يشغل التصعيد الحوثي مساحة كبيرة من اهتمام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مع بداية العام الجديد، حيث تتابع بقلق التطورات الأخيرة في المنطقة. وخلال الأيام الماضية، واصل الحوثيون السيطرة على بلدات على امتداد جنوب البحر الأحمر، وتمكنوا من بسط سيطرتهم على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التجارية في العالم.
ليس حدثًا عابرًا
أصبح هذا التطور الدراماتيكي ممكنًا بعد انسحاب قوات الحكومة اليمنية المعترف بها من جزيرة بريم الاستراتيجية، الواقعة في قلب مدخل المضيق. وبذلك مُنح الحوثيون مفتاح السيطرة الكاملة على أحد أهم طرق الملاحة العالمية.
ورغم أن إسرائيل وصفت التطور بأنه مقلق، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا يُتوقع أن تتدخل، إلا في حال تعرض إسرائيل لهجوم مباشر، حسبما قالت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في تقرير لها.
وفقا للصحيفة العبرية، فإنه لا يُنظر إلى سيطرة الحوثيين على المنطقة وتآكل السيطرة تدريجيًا في كامل المجال البحري باعتبارهما حدثًا محدودًا. فالأمر يشكل تطورًا شديد الخطورة، ليس على إسرائيل فحسب، وإنما على العالم كله الذي يعتمد على هذا الممر الملاحي.
ويتراوح عرض البحر في المنطقة، بالقرب من مدينة الحديدة الساحلية الكبرى، بين 160 و260 كيلومترًا.
لكن كلما اتجهنا جنوبًا نحو المضيق نفسه، يضيق عرضه ليصل إلى 18 كيلومترًا فقط. ولهذا الأمر أهمية هائلة. فإذا كان الإيرانيون قادرين على "خنق" المنطقة في مضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه نحو 55 كيلومترًا، فمن الممكن تقدير مدى سهولة تنفيذ عملية الخنق عندما يكون عرض الممر أقل بنحو ثلاثة أضعاف.
وتعني هذه المعطيات أن استخدام وسائل مخصصة ومسيطر عليها، من دون الحاجة إلى رادارات أو مصادر معلومات معقدة، يمكن أن يؤدي إلى إغلاق فعال للممر.
استهداف السفن بالعين المجردة
في مضيق بهذه الدرجة من الضيق، يمكن رصد السفن بالعين المجردة، ومن خلال استخدام صواريخ بسيطة، مثل صواريخ "كورنيت"، يمكن استهدافها، فضلًا عن إرسال زوارق مفخخة ضدها.
وتقدّر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حسب تقرير يديعوت أحرونوت، أن السيطرة على باب المندب ستتيح للحوثيين اختيار أهدافهم بدقة، وبالتالي التحكم في ممر ملاحي لا غنى عنه للاقتصاد العالمي بأكمله.
وخلف الأبواب المغلقة، ينتقد بعض المسؤولين في إسرائيل بشدة انهيار قوة الردع في المنطقة، ويتساءلون عن سبب غياب الأطراف التي تنشط في المنطقة وفقا للصحيفة العبرية.
وبذلك يجد الحوثيون أنفسهم في موقع متقدم، تقريبًا من دون مقاومة، في ظل ما كشفه الحدث أيضًا عن نقص في المرونة والمهارة العسكرية، على أعلى المستويات، لدى الأطراف التي يفترض أن تواجه المتمردين في اليمن.
وقال مسؤولون إسرائيليون لصحيفة يديعوت العبرية: "بالنسبة لنا، يمثل التهديد الحوثي مصلحة غير مباشرة نسبيًا، خاصة وأن الحوثيون قالوا إن السفن الإسرائيلية والأمريكية ستتحرك بحرية في مضيق باب المندب، خشية أن تهاجم الدولتان أهدافًا حوثية".
ترامب لا يتدخل
وتخشى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أنه إذا أحسن الحوثيون استغلال سيطرتهم على باب المندب، فقد يتشكل تحالف حقيقي وجاد بقيادة إيران، وقد يضطر أحد الأطراف في نهاية المطاف إلى تفكيكه.
وفي غضون ذلك، يتجنب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل، إذ علق أمس على التوتر قائلًا إن "الحوثيين لا يريدون محاربتنا".
إسرائيل تعزز استعدادات سلاح البحرية
وعلى خلفية التطورات الأخيرة، حدّث الجيش الإسرائيلي استعداداته، فإلى جانب حماية الحدود البرية، تعمل إسرائيل على حماية أصولها في البحر، مع الحفاظ على حرية الملاحة الإسرائيلية.
وأصدر قائد سلاح البحرية الإسرائيلي، تعليماته برفع حالة التأهب في المنظومة بأكملها، بما في ذلك مواقع القيادة والسيطرة، بينما عمل كبار الضباط ميدانيًا على تعزيز القوات في البحر، بهدف منع أي مفاجآت في المجال البحري.
الخوف من امتداد التهديد إلى البحر المتوسط
وبحسب التصور العسكري الإسرائيلي، تمثل الأحداث في البحر الأحمر تغييرًا استراتيجيًا واسع النطاق يهدد بالوصول إلى البحر المتوسط.
وبوجه عام، يشهد المجال البحري تغيرات دراماتيكية، بدءًا من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وصولًا إلى التطورات الأخيرة في باب المندب.
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن التنظيمات المسلحة في المنطقة راقبت التحركات الإيرانية، وأن هذه التحركات «أثارت شهيتها» لاستخدام المجال البحري لتنفيذ استفزازات، وصولًا إلى انتهاك صارخ لحرية الملاحة والسيطرة البحرية على مناطق معينة. حسب الصحيفة العبرية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، التي تشبه الجزيرة، فإن 98% من وارداتها تصل عبر البحر، ولذلك تتعامل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مع هذا التهديد باعتباره بالغ الأهمية.
وأصبح البحر ساحة مركزية في الواقع الراهن، إذ لم تعد حرية العمل في البحر أو ضمان حركة السفن من وإلى إسرائيل مجرد شعار، بل أصبحت قضية يجب ترجمتها إلى إجراءات فعلية.
وتقول المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إن هذه الإجراءات تتطلب أن يعمل سلاح البحرية على تعزيز قدراته والتوسع خلال السنوات المقبلة، حتى يتمكن من مواجهة هذا التحدي.