إعلان

عبدالرحمن السيد.. كيف هزم مصري لوبي إسرائيل بأغلى سباق انتخابات أمريكي؟

كتب : مصطفى الشاعر

05:29 م 06/08/2026

تابعنا على

في مسرح "ماجستيك" بوسط مدينة ديترويت، وقف المصري عبدالرحمن السيد ليلة احتفاله الانتخابي أمام أنصاره بينما كانت نتيجة السباق الديمقراطي في ولاية ميشيجان لا تزال مُعلّقة، بعدما تحوّل فرز الأصوات إلى سباق متقارب للغاية بينه وبين منافسته النائبة هالي ستيفنز.

وبينما كانت دفعات النتائج المتتالية تُقلص الفارق بين المرشحين، ظل مصير الانتخابات التمهيدية مُعلّقا حتى صباح اليوم التالي، قبل أن تعلن وكالة "أسوشيتد برس" فوز عبد الرحمن السيد بفارق 14 ألفا و893 صوتا فقط من أصل أكثر من مليون ونصف مليون بطاقة اقتراع، في انتخابات سجلت أعلى مشاركة في تاريخ الانتخابات التمهيدية بولاية ميشيجان.

انتصار انتخابي داخل الحزب الديمقراطي

لكن فوز السيد لم يُقرأ باعتباره مجرد انتصار انتخابي داخل الحزب الديمقراطي، بل تحوّل إلى حدث سياسي يتجاوز حدود الولاية، بعدما نجح ابن المهاجرين المصريين في اختراق واحدة من أكثر المعارك الانتخابية تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، في مواجهة حملات مالية ضخمة ودعم قوي لمنافسته من مجموعات سياسية خارجية.

وأبرزت تقارير من "أسوشيتد برس" و"الجزيرة الإنجليزية" و"Arab American News"، أن فوز عبد الرحمن السيد اكتسب أهمية تتجاوز حدود السباق الانتخابي، بعدما عكس تنامي دور الجالية العربية والإسلامية في ميشيجان، خاصة في مدينة ديربورن التي أصبحت مركزا للحراك السياسي العربي الأمريكي خلال انتخابات 2024، مع تصاعد الاعتراضات داخل قواعد ديمقراطية على موقف إدارة بايدن من الحرب في غزة.

عبدالرحمن السيد.. رحلة من الهامش السياسي إلى صدارة الديمقراطيين

عبدالرحمن السيد، الذي تصدر المشهد السياسي الأمريكي بعد هذا الفوز، هو نجل مهاجرين مصريين، نشأ في ضواحي مدينة ديترويت، ودرس في جامعة ميشيجان، قبل أن يحصل على منحة رودس للدراسة في جامعة أكسفورد، ثم شهادة الطب من جامعة كولومبيا.

وعاد السيد لاحقا إلى ميشيجان ليتولى مسؤوليات في مجال الصحة العامة، حيث شغل منصب مدير إدارة الصحة والخدمات الإنسانية في مقاطعة "واين"، أكبر مقاطعات الولاية وأكثرها تنوعا، وتمكن خلال عمله من إعادة بناء النظام الصحي في المقاطعة بعد أزمة مالية حادة.

وكانت هذه المسيرة جزءا من رحلة سياسية طويلة، بدأت بمحاولته خوض سباق انتخابات حاكم ميشيجان عام 2018 وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، لكنه خسر أمام جريتشن ويتمر التي أصبحت لاحقا واحدة من أبرز الشخصيات الديمقراطية على المستوى الوطني.

وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، فإن صعود السيد الحالي يُمثّل انتقالا من مرحلة "النسيان السياسي" إلى اختراق تقدمي كبير، بعدما استطاع تحويل نفسه من مرشح يواجه محاولات للتهميش بسبب خلفيته الدينية والعائلية إلى شخصية سياسية تفرض أجندتها داخل الحزب الديمقراطي.

معركة المال السياسي.. 65 مليون دولار في مواجهة التنظيم الشعبي

كان حجم الإنفاق السياسي "الضخم" أحد أبرز عناوين المعركة الانتخابية في ميشيجان، حيث واجهت حملة عبد الرحمن السيد تدفقا ماليا هائلا من مجموعات خارجية سعت إلى دعم منافسته هالي ستيفنز.

ووفق شبكة "إن بي سي نيوز"، فقد تجاوز حجم الإنفاق الخارجي في السباق 65 مليون دولار، ما جعل الانتخابات التمهيدية واحدة من أغلى المعارك على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، في اختبار مباشر لقدرة المال السياسي على التأثير في اختيارات الناخبين.

كما أظهرت بيانات شركة "AdImpact" لمتابعة الإعلانات، والتي نقلتها صحيفة "نيويورك تايمز"، أن ستيفنز وحلفاءها تفوقوا بشكل كبير في الإنفاق الإعلاني، حيث وصل الفارق في بعض مراحل الحملة إلى نحو تسعة أضعاف لصالحها.

وفي مواجهة هذا الإنفاق، اعتمد السيد على نموذج مختلف قائم على "التنظيم الشعبي والعمل الميداني"، حيث نجحت حملته في حشد نحو 12 ألف متطوع، إلى جانب شبكة من المتبرعين الأفراد الذين منحوا حملته قدرة على المنافسة بعيدا عن التمويل التقليدي.

وكان هذا النموذج هو ما حاول السيد تقديمه باعتباره "جوهر معركته"، إذ قال في رسائل لأنصاره إن الانتخابات لم تكن مواجهة بين مرشحين فقط، بل بين "الكثيرين والمال"، في إشارة إلى اعتماده على الناخبين والقواعد الشعبية في مواجهة المجموعات السياسية ذات التمويل الضخم.

إيباك.. الرقم القياسي الذي تحطم في معركة عبدالرحمن السيد

في قلب معركة التمويل التي خاضها عبد الرحمن السيد خلال الانتخابات التمهيدية في ميشيجان، برز دور منظمة "إيباك"، وهي من أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، بعدما دخلت بشكل مباشر في السباق عبر ذراعها السياسي "المشروع الديمقراطي المتحد".

وبحسب منصة "ريسبونسبل ستيتكرافت" التابعة لمعهد كوينسي، ضخ الذراع السياسي لـ"إيباك" نحو 30.6 مليون دولار في محاولة لمنع وصول عبدالرحمن السيد إلى ترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ، في رقم وُصف بأنه "قياسي" بالنسبة للمنظمة في الانتخابات الأمريكية.

كما أشارت تقارير أمريكية، إلى أن ستيفنز وحلفاءها تلقوا دعما من 6 مجموعات خارجية، ساهمت في رفع إجمالي "الإنفاق الإعلاني" الداعم لها إلى نحو 62 مليون دولار، في محاولة لتغيير اتجاه السباق قبل أيام من التصويت.

لكن حملة السيد حاولت تحويل هذا الإنفاق إلى "نقطة قوة سياسية"، معتبرة أن المعركة لم تعد فقط بين مرشحين ديمقراطيين، وإنما بين الناخب المحلي ومجموعات التمويل السياسي القادمة من خارج الولاية.

وخلال مناظرة انتخابية في يوليو، انتقد السيد هذا الإنفاق، رابطا بين دعم منافسته للمساعدات الأمريكية لإسرائيل وبين التمويل الذي حصلت عليه حملتها، قائلا: إن "جزءا من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين يجب أن يوجه إلى مدارس ميشيغان وخدماتها الصحية وطرقها بدلا من تمويل حكومات أجنبية".

وفي منشور عبر منصة "إكس"، قال السيد، إن رؤيته تتمثل في استخدام أموال الضرائب لصالح سكان ميشيجان، مضيفا أنه يُريد توجيه الموارد نحو الخدمات الداخلية بدلا من دعم ما وصفه بتمويل "حكومة أجنبية تُعين وتُسلح إبادة جماعية".

وبعد إعلان فوزه، اعتبر الباحث إلي كليفتون من معهد "كوينسي"، أن النتيجة تُمثّل "نكسة كبيرة لإيباك واللوبي الإسرائيلي"، بعدما أنفقت المنظمة مبالغ قياسية في محاولة دعم هالي ستيفنز.

ميشيجان.. اختبار مستقبل الديمقراطيين في التعامل مع إسرائيل وغزة

لم تكن الانتخابات التمهيدية في ميشيجان، مجرد منافسة داخل الحزب الديمقراطي على مقعد في مجلس الشيوخ، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي واسع حول مستقبل موقف الحزب من قضايا الشرق الأوسط، وعلى رأسها "الحرب في قطاع غزة".

وتبنى عبدالرحمن السيد، خلال حملته موقفا واضحا بشأن الحرب، حيث وصف العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها "إبادة جماعية"، وطالب بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وفق ما نقلته شبكة "بي بي إس نيوز أور".

وركّز السيد في خطابه على أن أولوية السياسة الأمريكية يجب أن تكون تحسين حياة المواطنين داخل البلاد، من خلال "دعم الرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة"، بدلا من توجيه المزيد من الأموال إلى الصراعات الخارجية.

وأظهرت نتيجة الانتخابات حجم الانقسام داخل "القاعدة الديمقراطية" في ميشيجان، بعدما حصل السيد على نحو 48.5% من الأصوات، مقابل 47.5% لـ"هالي ستيفنز"، في سباق حُسم بفارق ضئيل للغاية.

وعكست نتيجة ميشيجان حالة الانقسام داخل الحزب الديمقراطي بشأن مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط، بعدما تحوّلت مواقف عبدالرحمن السيد من الحرب في غزة والمساعدات العسكرية إلى أحد أبرز محاور السباق، في مواجهة تيار تقليدي داخل الحزب يتمسك بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مقابل تيار تقدمي يطالب بإعادة تقييم هذه السياسة، وفقا لتغطيات وكالة "أسوشيتد برس"، و"بي بي إس نيوز أور" و"ذا فورور".

وسلّطت صحيفة "ذا فورورد"، الضوء على هذا التحول، مشيرة إلى أن فوز السيد أظهر "وجود شرائح من الناخبين والقيادات اليهودية التقدمية التي دعمت خطابه"، رفضا لاستغلال أموال اللوبيات في التأثير على الانتخابات.

كما أشارت الصحيفة الأمريكية، إلى أن هذا الفوز قد يُمثّل "تحديا للمعادلة التقليدية" التي اعتبرت أن نفوذ "إيباك" لا يمكن مواجهته داخل الانتخابات الأمريكية، خاصة بعد تجارب سابقة مثل إسقاط النائب أندي ليفين في ميشيجان عام 2022.

الاسم والدين.. مواجهة الهجمات السياسية

إلى جانب المال السياسي، واجه عبدالرحمن السيد حملة ركّزت على "هويته الدينية وخلفيته الشخصية"، خاصة من الجمهوريين الذين حاولوا استخدام اسمه ومعتقداته كأداة للهجوم عليه.

ووفقا للجنة الجمهورية لانتخابات مجلس الشيوخ (NRSC)، نشرت اللجنة انتقادات ركّزت على اسمه الكامل، في محاولة لوصفه بأنه "اشتراكي ميشيجان يُقدم نفسه باسمه الكامل عبدالرحمن محمد السيد".

رد السيد، على الانتقادات التي وجهها إليه الرئيس دونالد ترامب، معتبرا أن هجوم ترامب ركّز على اسمه ومعتقداته الدينية في محاولة لإثارة مشاعر مُعادية للإسلام.

وجاءت تصريحات السيد خلال مقابلة مع مذيعة شبكة "سي إن إن" كايتلان كولينز، اليوم الخميس، بعد فوزه على النائبة هالي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية ميشيجان، وحصوله على بطاقة الترشح لمقعد مجلس الشيوخ.

السيد: ترامب يركز عليّ بدلا من القضايا الاقتصادية

علّق السيد على تصريحات ترامب قائلا: "يُسعدني أنه يظنني رجلا لطيفا، كثيرون يظنون ذلك"، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي يركّز عليه شخصيا بدلا من مناقشة القضايا التي تهم الناخبين.

وأضاف عبدالرحمن السيد، أن ترامب تحدث عن بعض القضايا الاقتصادية، لكنه عاد للتركيز عليه، قائلا: "يقول ترامب إنه لا ضرائب على الإكراميات. الرجل لا يستطيع التركيز. هذا هو الشيء الوحيد الذي فعله لتقديم أي دعم اقتصادي، لكن بدلا من ذلك، هو يُركّز عليّ أكثر".

دعوة ترامب للتركيز على برنامجه الانتخابي

أكد السيد، أنه يُريد أن ينصب النقاش على برنامجه السياسي، مشددًا على أهمية إبعاد الأموال عن السياسة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، وإقرار نظام رعاية صحية شامل.

وتابع مرشح مجلس الشيوخ: "أدعو الرئيس إلى التركيز على ما أقوله. أُريد إبعاد المال عن السياسة، ووضع المال في جيوبكم، وإقرار نظام الرعاية الصحية الشاملة للجميع"، مضيفا أن هذه القضايا تحظى باهتمام كبير من سكان ميشيجان.

السيد: الأمان للجميع بغض النظر عن الدين

أوضح المرشح الديمقراطي، أن تصريحات ترامب بشأنه تهدف، بحسب رأيه، إلى "استهداف خلفيته الدينية"، محذّرا من استخدام الهوية الدينية في الصراع السياسي.

وأردف السيد، أن الولايات المتحدة بحاجة إلى سياسة "تحتضن جميع الناس"، مؤكدا أن كل المواطنين، سواء كانوا يهودا أو مسلمين أو مسيحيين أو هندوسا أو سيخيا أو حتى لا تُصلي، يجب أن يشعروا بالأمان والانتماء داخل البلاد والحزب الديمقراطي، بحسب تعبيره.

وأكمل عبدالرحمن السيد: "أنت تستحق أن تشعر بالأمان في هذا البلد، وتستحق أن تشعر بالأمان في الحزب الديمقراطي. أنا ملتزم بذلك".

نوفمبر.. المواجهة الكبرى مع ترامب وإيباك

رغم انتهاء الانتخابات التمهيدية، فإن المعركة السياسية لـ"عبدالرحمن السيد" لم تنته، إذ ينتظره سباق الانتخابات العامة في نوفمبر أمام المرشح الجمهوري مايك روجرز، في مواجهة يُتوقع أن تكون أكثر حدة.

وبحسب موقع "المونيتور"، أعلنت منظمة إيباك عقب فوز السيد معارضتها له في الانتخابات العامة، متعهدة بالعمل على إسقاط ما وصفته بـ"الأجندة المناهضة لإسرائيل".

كما دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خط المواجهة، بعدما هاجم السيد عقب فوزه، بينما وصف مايك روجرز المرشح الديمقراطي بأنه يُمثّل التيار "الراديكالي"، في محاولة لوضع السباق ضمن إطار الصراع بين اليمين واليسار داخل الولايات المتحدة.

وفي المقابل، أبدى السيد "ثقة كبيرة" في قدرته على الفوز في الانتخابات العامة، مؤكدا أنه قادر على التغلب على روجرز بفارق يصل إلى سبع نقاط.

وأشارت مذكرة صادرة عن مؤسسة "Data for Progress"، إلى أن تركيز السيد على قضايا الطبقة العاملة، مثل "ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والأجور"، قد يمنحه قدرة أكبر على جذب الناخبين المترددين في الانتخابات العامة.

مِن ديربورن إلى واشنطن.. هل تُغيّر ميشيجان قواعد اللعبة؟

يحمل صعود عبدالرحمن السيد دلالة تتجاوز حدود ولاية ميشيجان، إذ يُمثّل تجربة جديدة لصعود السياسيين الأمريكيين من أصول عربية، وخاصة "المصريين"، داخل المشهد الانتخابي الوطني.

فالرجل الذي بدأ حملته من قلب "ديربورن"، حيث تتركز واحدة من أكبر الجاليات العربية في الولايات المتحدة، تمكّن من بناء تحالف انتخابي جمع بين العرب والمسلمين والشباب والتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.

ويرى مؤيدوه، أن فوزه كسر فكرة أن "المال السياسي قادر وحده على حسم الانتخابات"، وأثبت أن التنظيم الشعبي يمكن أن يُشكّل قوة منافسة أمام أكبر شبكات التمويل.

لكن الاختبار النهائي سيأتي في نوفمبر، حين تتواجه حملة عبدالرحمن السيد مع الجمهوريين و"إيباك" والآلة الانتخابية المحافظة، في سباق قد يُحدد ليس فقط مستقبل السيد السياسي، بل أيضا اتجاه النقاش داخل الحزب الديمقراطي بشأن إسرائيل وغزة والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان