إعلان

توأمان في قلب الصحراء.. أسرار قصر الجب والسميرة في الوادي الجديد -صور

كتب : محمد الباريسي

09:31 م 12/10/2026

تابعنا على

كشفت حصون الوادي الجديد، أسرار شبكة دفاعية قديمة أقيمت لحماية طرق القوافل التجارية عبر الصحراء الغربية، حيث كانت الرحلات بين الرمال تواجه مخاطر الهجمات ونقص المياه، ولم يكن أمام المسافرين سوى الاعتماد على نقاط الحراسة ومصادر المياه المنتشرة على امتداد الطرق الصحراوية.
وعلى امتداد واحة الخارجة، لا تزال حصون الوادي الجديد تكشف كيف تعامل سكان المنطقة مع تحديين متلازمين: حماية درب الأربعين، وتأمين المياه والغذاء لاستمرار الحياة في قلب الصحراء.
وبحسب الخبير الأثري بهجت أبو صديرة، مدير آثار الوادي الجديد السابق، في تصريحات خاصة لمصراوي، ضمت الشبكة الدفاعية أكثر من 15 قلعة وحصنًا، تركز كثير منها في العصرين الروماني والبيزنطي. ولم تُنشأ حصون الوادي الجديد، وفق روايته، لمواجهة الهجمات وحدها، وإنما لضبط حركة القوافل والإمداد وتأمين الطرق.

طرق قديمة

بدأت الأهمية الاستراتيجية لواحة الخارجة قبل إنشاء الحصون الرومانية بقرون، فقد التقى فيها درب الأربعين، الرابط بين مصر والسودان، بطريق عين أمور المؤدي إلى واحة الداخلة؛ ولذلك أصبحت المياه موردًا حاسمًا لنجاة المسافرين وحركة التجارة.
وأضاف أبو صديرة، أن نظم الري الجوفية المعروفة باسم «المناور» استُخدمت منذ العصر الفارسي، قبل أن يوسع الرومان الاعتماد عليها وفي هذه المساحة المفتوحة، لم تكن المسافة وحدها هي الخطر؛ فالقافلة التي تفقد طريقها أو تصل إلى بئر جاف قد تتعطل. ولهذا أصبحت نقاط الإمداد مهمة بقدر التحصينات، وصارت حماية الآبار جزءًا من تأمين المسافرين.
وتابع: لقد شهدت العصور البطلمية ثم الرومانية نشاطًا دينيًا وعمرانيًا ترك معابد ومستوطنات في مواقع متعددة.
ويشير الأثري محسن جابر، مفتش آثار الخارجة وباريس، إلى قصر دوش، حيث ارتبط معبد من العصر البطلمي بمنشآت دفاعية استُخدمت لاحقًا في الفترة الرومانية، وقصر الزيان الذي شهد توسعات معمارية رومانية.
أما قصر الغويطة، فيجمع، بحسب الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية بالوادي الجديد، بين معبد تاريخي ومحيط يحمل ملامح التحصين؛ ما يكشف تداخل الدين والإدارة والحماية.

التوسع الروماني

مع أواخر القرن الثالث الميلادي وبداية الرابع، اتسع النشاط العسكري والعمراني في واحة الخارجة. وتشير الوثيقة التراثية إلى بناء حصن الدير شمال الواحة أواخر القرن الثالث، ثم ظهور سلسلة من المستوطنات المحصنة ومناطق الزراعة المرتبطة بالطرق الصحراوية.
وهكذا تحولت حصون الوادي الجديد من مبانٍ منفردة إلى شبكة تضبط الحركة وتحمي الموارد.
ويوضح جابر أن قصر البرموني يندرج ضمن المواقع الرومانية ذات التخطيط الدفاعي، وأن دير المنيرة يعكس استمرار الاستيطان خلال القرن الرابع الميلادي.
ويقول إن الحاميات لم تقتصر على أماكن إقامة الجنود؛ فقد ارتبطت بمخازن ومبانٍ دينية ووظائف إدارية، بما يجعل وصفها بأنها مجرد أبراج عسكرية اختزالًا لدورها.
قصر الجب عين تراقب درب الأربعين
في أقصى القطاع الشمالي من واحة الخارجة، يتصدر قصر الجب المشهد فوق ربوة تبعد نحو 45 كيلومترًا عن مدينة الخارجة.
ويقول أبو صديرة إن اختيار الموقع المرتفع منح الحامية مجال رؤية واسعًا، وجعل قصر الجب علامة يهتدي بها القادمون، خصوصًا عند آخر مصادر المياه قبل مغادرة المنخفض شمالًا.
ويضيف أن جدران قصر الجب شُيدت من الطوب اللبن بسمك بلغ نحو مترين ونصف المتر، مع أبراج دائرية عند الأركان، وثلاثة طوابق ضمت ست غرف مقببة، ولم تكن تلك التفاصيل المعمارية مجرد عناصر شكلية؛ إذ وفرت حماية ومكانًا للإقامة والتخزين، في بيئة يتوقف عبورها على انتظام الإمدادات كما أن مجمع قصر الجب وقصر السميرة ارتبط بمنشآت زراعية وقنوات مياه تحت الأرض، وأنه شكل نقطة المياه الأخيرة للقوافل المتجهة شمالًا عبر درب الأربعين.
على مسافة تقارب كيلومترين من قصر الجب يظهر قصر السميرة، الذي يرجع إلى العصر الروماني المتأخر.
ويقول محمد إبراهيم إن قصر السميرة كان حلقة مكملة لمنظومة المراقبة والإمداد، وإن التقارب بين الموقعين يرجح عملهما كتوأمين دفاعيين يخدمان مسارًا واحدًا، ولا تنحصر أهمية قصر السميرة في المبنى نفسه؛ فبقايا الأفران ومواضع الطحن والفخار والمنشآت التي غطتها الرمال تشير، بحسب إبراهيم، إلى نشاط سكني وإنتاجي صاحب حركة القوافل.
وأكد إبراهيم، أن قصر الجب شُيد فوق نتوء صخري منفصل، بينما يقع قصر السميرة في أرض أقل ارتفاعًا، وتتصل المنطقة بمستوطنات وحقول وقنوات ري، وهو اختلاف يكشف تكامل الأدوار بدلًا من تطابق التصميم.
ويذكر إبراهيم أن ارتفاع قصر السميرة يبلغ نحو سبعة أمتار، وأن الموقعين تعرضا لإعادة استخدام لاحقة ينسبها إلى قوات تركية. ومع ذلك، يحتاج تحديد تلك المراحل بدقة إلى أدلة أثرية إضافية، ولا يكفي التشابه المعماري لحسمها.

أم الدبادب واللبخة.. الماء يحمي الحامية

وتتجلى الصلة بين التحصين والزراعة في أم الدبادب واللبخة، حيث بقيت أجزاء من مبانٍ مرتفعة وغرف مقببة، إلى جانب آثار الحقول وشبكات الري.
ويشرح جابر أن «المناور» نقلت المياه الجوفية إلى الأراضي المزروعة، لتوفير الغذاء والشراب للجنود والسكان والمسافرين، وفي أم الدبادب تحديدًا، تظهر بقايا حصن ومستوطنة محصنة ومعبد وكنيسة ومقابر، ضمن منظومة واسعة تضم قنوات مائية قديمة كما أن بناء المستوطنة المحصنة يعود إلى أوائل القرن الرابع الميلادي، وأن الموقع احتفظ بأجزاء بارزة من نظامه الزراعي والمعماري.
وقال إنه يُظهر هذا النمط أن حماية الطريق استدعت عمالًا يزرعون الأرض وآخرين يصونون قنوات المياه وينقلون المحاصيل إلى المخازن؛ ولذلك فإن قراءة المباني العسكرية بمعزل عن محيطها الزراعي قد تخفي جانبًا أساسيًا من قصة واحة الخارجة.
خطر يهدد الشواهد
بعد قرون من الاستخدام ثم الهجر، بقيت جدران حصون الوادي الجديد بفضل المناخ الجاف، بينما تتعرض بعض الحقول والقنوات القديمة لضغوط التوسع الزراعي والتعديات.
ويشير محسن يونس، مدير عام الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إلى أن قيمة المواقع تكمن في ترابطها لا في كل حصن على حدة، داعيًا إلى التعامل معها بوصفها مشهدًا تاريخيًا متكاملًا.
وفي عام 2015 أدرجت مصر «واحة الخارجة والواحات الجنوبية الصغيرة» في قائمتها الإرشادية لدى اليونسكو؛ وهو ترشيح أولي، وليس تسجيلًا على قائمة التراث العالمي.

اقرأ أيضا
ضم مبنى وتوسعة الطريق.. تحركات جديدة لتجهيز المستشفى الجامعي بالخارجة

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك