تواصل الأجهزة القضائية والأمنية في تونس تحقيقاتها المكثفة حول تفاصيل قضية الملاسين، بعد الكشف عن تعرض فتاة قاصر تبلغ من العمر 16 عاما للاستدراج والاحتجاز والاعتداء الجنسي الجماعي في الضاحية الغربية للعاصمة، وهي الحادثة التي فجرت موجة استياء واسعة في الشارع التونسي.
وتعود الواقعة إلى اختفاء الفتاة منذ 19 سبتمبر بعد خروجها في نزهة رفقة إحدى صديقاتها قبل انقطاع الاتصال بها كليا، حيث تقدمت والدتها ببلاغ رسمي للوحدات الأمنية.
وأكدت الأم في إفاداتها، أن ابنتها جرى استدراجها واحتجازها لما يزيد على 48 ساعة متواصلة تحت وطأة اعتداء جنسي جماعي، حتى عثر عليها ونقلت في حالة صحية حرجة إلى المستشفى لتلقي الإسعافات والرعاية الطبية اللازمة.
مسار التحريات الأمنية في قضية الملاسين
كشفت الإذاعة الوطنية التونسية نقلا عن مصدر أمني عن فتح مسارين تحقيقيين؛ الأول يتعلق بشبهة الاعتداء الجنسي على قاصر بالإكراه ومواد مخدرة، حيث تم تحديد هوية شخصين وإدراجهما في قوائم التفتيش الجنائي، بينما يختص المسار الثاني بمهاجمة دوريات أمنية ورشقها بالحجارة ومقذوفات صلبة أثناء أداء مهامها، ما أسفر عن توقيف شخصين من بين 8 مشتبه بهم.
وفي تفاصيل إضافية أوردتها صحيفة "الشروق" التونسية، أوقفت الأجهزة المختصة شخصين على ذمة التحقيق أحدهما ممرض تولى إسعاف الضحية، إلى جانب إدراج 6 أشخاص آخرين في برقيات تفتيش لضبطهم وكشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات القانونية.
وصرح مصدر أمني لوكالة "تونس إفريقيا"، بأن جانبا من المعطيات المتداولة يحمل معلومات مغلوطة، مؤكدا تواصل العمليات الميدانية لإيقاف كافة المتورطين دون حسم عددهم النهائي في تلك المرحلة.
الروايات الرسمية حول قضية الملاسين
أعلنت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في بيان، أن الضحية تبلغ 16 عاما، مؤكدة إشراف الجهات القضائية والأمنية على مجريات التحقق من واقعة الاعتداء الجنسي، مع توفير برامج المرافقة النفسية والاجتماعية المتكاملة للفتاة وأفراد أسرتها.
ووجهت الوزارة تحذيرا لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي من مغبة تداول صور الفتاة لما يمثله من خرق لحقوق الطفل ومخالفة صريحة للتشريعات القانونية الجاري العمل بها.
وتزامنت هذه الحادثة مع حالة احتقان عامة سادت البلاد، خصوصا وأن الكشف عنها جاء بالتوازي مع تحقيقات موازية تجريها السلطات في قضية قتل متسلسل بمحافظة صفاقس، ما أعاد نقاشات تشديد العقوبات الجنائية ومكافحة ترويج المخدرات والعنف بين الشباب إلى صدارة الاهتمام المجتمعي.
غضب الشارع وتصاعد العنف إثر قضية الملاسين
أعاد الحادث تسليط الضوء على مؤشرات الجريمة، حيث أظهر تقرير المرصد الوطني الخاص بالربع الثاني من عام 2026 تسجيل نسب مرتفعة للعنف، إذ جاء العنف الجسدي في المقدمة بنسبة بلغت 46.7%، تلاه العنف المالي بواقع 17.8%، في حين تساوت نسب العنف المؤسساتي والعنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبة 11.2%لكل منهما، وبلغ العنف المنزلي 6.5%، مقابل 1.9% لكل من العنف الجنسي والعنف الإلكتروني.
وأظهرت بيانات التقرير أن 72.9% من الممارسات المرصودة اتسمت بطابع إجرامي صريح وتوزعت على مساحات متعددة شملت المنازل والشوارع والمؤسسات التعليمية وأماكن العمل ووسائل النقل والمرافق الترفيهية والمجالات الرقمية والافتراضية.
الموقف الحقوقي من تداعيات قضية الملاسين
دعت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى مراجعة آليات التعامل مع بلاغات اختفاء الأطفال والقاصرين، مشددة على وجوب التدخل الأمني الفوري دون التقيد بانتظار مرور 24 ساعة، مع إعلاء المصلحة الفضلى للطفل وضمان عدم تسبب إجراءات التتبع والتغطيات الإعلامية في إلحاق أذى نفسي إضافي بالضحية.
وأكدت الرابطة براءة الطفلة من أي مسؤولية وحقها المطلق في الحماية والرعاية الصحية والمرافقة القانونية بعيدا عن التشهير وكشف الهوية.
ومن جانبها، طالبت جبهة المساواة وحقوق النساء بتأمين المتابعة الطبية والنفسية وحظر المساس بكرامة الفتاة، محذرة من تبرير العنف الجنسي بذريعة اللباس أو توقيت الخروج أو المكان، ومؤكدة ضرورة محاسبة الجناة.
وتلاقت تلك المواقف مع نداءات فعاليات مدنية وحقوقية تشدد على عدم توجيه اللوم للضحية أو ذويها وتركيز المساءلة الكاملة على المعتدين ومؤسسات الحماية المجتمعية.