إعلان

ليس منجمًا للماس.. أسرار جبل الكريستال في الصحراء البيضاء بالوادي الجديد - صور

كتب : محمد الباريسي

09:00 ص 01/10/2026

تابعنا على

في قلب الصحراء الغربية، وبين التكوينات البيضاء الممتدة حول واحة الفرافرة، يقف جبل الكريستال كواحد من أكثر المشاهد الطبيعية إثارة للانتباه، ببلوراته التي تعكس أشعة الشمس وتمنح الصخور بريقًا دفع البعض إلى إطلاق روايات عن وجود «الماس» والأحجار الكريمة.

جبل الكريستال في صحراء الوادي الجديد

لكن خلف هذا اللمعان حكاية مختلفة، تمتد إلى تاريخ جيولوجي يعود إلى عشرات الملايين من السنين، حين كانت المنطقة جزءًا من بيئة بحرية قديمة، قبل أن تمر الصخور بتحولات طويلة أسهمت في تكوين البلورات التي تظهر اليوم للزائرين.

جبل يلمع في الصحراء
قال الدكتور جبيلي أبو الخير، أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم بجامعة الوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن طبقات الكربونات والطباشير تعرضت عبر الزمن لعمليات إذابة وإعادة تبلور، بعدما تسربت مياه أمطار حمضية بين الصخور، ما أدى إلى تكوين بلورات يمكن رؤيتها بالعين المجردة.

وأضاف أن إعادة التبلور حوّلت الحبيبات الدقيقة إلى كريستالات أكبر، قد يصل طول بعضها إلى نحو 9 أو 10 سنتيمترات، بينما يظل اللون الأبيض الشفاف هو السمة الأبرز، مع ظهور درجات تميل أحيانًا إلى الأحمر أو الأخضر بسبب الشوائب المعدنية التي حملتها المياه أثناء مرورها في الصخور.

وأوضح أن عمليات الإذابة خلّفت كهوفًا صغيرة وفراغات مبطنة بالبلورات الطبيعية، لتتشكل تكوينات تمنح جبل الكريستال قيمة علمية وجمالية في الوقت نفسه.

ويقع جبل الكريستال شمال واحة الفرافرة، ضمن المسار السياحي الممتد في قلب الصحراء الغربية، على مسافة تقدر في المادة المقدمة بنحو 85 إلى 120 كيلومترًا من الفرافرة، ونحو 115 إلى 160 كيلومترًا من الواحات البحرية، ما جعله محطة لرحلات السفاري والمهتمين بالجيولوجيا والمشاهد الطبيعية النادرة.

من الأساطير إلى الحقيقة العلمية
مع ازدياد شهرة جبل الكريستال بين رحلات السفاري، ظهرت روايات شعبية تتحدث عن وجود «ماس» وأحجار كريمة، مستندة إلى شدة لمعان البلورات الطبيعية تحت أشعة الشمس.

لكن محمد جبريل، مسؤول بمحمية الصحراء البيضاء في واحة الفرافرة، نفى في تصريحات خاصة لـ«مصراوي» صحة تلك الروايات، مؤكدًا أن اللمعان لا يعني وجود أحجار كريمة ذات قيمة اقتصادية، وأن القيمة الأساسية للموقع جيولوجية وبيئية وسياحية.

وأضاف أن الحديث الشعبي عن وجود أكثر من 12 نوعًا من الكريستال يرتبط غالبًا بتعدد الألوان والأشكال والتسميات المتداولة، بينما تشير القراءة العلمية إلى أصل جيولوجي واحد طرأت عليه تغيرات في اللون والبنية نتيجة الشوائب والظروف الطبيعية.

حكاية تمثال إيزيس
وترتبط بالموقع روايات تعود إلى العصور الكلاسيكية، إذ قال محسن عبد المنعم الصايغ، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، لـ«مصراوي»، إن اليونانيين والرومان عرفوا موضع البلورات واهتموا بجمالها.

وأشار إلى روايات مؤرشفة تتحدث عن نحت تمثال صغير لإيزيس من مادة مشابهة للبلورات الموجودة بالمنطقة، وهي رواية تعكس تقديرًا قديمًا لذلك اللمعان الطبيعي، دون أن تغيّر من التصنيف العلمي الحديث لقيمة جبل الكريستال باعتباره تكوينًا طبيعيًا وجيولوجيًا.

ومع مرور السنوات، أصبح جبل الكريستال محطة رئيسية ضمن رحلات السفاري بين واحة الفرافرة والواحات البحرية، إلا أن الفترة السابقة لإعلان الحماية شهدت ممارسات أضرت بجزء من التكوين الطبيعي.
وقال محسن عبد المنعم إن بعض الزوار اعتادوا جمع القطع المتناثرة من البلورات الطبيعية باعتبارها تذكارات، وهو ما أسهم، إلى جانب عوامل التعرية، في تقليل كثافة البلورات السطحية التي كانت تظهر بصورة أوضح في الماضي.

وأضاف أن المنطقة شهدت محاولات لطرح مشروعات استثمارية وشق طرق وإنشاء منشآت بالقرب من الموقع، قبل إيقافها عقب اعتراضات بيئية هدفت إلى حماية التكوين الهش والحفاظ على المشهد الطبيعي.

مع بداية الألفية الجديدة، دخلت الصحراء البيضاء مرحلة مختلفة، إذ أُعلنت محمية طبيعية عام 2002، وأصبح جبل الكريستال جزءًا من نطاق محمية الصحراء البيضاء، لتبدأ ضوابط أكثر تنظيمًا للزيارة والمرور.
وأوضح محمد جبريل أن وجود جبل الكريستال داخل محمية الصحراء البيضاء وفر إطارًا لحماية التكوينات الجيولوجية، خاصة بعد ما تعرضت له أجزاء متناثرة من الموقع من جمع قديم للبلورات.

وتضم محمية الصحراء البيضاء عددًا من المواقع الطبيعية المرتبطة بمسارات الرحلات، بينما تظل واحة الفرافرة نقطة أساسية للانطلاق نحو المنطقة والاستفادة من السياحة البيئية ورحلات السفاري.

لماذا يعد جبل الكريستال نادرًا؟
قال الجيولوجي والباحث الحسيني محمد، من باحثي الجيولوجيا والرسوبيات الصخرية بموقع إنتاج الفوسفات بهضبة أبو طرطور، إن ندرة جبل الكريستال ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية.

وأوضح أن العامل الأول يتمثل في التكوين البنيوي الناتج عن إعادة تبلور طبقات كربونية وطباشيرية مذابة، بينما يرتبط الثاني بالهندسة الطبيعية للكهوف الصغيرة والصواعد والهوابط والمقاطع اللامعة التي تعكس الضوء في صور مختلفة.

وأضاف أن العامل الثالث يرتبط بموقع الجبل داخل مسار الصحراء البيضاء، حيث ينتقل الزائر بين القباب الطباشيرية والتكوينات اللامعة في تجربة جيولوجية قصيرة المسافة ومتنوعة بصريًا.

وأشار إلى أن ارتفاع بعض أجزاء الجبل يقارب عشرة أمتار، وأن عددًا من الكهوف القديمة والتكوينات الهشة تعرض للتآكل والانهيار مع الزمن والعوامل الطبيعية وكثافة الزيارات، ما يزيد أهمية تحديد المسارات ونشر الوعي بين الزائرين.

وقال محمد محسن عبد المنعم، المرشد السياحي ومتخصص رحلات السفاري المعروف بلقب «ثعلب الصحراء»، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن وصف الموقع بأنه «أغلى جبل» بسبب احتوائه على الماس لا يستند إلى حقيقة علمية.
وأوضح أن قيمة جبل الكريستال تتمثل في أهميته العلمية والجمالية وكونه موردًا طبيعيًا غير متجدد، مشيرًا إلى أن الاختلافات في ألوان البلورات الطبيعية ترجع إلى الشوائب والخصائص الفيزيائية أكثر من كونها دليلًا على تعدد أحجار كريمة مرتفعة القيمة.

وأكد محمد جبريل أن حماية جبل الكريستال لا ترتبط بمنع الناس من الاستمتاع به، بل بضمان استمرار الموقع للأجيال المقبلة، موضحًا أن الإدارة تعتمد على تنظيم الزيارات وتوجيه المرشدين والتعاون مع المجتمع المحلي في واحة الفرافرة.
وقال إن السياحة البيئية يمكنها دعم الاقتصاد المحلي دون اقتطاع أجزاء من الجبل أو الإضرار بتكويناته، مضيفًا أن فلسفة الحماية تقوم على زيارة المكان بأقل أثر ممكن.

وبين تاريخ جيولوجي يمتد لعشرات الملايين من السنين، وروايات قديمة وأساطير حديثة، يبقى جبل الكريستال أحد أبرز مشاهد الصحراء البيضاء؛ ليس لأنه منجم للماس كما تزعم بعض الحكايات، وإنما لأنه سجل طبيعي مفتوح يوثق تحولات الأرض، ويجمع بين العلم والسياحة والدهشة في قلب الصحراء الغربية.

اقرأ أيضًا:
رحلة إلى كوكب آخر.. حين تشاهد "موائد الشيطان" وعيون الماء في قلب الصحراء -صور

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك