إعلان

تحت رمال البر الغربي.. ما الذي تخفيه "ذراع أبو النجا" ويجعلها أغنى جبانة فرعونية في الأقصر؟

كتب : محمد محروس

09:00 ص 14/10/2026

تابعنا على

تتوارى خلف التلال الصخرية بجبال البر الغربي في الأقصر كنوز أثرية عمرها آلاف السنين، في منطقة لا تزال تكشف عن جوانب جديدة من تاريخ مصر القديمة، مع استمرار أعمال الحفائر والتنقيب التي تسفر عن مقابر وتوابيت ونقوش وقطع أثرية تعيد رسم ملامح حياة المصريين القدماء.

وتتصدر جبانة ذراع أبو النجا قائمة المناطق الأثرية التي تحظى باهتمام الباحثين وعلماء الآثار، بعدما شهدت على مدار السنوات الماضية اكتشافات مهمة تعكس ثراء الحضارة المصرية القديمة، وتكشف عن شخصيات ومناصب وتفاصيل تاريخية لم تكن معروفة من قبل.

ومن مقبرة مستشار المدينة أوسرحات، التي خرجت منها مئات القطع الأثرية، إلى مقابر كبار الموظفين والكهنة، وصولًا إلى اكتشافات عامي 2025 و2026، تتوالى الشواهد على القيمة التاريخية للمنطقة، التي لا تقتصر أهميتها على ما عُثر عليه بالفعل، بل تمتد إلى ما يمكن أن تكشف عنه الدراسات والحفائر المستقبلية.

تقع جبانة ذراع أبو النجا بالبر الغربي للأقصر، بالقرب من مدخل الطريق المؤدي إلى منطقة الدير البحري، وتُعد جزءًا من جبانة طيبة القديمة التي تضم عددًا كبيرًا من المقابر والمعالم الجنائزية.

وقال محمود فرح الخبير الأثري والسياحي، إن منطقة ذراع أبو النجا استخدمت للدفن منذ عصر الدولة الوسطى، وازداد حضورها خلال العصر الانتقالي الثاني و الأسرتين السابعة عشرة والثامنة عشرة، ثم استمر استخدامها في فترات لاحقة، وهو ما يظهر في تنوع المقابر واللقى الأثرية المكتشفة بها.

مقابر صخرية وطقوس نادرة.. ليس للملوك وحدهم

يشير فرح إلى أن الجبانة تضم مقابر صخرية منحوتة في سفوح الجبال، تتباين في تصميماتها ومساحاتها، فمنها ما يضم مدخلًا وصالة ونقوشًا جنائزية وحجرات للدفن، ومنها ما يحتوي على آبار دفن ترتبط بها حجرات أو تجاويف داخل الصخور، كما كشفت الحفائر عن توابيت ومومياوات وقطع أثرية ودفنات أعيد استخدامها في عصور لاحقة، وهو ما يقدم معلومات عن تطور طقوس الدفن وأساليب حماية الجثامين والمقتنيات الجنائزية.

يستدرك الخبير الأثري محمود فرح لا تقتصر الجبانة على مقابر الملوك، بل تضم عددًا من مقابر كبار الموظفين والكهنة والكتبة والقادة، الذين توثق نقوشهم وألقابهم طبيعة المناصب التي شغلوها وعلاقتهم بمؤسسات الدولة والمعابد.

وتضم المنطقة عددًا من المقابر المعروفة التي تحمل أرقامًا أثرية وأسماء أصحابها، فضلًا عن مقابر أخرى كشفت عنها البعثات المصرية خلال مواسم الحفائر الأخيرة.

يأتي الكشف عن مقبرة أوسرحات في مقدمة الاكتشافات البارزة التي شهدتها ذراع أبو النجا خلال السنوات الماضية.

وفي أبريل 2017، أعلنت وزارة الآثار آنذاك اكتشاف ستة توابيت و1050 تمثالًا صغيرًا من الأوشابتي داخل مقبرة تعود إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة، وكان صاحبها يحمل لقب قاضي المدينة.

وتكتسب تماثيل الأوشابتي أهميتها من وظيفتها الرمزية في العقائد الجنائزية المصرية؛ إذ كان يعتقد أنها تؤدي الأعمال نيابة عن المتوفى في العالم الآخر.

ولم تتوقف أهمية الكشف عند عدد القطع الأثرية، بل امتدت إلى ما تتيحه من دراسة النقوش والأسماء والتفاصيل الفنية، بما يساعد على فهم طبيعة المقبرة والطقوس المرتبطة بها.

ومن بين المقابر المعروفة في ذراع أبو النجا، مقبرة أمنمحات، الذي ارتبط عمله بصناعة الذهب للإله آمون، وهي من المقابر التي أسهمت مكتشفاتها في إبراز أهمية المنطقة الأثرية.

وضمت المقبرة عناصر معمارية ونقوشًا وقطعًا جنائزية، كما عثر بها على توابيت ومومياوات وأقنعة خشبية وتماثيل صغيرة وأوانٍ فخارية، إلى جانب مقتنيات أخرى تعود إلى فترات مختلفة.

وتكشف هذه المكتشفات عن جانب من مكانة الحرفيين والمتخصصين المرتبطين بالمعابد، وتوضح أن المنطقة لم تكن مخصصة لدفن أصحاب المناصب الإدارية وحدهم، بل ضمت أيضًا شخصيات ارتبطت بالأنشطة الدينية والاقتصادية.

كما أن وجود توابيت وقطع أثرية تعود إلى فترات لاحقة داخل بعض مناطق الدفن يشير إلى إعادة استخدام بعض الآبار والحجرات الجنائزية عبر الزمن.

وتضم ذراع أبو النجا عددًا من المقابر المعروفة التي ارتبطت بكبار الموظفين والكهنة، من بينها مقبرة روي رقم TT255، الذي حمل لقب الكاتب الملكي، ومقبرة دجيحوتي رقم TT11، الذي شغل منصب وزير الخزانة والأشغال في عهد الملكة حتشبسوت، وفقًا للتوثيقات الأثرية المنشورة عن المنطقة.

وتبرز كذلك مقبرة شوروي رقم TT13، الذي ارتبط عمله بالطقوس الدينية في معبد آمون، ومقبرة باكي رقم TT18، المرتبطة بأحد كبار المسؤولين عن وزان الذهب في معبد آمون خلال عصر الملك تحتمس الثالث.

وتكتسب هذه المقابر أهميتها من النقوش والألقاب والمناظر الجنائزية التي تساعد على تحديد مكانة أصحابها، فضلًا عن إلقاء الضوء على الإدارة الملكية والأنشطة الدينية والاقتصادية في طيبة القديمة.

كما أن وجود مقابر تحمل أرقامًا أثرية معروفة يتيح للباحثين مقارنة تخطيطها المعماري ونقوشها ومحتوياتها، وتتبع التغيرات التي طرأت على أساليب الدفن خلال العصور المختلفة.

اكتشافات مايو 2025.. 3 مقابر جديدة تخرج للنور

وفي مايو 2025، أعلنت وزارة السياحة والآثار الكشف عن ثلاث مقابر جديدة من عصر الدولة الحديثة في جبانة ذراع أبو النجا، في اكتشاف أضاف معلومات جديدة عن شخصيات ارتبطت بالمؤسسات الإدارية والدينية في مصر القديمة.

وشملت المقابر المكتشفة مقبرة باكي، الذي ارتبط عمله بالإشراف على صومعة الغلال، ومقبرة إس، إلى جانب مقبرة آمون إم إبت، الذي ارتبط بمعبد آمون.

وأظهرت المكتشفات تنوعًا في التخطيط المعماري للمقابر، كما أتاحت النقوش والألقاب معلومات عن أصحابها ووظائفهم، بما يساعد على فهم طبيعة المجتمع الطيبي خلال عصر الدولة الحديثة.

وتؤكد هذه الاكتشافات أن المنطقة لا تزال تقدم معلومات جديدة، وأن دراسة المقابر لا تتوقف عند العثور عليها، بل تشمل فحص النقوش واللقى الأثرية ومقارنتها بالمصادر التاريخية الأخرى.

خبيئة التوابيت العشرة ومومياوات القطط

وفي مايو 2026، أعلنت وزارة السياحة والآثار نتائج جديدة لأعمال البعثة المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، التي بدأت موسم حفائرها في نوفمبر 2025، وركزت على الجزء الجنوبي الشرقي من مقبرة روي رقم TT255، وهي منطقة ظلت مغطاة برديم حفائر قديمة لأكثر من 150 عامًا.

ومن أبرز المكتشفات العثور على عشرة توابيت خشبية بحالة جيدة من الحفظ داخل بئر دفن بفناء مقبرة باكي، وتحمل التوابيت نقوشًا ومناظر متنوعة، وتعود إلى فترات تاريخية مختلفة.

وأظهرت الدراسات الأولية أن أربعة من التوابيت تعود إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة، من بينها تابوت يحمل اسم مريت، التي ارتبطت بوظيفة منشدة للمعبود آمون. كما عُثر على تابوت من عصر الرعامسة يحمل اسم بادي آمون، الذي كان كاهنًا بمعبد آمون، بينما تعود بقية التوابيت إلى العصر المتأخر.

ورجحت الدراسات أن بئر الدفن استخدم في العصور القديمة خبيئةً لحفظ التوابيت، بعد نقلها من أماكن دفنها الأصلية بهدف حمايتها، خاصة في ظل تدهور حالة حفظ المومياوات الموجودة بداخلها.

كما كشفت البعثة عن مقبرة جديدة للكاهن المطهر بمعبد آمون عا شفي نختو، وتتكون من فناء صغير وبئر مستطيل ومدخل مزين بمناظر تقديم القرابين ونصوص جنائزية، يؤدي إلى صالة مستطيلة تنتهي بحجرة الدفن.

وحملت النقوش معلومات عن صاحب المقبرة وأسرته، من بينها اسم والده بادي آمون، الذي حمل اللقب نفسه، إلى جانب اسمي زوجتيه إيزيس وتا كافت، اللتين ارتبطتا بلقب منشدة بمعبد آمون.

وشملت المكتشفات أيضًا هريمًا من الحجر الرملي عثر عليه داخل مقبرة صغيرة تحمل الرقم DP91، ويحمل اسم بنجي ولقبه «الكاتب والنبيل»، بينما لم تُحدد حتى الآن المقبرة الأصلية التي كان الهريم يعلوها.

وفي اكتشاف آخر، عثرت البعثة على دفنة تضم أكثر من 30 مومياء لقطط صغيرة وكبيرة، برية وأليفة، ملفوفة بأقمشة كتانية ومربوطة بأشرطة، ويرجح أن تعود إلى العصر البطلمي، الذي شهد استخدام مومياوات الحيوانات في الممارسات الدينية والقرابين الرمزية.

وتكشف هذه النتائج عن تنوع المكتشفات داخل الجبانة، بين مقابر الأفراد والتوابيت واللقى الجنائزية ودفنات الحيوانات المحنطة، كما تسلط الضوء على أهمية مواصلة التوثيق والترميم والدراسة العلمية.

روافد سياحية جديدة

تمثل جبانة ذراع أبو النجا أحد المواقع التي يمكن أن تسهم في تنويع المنتج السياحي بالأقصر، إلى جانب المعابد الملكية ومقابر وادي الملوك والملكات والمناطق الأثرية الأخرى بالبر الغربي.

وتوفر المقابر المكتشفة فرصة للتعرف على جوانب مختلفة من الحضارة المصرية القديمة، لا تقتصر على حياة الملوك، بل تشمل الكهنة والكتبة والموظفين والحرفيين، وما ارتبط بهم من معتقدات جنائزية وممارسات دينية وإدارية.

كما تتيح الاكتشافات الجديدة إضافة معلومات إلى السجل الأثري لطيبة القديمة، وتعزز أهمية العمل العلمي الذي يجمع بين الحفائر والتوثيق والترميم والنشر البحثي.

وبين مقابر منحوتة في الصخور، وتوابيت تحمل أسماء أصحابها، ونقوش تسجل ألقابًا ووظائف، تواصل ذراع أبو النجا الكشف عن جوانب من تاريخ الأقصر القديم، في منطقة لا تزال أعمال الحفائر والدراسة بها تفتح المجال أمام مزيد من المعرفة بأحد أهم مراكز الحضارة المصرية.

اقرأ أيضًا:

أسرار الـ 26 تحفة.. كيف نقل "الريس محمود" كنوز خبيئة الأقصر دون خدش واحد؟ -فيديو وصور

دير الشلويط.. رحلة إلى المعبد المنسي الذي حفظ أسرار إيزيس 1900 عام - صور

"الموسم على الأبواب".. استعدادات مكثفة في الأقصر لاستقبال السائحين (صور)

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك