إعلان

بعد 25 عاما.. كيف غيّرت هجمات 11 سبتمبر السياسة والأمن في الولايات المتحدة؟

كتب : عبدالله محمود

10:55 م 11/09/2026

هجمات 11 سبتمبر

تابعنا على

بعد مرور 25 عاما على هجمات 11 سبتمبر 2001، لا تزال تداعياتها حاضرة بقوة في المشهد السياسي والأمني الأمريكي، بعدما تجاوز إرثها حدود حربي أفغانستان والعراق، ليطال تعريف الأمن القومي، وصلاحيات السلطة التنفيذية، وعمل أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون، وسياسات المراقبة والهجرة، وبنية الأمن الداخلي، فضلاً عن إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، بحسب المحامية الأمريكية والمحللة الاستراتيجية المتخصصة في قضايا الأمن القومي الأمريكي، إيرينا تسوكرمان.

وترى المحامية الأمريكية، أن الاستجابة الأمريكية للهجمات حققت مكاسب حقيقية في مجال مكافحة الإرهاب، لكنها خلقت في الوقت نفسه تكاليف استراتيجية وسياسية وفكرية كبيرة، بعدما استحوذ الإرهاب على جانب واسع من أجندة الأمن القومي، في وقت كانت فيه روسيا والصين وإيران تطور قدراتها العسكرية والتكنولوجية والاستراتيجية.

إرث سياسي وأمني تجاوز حربي أفغانستان والعراق

تقول تسوكرمان خلال حديثها مع موقع "مصراوي"، إن الإرث السياسي لأحداث 11 سبتمبر 2001 تجاوز حدود حربي أفغانستان والعراق، إذ غيرت الهجمات الطريقة التي تضع بها واشنطن تعريفا للأمن القومي ووسعت النفوذ الرئاسي، وأحدثت تحولا في وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون، وأنشأت بيروقراطية ضخمة للأمن الداخلي، فضلاً عن تغيير المواقف تجاه عمليات المراقبة والهجرة.

تشير إلى أنه بسبب هجمات سبتمبر أصبح الإرهاب الفكرة المركزية الموجهة للسياسة الخارجية الأمريكية طوال العقدين الماضيين تقريبا، كما أصبح النظام السياسي الذي نشأ في أعقاب 11 سبتمبر أكثر تقبلا للتعامل مع التهديدات البعيدة باعتبارها تهديدات محتملة ومباشرة للوطن، مع إنفاق مبالغ طائلة لمنع وقوع أي مفاجأة كارثية أخرى.

وترى تسوكرمان، أن تلك الاستجابة حققت مكاسب حقيقية، إذ أصبحت وكالات الاستخبارات الأمريكية أفضل بكثير في تبادل المعلومات المتعلقة بالإرهاب، وحظي تمويل الجماعات الإرهابية باهتمام أكبر بكثير، وتغير أمن المطارات والحدود بشكل جذري، وأصبحت مكافحة الإرهاب مهمة دائمة لمكتب التحقيقات الفيدرالي والاستخبارات.

وبحسب تسوكرمان، تحسنت قدرة الولايات المتحدة بشكل ملحوظ على رصد شبكات الإرهاب المنظمة التي تُعد لهجمات معقدة، بينما فقد تنظيم القاعدة الجزء الأكبر من بنيته التحتية المركزية التي جعلت عملية بحجم هجمات 11 سبتمبر أمرا ممكنا، حيث كان الدرس السياسي المستفاد في واشنطن هو أن تجاهل منظمة متطرفة تبدو بعيدة يمكن أن يخلف عواقب كارثية في الداخل بمرور الوقت.

هيمنة مكافحة الإرهاب على الأمن القومي

تؤكد المحامية الأمريكية، أن الاستجابة المؤسسية للأحداث دفعت الأمن القومي الأمريكي نحو التركيز بشكل طاغٍ على مكافحة الإرهاب ولسنوات طويلة، امتلكت كل وكالة أمن قومي كبرى تقريبا دوافع قوية لتفسير المشكلات عبر عدسة الإرهاب وحدها.
وتوضح تسوكرمان، أن الإنفاق الدفاعي، اكتسب جمع المعلومات الاستخباراتية، والانتشار العسكري، والمساعدات الخارجية، والدبلوماسية، وسياسة الحدود، والعقوبات، والإنفاذ المالي، وإنفاذ القانون، مكونات خاصة بمكافحة الإرهاب.

أمريكا دفعت تريليونات الدولارات بسبب أحداث 11 سبتمبر

وتشير تسوكرمان، إلى أن التقديرات المتعلقة بالالتزامات المالية المرتبطة بحروب ما بعد 11 سبتمبر إلى مبالغ تناهز تريليونات الدولارات، بمجرد احتساب العمليات العسكرية، ونفقات الأمن الداخلي، والتزامات المحاربين القدامى، وتكاليف الديون.
لكن هذا التركيز الاستثنائي للأموال والأفراد والجهد الفكري والاهتمام السياسي جاء، بحسب تسوكرمان، بثمن باهظ على صعيد الفرص البديلة.

روسيا والصين وإيران خصوم تطورت قدراتهم خلال عقدين

ووفقا لـ"تسوكرمان"، خلال العقدين الأولين من الألفية الجديدة، كانت روسيا تعيد بناء جيشها وتطور قدرات متزايدة التعقيد في مجالات الحرب السيبرانية والاستخبارات والحرب السياسية والتأثير.
وتتابع تسوكرمان، أنه في الوقت ذاته، كانت الصين توسع بحريتها وقواتها الصاروخية وقدراتها الفضائية وبرامجها السيبرانية وقاعدتها الصناعية وقوتها التكنولوجية، بينما كانت إيران تطور صواريخ وطائرات مسيرة ووكلاء وشبكات حرب غير متماثلة متزايدة القدرة.
وفي المقابل، تؤكد تسوكرمان أن الجيش الأمريكي أمضى سنوات في تحسين قطاعات واسعة من قواته خصيصا لعمليات مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب وعمليات الاستقرار والحروب ضد خصوم أضعف بكثير.

ثمن فكري وبشري للاستراتيجية الأمريكية

تقول تسوكرمان إنه لم يكن الانصراف مالياً فحسب، بل كان فكرياً أيضاً، إذ بنى جيل كامل من الضباط العسكريين والمحللين الاستخباراتيين والدبلوماسيين وموظفي الكونغرس والأكاديميين والمتعهدين وصانعي القرار مسيرتهم المهنية حول الإرهاب ومكافحة التمرد.
وتشير تسوكرمان إلى أن واشنطن أسست خبرات هائلة في المنظمات الإرهابية وشبكات التمرد، بينما سمحت لأجزاء من خبراتها المتعلقة بالحرب التقليدية والتعبئة الصناعية والردع الاستراتيجي ومنافسة الدول بالضمور.

ورغم أن الولايات المتحدة بدأت لاحقاً في إعادة بناء تلك القدرات، فإن هذا التعديل يستغرق سنوات، نظراً إلى أن السفن ومصانع الذخيرة والأفراد المدربين وسلاسل الإمداد والقدرة الصناعية لا تظهر لمجرد تغير الأولويات الاستراتيجية.

مكافحة الإرهابيين دون حسم المعركة الأيديولوجية

ترى تسوكرمان، أن قضية أخرى لم تُحل وتستحق اهتماما أكبر بكثير في هذه الذكرى في أن "الحرب على الإرهاب" أثبتت كفاءة عالية في ملاحقة الإرهابيين، بينما حققت نتائج أقل بكثير في مواجهة الآليات الأيديولوجية التي أنتجتهم.

تضيف تسوكرمان، أن لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر أدركت هذه المشكلة في وقت مبكر نسبياً؛ إذ كان تنظيم القاعدة يمثل حركة أيديولوجية فضلاً عن كونه منظمة، ما يعني أن قتل قياداته أو اعتقالهم يمكن أن يعطل عملياته دون أن يقضي على الأفكار القادرة على إلهام الأجيال اللاحقة.

وعليه، تطلبت أي استجابة مستدامة إيلاء الاهتمام للبيئة السياسية والأيديولوجية التي تغذي الإرهاب الإسلاموي، إلى جانب التدابير العسكرية والاستخباراتية وقوات إنفاذ القانون والدبلوماسية والاقتصادية والدبلوماسية العامة.
تتابع تسوكرمان، إلا أن واشنطن لم تطور إجابة مستدامة لذلك التحدي، فقامت بتفكيك الشبكات، وقتل القيادات، وتجميد الحسابات المصرفية، وإحباط المخططات، وتحسين أمن الطيران، واختراق المنظمات الإرهابية، وبناء قدرات مراقبة استثنائية، لكن جهودها لمواجهة الأفكار المتطرفة ظلت متذبذبة وصعبة سياسياً ومشتتة بيروقراطياً وغالباً سيئة التصميم.

تجدد الحركات المتطرفة

تفسر تسوكرمان، ذلك جزئياً سبب تجدد الحركات المتطرفة مراراً وتكراراً. فعلى الرغم من فقدان تنظيم القاعدة لمعظم قياداته وبنيته التحتية الأصلية، ظهرت منظمات جهادية وسلالات أيديولوجية في العراق وسوريا واليمن والصومال ومنطقة الساحل وأفغانستان وأماكن أخرى.

تذكر تسوكرمان، أن تنظيم داعش أثبت مدى السرعة التي يمكن بها لحركة متطرفة أن تدمج بين اللاهوت والمظالم السياسية والهوية الطائفية والنجاح في ساحة المعركة ووسائل التواصل الاجتماعي والدعاية المروجة لنهاية العالم، في نظام تجنيد قادر على استقطاب أشخاص من عشرات البلدان.

ترى تسوكرمان، أن سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية تعاملت غالباً مع التطرف باعتباره ظاهرة مرتبطة بمنظمات يمكن تحديدها، في حين يتطور التطرف المعاصر بشكل متزايد عبر المنظومات الأيديولوجية الرقمية على الإنترنت.

ويستوعب الأفراد مزيجاً من العقائد والمظالم ونظريات المؤامرة وسياسات الهوية والدعاية والاستياء الشخصي وتمجيد العنف، وقد يندفع البعض نحو العنف في نهاية المطاف دون الانضمام إلى منظمة تقليدية أو لقاء مُجَنِّد أو السفر إلى الخارج أو تلقي تعليمات مباشرة من جماعة إرهابية قائمة.

تؤكد المحامية الأمريكية، أن هذا الأمر لا يقتصر على التيارات الجهادية وحدها، فبعد مرور 25 عاماً على أحداث 11 سبتمبر، تواجه الولايات المتحدة أشكالاً متعددة من التطرف العنيف تختلف أصولها الأيديولوجية بشكل كبير، بينما تتقارب طرق تطرفها بشكل متزايد.

الأعداء غير شرعيين

وتحذر تسوكرمان، من وسائل التواصل الاجتماعي حيث تسمح للأفراد بالانتقال سريعاً إلى بيئات معلوماتية مغلقة يكتسب فيها التظلم تفسيراً أيديولوجياً، ويصبح الأعداء غير شرعيين أخلاقياً، وتسهل عملية عقلنة العنف.
تؤكد تسوكرمان، أن الخلايا الصغيرة يصعب رصدهم من قبل الاستخبارات والأجهزة الأمنية، نظراً لقلة ما يصدر عنهم من اتصالات أو روابط تنظيمية أو تحويلات مالية أو أنماط سفر.
بين مكافحة التعبئة العنيفة وحماية الحريات
ترى تسوكرمان أن أحد التحديات السياسية المركزية لفترة ما بعد 11 سبتمبر يتمثل في أن الولايات المتحدة بنت جهازاً هائلاً للبحث عن الأشخاص بمجرد تجاوزهم لعتبات محددة نحو الإرهاب، وظلت في المقابل أقل قدرة بكثير على التعامل مع البيئات التي تتكاثر فيها الأفكار المتطرفة.
وتقول المحامية الأمريكية، الحكومة الأمريكية تواجه قيوداً دستورية مشروعة، لأن المعتقدات الأيديولوجية، مهما كانت مهينة أو متطرفة، تظل محمية قانوناً حتى تتجاوز الحدود القانونية المتعلقة بالعنف أو المؤامرة الجنائية أو تقديم الدعم المادي أو غير ذلك من السلوكيات غير القانونية، وبالتالي يتوجب على أي سياسة جادة التمييز بوضوح بين مكافحة التعبئة العنيفة وضبط المعتقدات السياسية أو الدينية.

توسع سلطات السلطة التنفيذية

وبحسب تسوكرمان، غيرت الحرب على الإرهاب السياسة الأمريكية أيضا عبر تطبيع مفهوم أوسع بكثير لسلطة التنفيذ التنفيذي في مجال الأمن القومي.
تشير إلى أن رؤساء الحزبين ورث واستخدموا الأدوات التي أطرت بعد 11 سبتمبر، بما في ذلك سلطات المراقبة الواسعة، وعمليات القتل المستهدف، وبرامج العقوبات الواسعة، والعمليات الخارجية لمكافحة الإرهاب، والشراكات الاستخباراتية، وسلطات الطوارئ للأمن القومي.
وتحولت النقاشات التي تمركزت في بدايتها حول تنظيم القاعدة تدريجيا إلى نقاشات حول التوازن السليم بين الأمن والخصوصية والإجراءات القانونية الواجبة وسلطة الكونجرس والصلاحيات الرئاسية.

من التضامن الوطني إلى الانقسام السياسي

ترى تسوكرمان، أن المناخ السياسي الداخلي تغير بدوره، فبينما أنتجت أحداث 11 سبتمبر في بدايتها موجة استثنائية من التضامن الوطني، تحولت النقاشات بمرور الوقت بشأن العراق والتعذيب والمراقبة والهجرة والإسلام واللاجئين وأفغانستان والفشل الاستخباراتي والمحاربين القدامى والتكلفة المالية الهائلة للحروب إلى مصادر للانقسام السياسي.
وتشير إلى أن الانسحاب من أفغانستان في عام 2021 منح تلك النقاشات رمزاً قوياً آخر، إذ تمكن الأمريكيون من إلقاء نظرة على عقدين من القتال والتساؤل عما تم إنجازه، وما تم خسارته، وما إذا كان القادة السياسيون قد وسعوا المهمة الأصلية لتتجاوز بكثير مجرد منع هجوم آخر يقارن باعتداءات 11 سبتمبر.
كما أسهمت تلك التجربة في تعزيز الشكوك العامة تجاه التدخل الخارجي، إذ انخفضت رغبة القادة السياسيين الأمريكيين في خوض عمليات واسعة النطاق لبناء الدول بشكل ملحوظ بعد حربي العراق وأفغانستان.
تؤكد أن هذه الشكوك أثرت على النقاشات الدائرة حول أوكرانيا والشرق الأوسط وأعباء حلف الناتو والإنفاق الدفاعي والمساعدات العسكرية والالتزامات العالمية لأمريكا، ومن ثم، يمتد الظل السياسي لأحداث 11 سبتمبر إلى نقاشات تبدو للوهلة الأولى ذات صلة ضئيلة بالإرهاب.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان