، والتي تروي تفاصيل دقيقة عن حركة الملاحة الملكية، وأبرزها:
موقع مرسى الأهالي: ويُرجح أنه المرسى الرئيسي لجزيرة إلفنتين التاريخية.
موقع معدية النجع البحري: ويمثل مرسى صغيراً يعكس كثافة حركة النقل النهري الملكي في مصر القديمة.