كيف تسعى إيران لإجبار أمريكا على تغيير قواعد اللعبة في مضيق هرمز؟
كتب : محمد جعفر
مضيق هرمز
رغم التفوق العسكري الأمريكي، لا تبدو إيران معنية بخوض مواجهة مباشرة أو تحقيق انتصار عسكري حاسم، بل تراهن على استراتيجية مختلفة تقوم على استنزاف الخصوم ورفع كلفة المواجهة تدريجيًا، ووفقًا لمسؤولين ومحللين تحدثوا لوكالة رويترز، تسعى طهران إلى تحويل ممرات التجارة العالمية ومنشآت الطاقة في الشرق الأوسط إلى أوراق ضغط، بهدف فرض واقع جديد في مضيق هرمز يمنحها نفوذًا أكبر، ويجبر واشنطن على إعادة حساباتها قبل أي تصعيد جديد.
وبحسب رويترز، تعتمد إيران على سياسة "التصعيد المدروس"، التي تقوم على توسيع دائرة التهديدات دون الانزلاق إلى حرب شاملة، في محاولة لإقناع الولايات المتحدة بأن احتواء الأزمة سيصبح أكثر تكلفة من الاستجابة للمطالب الإيرانية المتعلقة بمضيق هرمز.
وقال مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن، إن إيران تحاول منذ بداية الأزمة التفوق على الولايات المتحدة في وتيرة التصعيد عبر إضافة عنصر جديد باستمرار، سواء منطقة جغرافية مختلفة أو نوع جديد من الأسلحة أو أهداف جديدة، معتبرًا أن نقطة قوتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وإنما في قدرتها على إرباك دول المنطقة وإلحاق خسائر بالاقتصاد العالمي.
توسيع التهديدات خارج هرمز
وبعد أن أظهرت قدرتها على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط قبل اندلاع الحرب، بدأت إيران توسيع نطاق رسائلها لتؤكد أن أي ممر بحري رئيسي ليس بمنأى عن نفوذها، وتشير التهديدات التي طالت البحر الأحمر والبنية التحتية للطاقة في السعودية إلى محاولة لزيادة كلفة حماية التجارة العالمية، بالتوازي مع اختبار مدى استعداد واشنطن لتحمل تداعيات اضطراب حركة الملاحة الدولية.
ونقلت رويترز عن مصدر خليجي قوله إن قادة الحرس الثوري يعتقدون أنهم قادرون على انتزاع مزيد من المكاسب، مستندين إلى ما يرونه ترددًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانخراط في صراع واسع بالشرق الأوسط قبل انتخابات التجديد النصفي، مضيفًا أن طهران تراهن على أن توسيع نطاق الحرب وزيادة الضغوط سيدفع ترامب في النهاية إلى تقديم تنازلات، وأن القيادة الإيرانية لا تعتقد أن الضغوط العسكرية وحدها ستجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات.
مفاوضات بشروط جديدة
ونقلت رويترز عن مصدر إيراني رفيع أن القيادة الإيرانية توصلت إلى قناعة بأن المرونة التي أبدتها في السابق لم تؤد إلا إلى زيادة الضغوط الأمريكية، وهو ما عزز اقتناعها بضرورة امتلاك أوراق ضغط قوية قبل الدخول في أي مفاوضات جادة، وأضاف المصدر أن التقديرات داخل طهران ترى أن ترامب يفسر أي تنازل باعتباره مؤشرًا على الضعف، ولا يستجيب إلا عندما يواجه ضغوطًا متزايدة.
من جانبه، قال مايكل سينج، الزميل في معهد واشنطن في حديثه لـ"رويترز"، إن إيران ترى أنها ما زالت تحتفظ بزمام المبادرة، مستفيدة من حالة عدم اليقين داخل الإدارة الأمريكية بشأن حدود التدخل العسكري، موضحًا أن طهران تسعى إلى ترسيخ سيادتها على المضيق وفرض سيطرة انتقائية على حركة الملاحة.
وفي السياق نفسه، اعتبر الدبلوماسي الأمريكي السابق آلان آير أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على الردع وإجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار ووقف الضربات العسكرية، مشيرًا إلى أن طهران لا تريد أن تظل واشنطن الطرف الذي يحدد وتيرة التصعيد.
ويتركز الخلاف بين الجانبين حول مستقبل إدارة مضيق هرمز، إذ كشفت مصادر إقليمية أن سلطنة عُمان طرحت مبادرة مدعومة خليجيًا لإدارة الممر المائي تتضمن فرض رسوم طوعية على مستخدميه، وبينما تسعى إيران للاحتفاظ بدور إداري في المضيق مع إمكانية فرض رسوم على السفن مقابل الخدمات، تتمسك الولايات المتحدة باعتبار مضيق هرمز ممرًا مائيًا دوليًا يجب أن يظل بعيدًا عن أي سيطرة إيرانية.
رهان على النفس الطويل
وبحسب التقرير، ترى طهران أن استراتيجيتها بدأت تحقق بعض أهدافها، إذ أدى اتساع نطاق التهديدات إلى تحويل اهتمام القوى الإقليمية والغربية نحو حماية طرق التجارة والبنية التحتية للطاقة، بدلاً من التركيز على زيادة الضغوط عليها.
ورغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية، تعتقد إيران أنها تستطيع فرض كلفة مرتفعة على خصومها من خلال إبقاء القوات البحرية والحكومات في حالة استنفار دائم، حيث يتطلب كل تهديد جديد في مضيق هرمز أو باب المندب أو غيرهما تخصيص مزيد من الموارد لضمان استمرار تدفق التجارة العالمية.
وبحسب رويترز، تراهن القيادة الإيرانية على قدرتها على تحمل الضغوط الاقتصادية لفترة أطول من قدرة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على تحمل الاضطرابات المتكررة في التجارة الدولية وأسواق الطاقة، كما تحمل هذه الاستراتيجية بعدًا دبلوماسيًا، إذ تأمل طهران أن يمنحها توسيع نطاق الأزمة القدرة على فرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية.
وقال راي تقية، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية والمستشار السابق لشؤون إيران بوزارة الخارجية الأمريكية، إن طهران تسعى لأن تكون صاحبة اليد العليا إذا عادت المفاوضات، موضحًا أن التصعيد من جانب أحد الطرفين يقابله تصعيد مماثل من الطرف الآخر.
ورغم ذلك، لا تبدو مؤشرات على استعداد أي من واشنطن أو طهران لتقديم تنازلات في الوقت الراهن، وهو ما يزيد من احتمالات تحول سياسة الضغط المتبادل إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز قدرة الطرفين على احتوائها.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News