تقف منطقة اللاهون بمحافظة الفيوم شاهدةً على محطة فريدة من تاريخ الحضارة المصرية القديمة؛ حيث تعناقت العبقرية المعمارية مع التنظيم الاجتماعي المحكم، لترسم معالم حقبة ذهبية شهدت نهضة كبرى في عهد الأسرة الثانية عشرة بالدولة الوسطى.
خدعة سنوسرت الثاني.. مدخل جنوبي لتضليل اللصوص
كشف أحمد عبد العال، مدير عام قطاع آثار الفيوم الأسبق، لموقع "مصراوي"، عن تفاصيل الابتكار الهندسي الفريد في تشييد هرم اللاهون، مؤكداً أن الملك سنوسرت الثاني قرر في منتصف القرن التاسع عشر قبل الميلاد تشييد مقبرته فوق ربوة طبيعية مرتفعة تصل إلى 12 متراً، ليعلن عن ميلاد صرح معماري بارتفاع 48 متراً وقاعدة طولها 106 أمتار.
وأوضح عبد العال أن التخطيط الهندسي اعتمد على نواة صخرية ولبن محلي مكسو بالحجر الجيري اللامع، إلا أن المفاجأة والابتكار الأكبر تمثلا في تغيير الفلسفة الدفاعية المعتادة للأهرامات؛ حيث أقدم المهندس المصري على نقل المدخل الرئيسي للهرم إلى الجانب الجنوبي بدلاً من الاتجاه الشمالي التقليدي، في محاولة هندسية ذكية لتضليل لصوص المقابر وتعمية الفتِحة عن أعينهم لحماية حجرة الدفن الملكية المبطنة بالجرانيت الوردي.
أقدم مدينة عمالية مخططَة في التاريخ
وأشار عبد العال إلى أن الهرم لم يكن مجرد مقبرة ملكية معزولة، بل تحول الموقع إلى بيئة حضارية متكاملة؛ إذ أُنشئت حوله "مدينة عمال اللاهون"، التي تُعد تاريخياً أقدم مدينة مصرية واضحة المعالم ومخططة بنظام تخطيط شبكي وإداري صارم، ما أتاح للعلماء لاحقاً فهم التراتبية الاجتماعية والحياة اليومية لمهندسي وفناني ذلك العصر.
وأضاف أن المنطقة امتدت لتشمل "جبانة اللاهون" التي تضم مقبرة مهندس المشروع الإنشائي (إنبي)، إلى جانب 8 مصاطب أثرية بالناحية الجنوبية خصصت لأفراد الأسرة المالكة، من أبرزها مقبرتا الأميرة "سات حتحور" والأميرة "سات حتحورات أيونت".
فك أسرار اللاهون
وظلت أسرار اللاهون دفينة تحت الرمال حتى عام 1889، حين جاء العالم الإنجليزي الشهير "وليم فلندرز بيتري" ليعيد إحياء تاريخ المنطقة؛ حيث نجح في اختراق دهاليز الهرم والوصول إلى الممرات الداخلية.
أسفرت حفائر "بيتري" عن كشف أثري هز العالم تمثل في "الصل الذهبي" الوحيد المُكتشف والذي كان يزين التاج الملكي، والمحفوظ حالياً بالمتحف المصري بالتحرير، إلى جانب مجموعة فريدة من كنوز ومجوهرات أميرات الأسرة الثانية عشرة.
واختتم مدير آثار الفيوم الأسبق تصريحاته، موضحاً أن المسوح والحفائر المتلاحقة أثبتت أن اللاهون سجل أثري شامل لم يقتصر على عصر سنوسرت الثاني فحسب، بل كشفت أعمال التنقيب عن طبقات استيطان وجبانة تضم مومياوات وآثاراً ترجع إلى عصر الأسرة الثانية امتداداً إلى الدولة الحديثة، مؤكدةً مكانة اللاهون كشاهد حي على التواصل الحضاري الذي لم ينقطع فوق أرض الفيوم.
اقرأ أيضا
مصرع شاب صعقًا بالكهرباء أثناء عمله بمشروع صرف صحي في الفيوم