تحت شمس أسوان الحارقة، وعلى متن شاحنة نصف نقل محملة بالتراب وأحلام الثراء السريع، كان الشاب "حاتم" ورفاقه يشقون طريقهم عبر دروب جبلية وعرة في عمق الصحراء الشرقية. لم تكن هذه الرحلة سوى حلقة جديدة في مسلسل البحث عن خيوط الذهب الخفية، مستخدمين أجهزة بدائية للتنقيب تعتمد على الحدس والتخمين أكثر من علم الجيولوجيا.
في تلك اللحظات، لم يكن "حاتم" ورفاقه يدركون أن المغامرة التي تخفي طموحات الخروج من ضيق العيش ستصطدم بواقع أمني صارم؛ إذ أطبقت عليهم دورية أمنية في كمين محكم وسط الجبال، ليتحول حلم العثور على عروق الذهب في لمح البصر إلى كابوس.
وجد "حاتم" ورفاقه أنفسهم ضمن نحو 450 شخصاً شملتهم أحكام قضائية صدرت في يوليو 2026 بالحبس لمدة عام، لتورطهم في عمليات تنقيب غير مشروع عن الذهب داخل المناطق الجبلية والصحراوية بجنوب البحر الأحمر، والتواجد في مناطق محظورة بالمخالفة الصريحة للقانون. يُجرّم قانون التعدين المصري التنقيب غير الشرعي، ويعاقب المخالفين بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة تصل إلى 5 ملايين جنيه.
قصة "حاتم" ليست سوى رأس الجليد في ملف معقد تتداخل فيه أطماع الثراء السريع بالصراع مع القانون، وهو ما دفع قيادات ورموز القبائل في أقصى الجنوب إلى دق ناقوس الخطر، وتفسير التحولات التي حولت الجبال من ساحة عمل أهلي إلى مواجهات أمنية.
كواليس "الدهابة": شهادات من قلب القبائل
من قلب هذا الملف الشائك، يفتح أبناء أسوان خزائن أسرار التنقيب عن الذهب ليكشفوا تفاصيل وخفايا هذه التجارة المحفوفة بالمخاطر؛ حيث يربط الشيخ نصر كرار، شيخ مشايخ البشارية لجنوب مصر، بين واقع الحملات الأمنية الأخيرة والجذور التاريخية للأزمة، قائلاً لـ "مصراوي" إن قبائل العبابدة والبشارية هم أول من اكتشفوا وجود خام الذهب وقاموا بالتنقيب في صحراء أسوان الشرقية.
ويوضح الشيخ كرار أنه مع قيام الدولة بمحاولة تنظيم هذا القطاع وتقنين الأوضاع من خلال "شركة شلاتين"، بادر أبناء العبابدة والبشارية بتكوين عدة شركات للبحث والتنقيب بشكل رسمي، وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي وآمن.
ويحذر "كرار" من تحول مفاجئ شهدته السنوات الأخيرة مع ظهور عمليات تنقيب عشوائي تقودها عناصر أجنبية من جنسيات أفريقية متنوعة.
وأوضح أن هذه الظاهرة خلقت صراعات وصدامات دامية بسبب الخلاف على أماكن التنقيب، أو بسبب توغل مسجلين خطر وهاربين من تنفيذ أحكام إلى داخل المناطق الجبلية.
ويكشف شيخ مشايخ البشارية خطورة المشهد بالقول: إن هؤلاء المخالفين لم يكتفوا بالتنقيب العشوائي، بل يعتمدون على أسلحة خطيرة يتم تهريبها مع الأجانب القادمين عبر الحدود الجنوبية، ليقوموا بمهاجمة "الدهابة" الذين ينقبون بشكل رسمي، والاستيلاء على ما جمعوه من ذهب وسرقة معداتهم وسياراتهم، بل والوصول إلى القتل في كثير من الأحيان.
واختتم "كرار" بالتأكيد على موقف القبائل الراسخ بالوقوف بجانب الدولة المصرية في كافة إجراءاتها لتأمين الحدود، ومنع التسلل، والتصدي للتنقيب العشوائي وضبط المخربين ومحاكمتهم، لوقف نزيف الدم وعودة الأمن والأمان والاستقرار لأسوان.
وفي السياق ذاته، يؤكد الحاج عبد المنعم أبو عشري، من أبناء مدينة دراو وأحد العاملين في المجال الرسمي منذ 14 عاماً، أن التنقيب ينقسم إلى نوعين؛ رسمي مقنن، وعشوائي مدمر.
ويوضح أبو عشري لموقع "مصراوي" تجربته بتقدمه بأوراقه الرسمية إلى "شركة شلاتين" حيث أُخضع لتدقيق أمني شامل، مشيراً إلى أن الإشراف الرسمي يضمن تسليم الذهب الصافي للشركة لمعايرته ودمغه وحساب قيمته بسعر السوق الرسمي ليحصل العامل على حقه كاملاً في النور، مناشداً الجهات المعنية بتمديد صلاحية التصاريح الأمنية لتخفيف الأعباء عن العمال الجادين.
مظلة التقنين.. كيف تعمل شركة "شلاتين" على دمج الدهابة؟
ما تحدث عنه "أبو عشري" حول العمل تحت مظلة رسمية يتجسد عملياً في الدور الذي تلعبه شركة شلاتين للثروة المعدنية؛ حيث تُعد الذراع الحكومي المنظم لأنشطة البحث والتنقيب الأهلي والعشوائي عن الذهب في مصر، وتعمل كحلقة وصل رئيسية لدمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية للدولة عبر إطار قانوني وتنظيمي يضمن حماية الثروات وسلامة العاملين.
تأسست شركة شلاتين للثروة المعدنية في 26 نوفمبر 2012 بموجب قرار مجلس الوزراء كشركة مساهمة مصرية وفقاً لأحكام قانون الشركات المساهمة رقم 159 لسنة 1981 وتعديلاته وقانون سوق رأس المال. الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1992 ولائحته التنفيذية.
وتتعامل الشركة مع أكثر من 61 شركة وكياناً مرخصاً في مجال التنقيب الأهلي تعمل تحت إشرافها المباشر في المناطق الخاضعة لولايتها بالصحراء الشرقية، والتي تضم مواقع استراتيجية مثل: الفاطري، البرامية، عتود، أم العود، حماطة، ووادي العلاقي. وبحسب تصريح إعلامي سابق لأسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، تستهدف هذه الكيانات تسليمات تصل إلى 1.5 طن للبنك المركزي بنهاية العام الجاري، مع الوصول إلى 6 أطنان سنوياً بحلول 2030.
كما تعقد الشركة بانتظام مزايدات مخصصة للشركات الصغيرة ومنقبي الذهب تختلف عن المزايدات العالمية الكبرى، وذلك لطرح امتيازات محدودة للبحث والاستكشاف وتأهيل الفرق للعمل بشكل رسمي وفي النور.
وللراغبين في التقنين والعمل بشكل قانوني، تشترط الشركة التسجيل رسمياً تحت مسمى "التسجيل كمقاول" من خلال استيفاء عدة إجراءات ومستندات، تشمل: التسجيل في الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية وتسليم إيصال الدفع البالغ 2010 جنيهات، بجانب التسجيل في غرفة البترول والتعدين، وتقديم الأوراق الضريبية والشركة مثل السجل التجاري والبطاقة الضريبية وعقد التأسيس وصورة الرقم القومي، بالإضافة إلى تقديم سابقة الأعمال وتوفير وسائل الاتصال الرسمية.
وفي مقابل ذلك، تقدم الشركة للشركات والمنقبين المسجلين دعماً فنياً شاملاً يتضمن إجراء الزيارات الميدانية وإصدار التصاريح الأمنية اللازمة للعمل، فضلاً عن تقديم خدمات التحليل الكيميائي للعينات المستخرجة.
وتعمل الشركة حالياً على إنشاء مجمع صناعي بأسوان على مساحة 1422 فداناً، ليكفل معالجة واستخلاص الذهب في بيئة آمنة وقانونية ومجهزة، وذلك لاستيعاب التعدين العشوائي وتنظيمه.
ورغم هذه المنظومة والمشروعات الاستيعابية، يرى متابعون للشأن الأسواني أن الفوضى العشوائية لا تزال تفرز ظواهر جانبية خطيرة؛ حيث يؤكد الإعلامي الأسواني أشرف الحويري، لـ "مصراوي"، أن اتساع نطاق التنقيب العشوائي جلب معه ظواهر اجتماعية وسلوكيات سلبية خطيرة، أبرزها تصاعد معدلات العنف المنظم وجرائم القتل، فضلاً عن القفزة الهائلة في أسعار العقارات والخدمات التي أثقلت كاهل المواطنين البسطاء.
أرقام واحتياطيات تحت المظلة الشرعية
في المقابل، تظهر الأرقام الرسمية أن الفوضى العشوائية تهدر مقدرات خريطة جيولوجية استثنائية؛ حيث تقع غالبية مكامن الذهب في مصر ضمن "الدرع العربي النوبي"، وهو نطاق غني بالتكوينات التعدينية يمتد عبر أجزاء من شمال شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
وتتصدر الصحراء الشرقية مشهد التعدين الرسمي عبر حزمة من المناجم ومناطق الامتياز الكبرى، يقودها منجم "السكري" بالبحر الأحمر باحتياطيات مثبتة ومرجحة تبلغ 4.72 مليون أونصة.
وتتكامل هذه الخريطة مع اكتشافات ومشاريع واعدة أبرزها: منجم "إيقات" باحتياطيات أولية تتجاوز مليون أونصة، ومشروع "أبو مروات" باحتياطيات قابلة للاستخراج تقدر بـ 134.9 ألف أونصة ذهب و1.4 مليون أونصة فضة بتطوير من شركة "آتون ريسورسز" الكندية، ومنطقة "غرب جبل علبة" بتطوير شركة "آفاق للتعدين" التي رفعت احتياطياتها إلى 320 ألف أونصة تمهيداً للإنتاج التجاري بحلول 2030، بالإضافة لمواقع أخرى مثل مناجم "حمش"، و"البرامية"، ومناطق "حلايب وشلاتين" الخاضعة لإشراف شركة "شلاتين للثروة المعدنية".
وتُوجت هذه الجهود بتحقيق إنتاج بلغ 554.9 ألف أونصة (نحو 17.26 طن) خلال العام المالي 2024-2025 بزيادة 15.5%، بينما تستهدف الدولة قفزة إنتاجية لتصل إلى 800 ألف أونصة سنوياً (نحو 24.9 طن) بحلول 2030.
وتعتمد هذه الخطط على إجمالي احتياطيات قومية تُقدر بـ 7.3 مليون أونصة (نحو 227 طناً)، وهو ما عزز غطاء الثروة بالبنك المركزي المصري لتصل قيمة الذهب المدمج بالاحتياطي النقدي إلى 17.46 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026 (ما يمثل 30.4% من إجمالي الاحتياطيات الدولية).
المخاطر الفنية والمآسي الإنسانية للتعدين العشوائي
وعلى الصعيد الفني، يوضح "م. ع" مهندس جيولوجي، لـ "مصراوي" أن الصحراء الشرقية تضم نحو 130 موقعاً تاريخياً واستراتيجياً لاستخراج الذهب وفق بيانات سابقة صادرة عن هيئة الثروة المعدنية، مشيراً إلى أن ما يُعرف بالتنقيب العشوائي يعتمد على تتبع "الرسوبيات" وجزيئات الذهب المتناثرة بفعل السيول، وهو ما يتم بالصدفة البحتة وبأجهزة بدائية وليست علمية دقيقة.
وتشير التقديرات إلى أن البحث العشوائي يستخرج يومياً كميات تتراوح بين 30 إلى 100 جرام -على حد قول المهندس الجيولوجي- وسط انتشار لأكثر من 200 كسارة وطاحونة محلية بمختلف مدن ومراكز المحافظة.
هذه الفوضى العشوائية أسفرت عن مآسٍ إنسانية؛ لقي بسببها عشرات الشباب حتفهم إما عطشاً وجوعاً بعد أن ضلوا دروبهم في الجبال الشاسعة، أو سقطوا ضحايا لمشاجرات دموية ونزاعات مسلحة على السيطرة على مناطق الاستخراج.
وفي هذا السياق، شهدت محافظة البحر الأحمر في مايو 2026 واقعة مأساوية تحولت فيها رحلة تنقيب غير مشروع إلى مشاجرة مسلحة أسفرت عن مقتل 8 أشخاص وإصابة آخر بسبب نزاع بين المنقبين.
كما أعلنت وزارة الداخلية في شهر مايو أيضًا، مقتل عنصرين جنائيين شديدي الخطورة في مواجهة مسلحة مع قوات الأمن بأسوان، بعد تورطهما في فرض النفوذ والاتجار بالمخدرات والأسلحة داخل بؤر التنقيب غير المشروع عن الذهب.
حملات أمنية واسعة وإزالات حاسمة
في إطار مواجهة هذا النزيف المستمر للثروات والمهددات الأمنية، تنفذ عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية عمليات موسعة لمجابهة التعدين غير المشروع بالصحراء الشرقية، سبقتها منشورات تحذيرية لتوعية المتواجدين بمخاطر البقاء في مناطق العمليات ودعوتهم لتسليم أنفسهم.
وفي يونيو 2026، أعلن المتحدث العسكري ضبط 223 شخصاً، منهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، خلال عمليات تنقيب عن الذهب في حملة استهدفت "بؤراً إجرامية وشبكات تنقيب غير مشروع عن الذهب"، مع مصادرة معدات وأسلحة وسيارات رباعية الدفع، وإحالة المتهمين للجهات القضائية.
وفي السياق المحلي، شهدت محافظة أسوان تكثيفاً لجهود إزالة الطواحين والكسارات المخالفة بمشاركة القيادات الأمنية مدعمين بقوات وتشكيلات متعددة باستخدام المعدات الثقيلة؛ حيث نجحت الحملات في إزالة 35 طاحونة وكسارة مخالفة للذهب داخل 10 مواقع بقرية "أرمنا" التابعة لقرى عنيبة في عام 2025.
جاء هذا امتداداً لحملات سابقة نُفذت في يونيو 2022 وشملت تنفيذ 22 قراراً يضم 50 طاحونة وكسارة، وتكللت الجهود القضائية مؤخراً بإصدار أحكام مشددة بالحبس لمدة عام بحق 450 متورطاً في التنقيب غير المشروع.
في السياق ذاته، كشف العميد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، في تصريحات إعلامية سابقة، أن الحملات العسكرية والأمنية تستهدف حماية الحدود المصرية وتأمين الثروات المعدنية ضد عمليات الاختراق والتهريب، مشيراً إلى صعوبة جغرافية تلك المسارات الجبلية الواسعة الممتدة على الحدود المصرية السودانية، والتي تستغلها شبكات إجرامية لنقل عمالة ومغامرين دون توفير المؤن الكافية لهم.
اقرأ أيضا
عمدة قرية السائق المصري المقتول بالسودان: "مصر ما بتتأخرش عن ولادها