• فيديو| "سر وصيام وسُلفة مواصلات".. محطات في رحلة كفاح "الأم المثالية"

    12:22 ص الأربعاء 20 مارس 2019

    السويس - حسام الدين أحمد

    "سر وصيام وسلفة مواصلات".. لعلها المحطات الأبرز في قصة سيدة أخفت عن أبنائها أنها مريضة لأنها لا تجد ثمن العلاج، بينما نذرت صيام صهرين متتابعين إن أكرم ربها ابنها بأطفال رغم أنها لا تقوى على الصيام، بعد مرضها وكفاحها وضيق الحال الذي كان يجبرها على طلب "سُلفة" من الجيران حتى تعطي أطفالها ثمن أجرة المواصلات، لكن الله كلل جهدها بأبناء عرفوا فضلها، وحصلت على لقب الأم المثالية في السويس.

    في منزل ريفي بسيط بقرية أبو سيال التابعة لحي الجناين بالسويس، كانت السيدة نعيمة محمود على 54 سنة، تنتظر عودة أحفادها من المدرسة، وأثناء ذلك استقبلت ابنتها التي تعيش معها بعد وفاة زوجها، مكالمة من مسؤولي التضامن الاجتماعي في السويس، يخبرونها باختيارها أمًا مثالية لمحافظة السويس هذا العام.

    "كنت خايفة على عيالي وعايزة أربيهم كويس ومحدش يحس إنه يتيم.. ومحمد فاجئني لما بعت اسمي في المسابقة".. هكذا اختصرت السيدة الريفية البسيطة رحلتها من البداية للنهاية، والأسباب التي دفعها لتجسد رحلة العطاء والتضحية من أجل أبنائها، وإنها لم تعلم بإرسال قصتها إلا قبل أيام.

    بابتسامة الأمهات الطيبات، استقبلتنا الأم وأبنائها الذين حضروا ليهنئوها، وروت لنا رحلة كفاح بدأت بعد وفاة زوجها قبل 30 عامًا، خلال عمله باليومية في الزراعة وري أرض زراعية بالجناين، قائلةً "كان عطا الله عامل باليومية في الأراضي يروي ويزرع، لكنه اتكهرب من ماتور الري ومات، كان عمري وقتها 27 سنة، وابني الصغير محمد عمره لا 3 سنوات والكبير في الصف الخامس الابتدائي ومنال 7 سنوات".

    12 جنيه

    توفى الأب وترك في منزله 10 جنيهات فقط، فلم تكن الأسرة الصغيرة تعرف معنى الادخار بسبب طبيعة عمل رب الأسرة، فقدمت الأم على معاش ضمان اجتماعي، وبعد إتمام الإجراءات حصلت على معاش شهري، يزيد قليلا عما تركه الأب.

    "12 جنيه معاش مبتكفيش أسبوع والعيال في مدارس" هكذا تتذكر الأم بداية رحلتها قبل أن تبحث عن مصدر إضافي للزرق الحلال يكفيها سؤال الناس، فاشترت بنصف معاشها صابون ومواد تنظيف خام وكانت تصنعها في منزلها وتبيعها.

    وأضاف الأم المثالية، "كان الجيران في القرية يعلمون بالوضع الصعب فاشتروا مني بضاعتي، كما ساعدتني سيدة كانت تعرفني في الإسماعيلية" قائلةً، "كانت بتجيبلي هدوم أبيعها وكنت باخد على الحتة 5 جنيه" واشتريت دواجن صغيرة أربيها وأبيع بيضها كمصدر إضافي للدخل يعيني على نفقات تعليم الأطفال في المدارس.

    أنا صايمة

    "لما كان الأكل يبقى قليل عندي أخلى عيالي تاكل وأقولهم أنا صايمة، وفي المغرب أشرب مياه وأقول مليش نفس" جملة امتزجت حروفها بدموع الأم، وهي تتذكر أيام الشقاء التي وصلت إلى حد أنها لم تجد ما يكفيها وأولادها من طعام، فكانت تُؤثرهم على نفسها.

    وتابعت "في أيام أخرى أفضل حظًا، كان أطفالي الثلاثة لا يذهبون للمدارس في مدينة السويس، لا لعلة وإنما لعدم وجود ثمن أجرة المواصلات، حتى أنهم كانوا يسألونها ليلًا إذا ما كانت تملك ثمن مواصلاتهم أم لا لتحديد هل سوف يذهبون للمدارس من عدمه.

    واستطردت الأم المثالية، "كنت بستلف من جيراني مواصلات المدارس للعيال، ولما أبيع بيض أو صابون أسددها".

    وأشارت الام المثالية إلى أنها كانت تتمنى أن يلتحق أبنائها بالمدارس الثانوية العامة ثم الجامعات، قائلة "كنت لما أعدى أمام مدرسة صنايع أقول يا رب ما تكتب على عيالي يدخلوها".

    سلاح في يدها

    وأكدت "نعيمة" أنها صممت علىتعليم ابنتها على عكس ما هو سائد خلال تلك الفترة في المناطق الريفية قائلةً "كان الناس يقولولي مش لازم منال تدخل ثانوية عامة هي مصاريف وخلاص لكني كنت شايفة إن التعليم سلاح في يد البنت"، وتابعت، مرت الأيام وتخرج ياسر الابن الأكبر في كلية التجارة جامعة الزقازيق، وحصل على فرصة عمل جيدة في ديوان عام المحافظة، بينما كان محمد في الشهادة الإعدادية، ومنال التحقت بكلية الآداب.

    الآلام المؤجلة

    قبل أن يتوفى الأب، كانت "أم ياسر" كما يناديها الجيران تساعد زوجها في عمله بحقول القمح وبساتين الأشجار، وبسبب ذلك العمل الشاق تضررت فقرات ظهرها، لكن الموت الذي غيبه، واحتياجها للعمل لم يتركا لها فرصة لتهتم بصحتها فأجلت مرحلة العلاج ما يقرب من 20 عامًا حتى أتم أصغر أبنائها تعليمه بالمرحلة الثانوية، وحول ذلك تقول، "كنت وأنا شايلة محمد وهو صغير أرفع رجلي عن الأرض من كتر وجع الغضروف، ولا أقف إلا إذا أمسكت بشئ في مستوى يدي"، وتابعت "مع تطور الحالة وظهور أمراض جديدة كنت بروح المستشفى العام لوحدي أعمل كي عشان أوقف النزيف وأرجع عشان محدش من عيالي يعرف إني تعبانة وكررتها 7 مرات".

    صيام شهرين

    كانت أمنيه غالية تصل إلى حد الحلم صعب المنال، أن ترى الأم أحفادها من ابنها الصغير محمد، لكن الأطباء أخبروه أنه لن ينجب بسبب مرض لازمه منذ صغره، ما جعله يعزف عن الزواج، إلا أن أمل يقويه الدعاء والصبر مصدره والدته السيدة "نعيمة"، كان حافزا للزواج وهي تقول له "ربنا هيراضيك ويراضينا"

    ونذرت الأم أن تصوم شهرين كاملين إذا أنعم الله على ابنها بالذرية، وبعد شهرين فقط أخبرها محمد أن زوجته حامل.

    فرصة عمل ورحلة حج

    قبل أن تنهي "الأم المثالية" حديثها معنا، أكدت أن أمنيتها وحلمها أن يحصل ابنها الأصغر على فرصة عمل في شركة أو مصنع في السويس، موضحة أنه يعمل في مصنع للثلج وبهدف زيادة دخله يعمل في حمل الأمتعة وأثاث المنازل والمعمار وهو عمل شاق يؤلم فقرات ظهره وتخشى عليها أن يصاب في الغضاريف ذلك المرض الوراثي في العائلة.

    كما تمنت الأم أن توفر لها الدولة رحلة حج أو عمرة إلى بيت الله الحرام، لتشكر الله على فضله ونعمته عليها.

    "أمي وفت نذرها وصامت رغم أنها تعبانة وعندها السكر وبتاخذ أنسولين" هكذا بدأ "محمد" حديثه مؤكدًا أن أمه اعتادت أن تكون صادقة، وكما عودتهم أوفت ورفضت أن تتراجع عن الصيام شهرين متصلين.

    وأضاف "محمد" أنه علم بأمر مسابقة الأم المثالية مصادفة من أحد الأصدقاء، والذي يعرف والدته جيدا ويعلم كيف كافحت وتحملت من أجلهم، فأرسل له رابط موقع التضامن الاجتماعي ليكتب قصتها ويتقدم بها في المسابقة، ويقول إنه أخفى عنها الأمر حتى إتمام الخطوات الأخيرة.

    "كنت متأكد إنها هتكون الام المثالية" يتحدث الابن الأكبر ياسر ويضيف أن قصة نعيمة محمود تختلف عن غيرها، ليس لأنها أمه فحسب ولكن لعطائها وتضحيتها.

    وأضافت "منال" أنها لم تشعر يوما أنها يتيمة، وتابعت أنها بعد وفاة زوجها أصرت أمها على أن تنتقل للعيش معها في منزل الأسرة بقرية أبو سيال، حتى لا تلاقي ما وجدته هي قبل 30 عاما عندما توفي والدها عطا الله.

    إعلان

    إعلان

    إعلان