أوكرانيا.. وزير الدفاع المقال يطالب بمساءلة زيلينسكي عن فساد حكومته
كتب : محمود الطوخي
وزير الدفاع الأوكراني المقال ميخايلو فيدوروف
طالب وزير الدفاع الأوكراني المقال ميخايلو فيدوروف بمساءلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن شبهات الفساد داخل حكومته، مشددا على ضرورة استيضاح مدى علمه بالأنشطة غير القانونية المحتملة في دائرة المقربين منه.
أوضح فيدوروف في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أن التحقيق الأخير في قضايا غسيل الأموال يستوجب مساءلة زيلينسكي حول مجريات الأمور المحيطة به.
وفي الوقت نفسه، أشار فيدوروف إلى أنه لم يشهد شخصيا أي ممارسة فاسدة من زيلينسكي، مضيفا: "طوال فترة عملي معه، لم أتلق منه ولو لمرة واحدة أي مهمة أو تكليف يخالف القانون أو يمس بنزاهتي".
وكان فيدوروف، الذي يتمتع بشعبية واسعة وينسب إليه الفضل في تحديث الجيش وابتكار تكتيكات حرب الطائرات المسيرة، قد أقيل من منصبه الشهر الماضي عقب تقارير تحدثت عن خلافات بينه وبين قائد القوات المسلحة الأوكرانية.
دعوات الاقتراع في زمن الحرب وموقف زيلينسكي
جدد الوزير السابق البالغ من العمر 35 عام دعوته لإجراء انتخابات عامة في البلاد، في أعقاب نشره مقطع فيديو طالب فيه بفتح باب الاقتراع رغم استمرار النزاع، مؤكدا: "لا ينبغي أن تظل الديمقراطية رهينة لبوتين"، دون أن يعلن عن طموحات سياسية فورية خاصة به.
وقد فجرت إقالته احتجاجات غاضبة تراجعت تدريجيا وانتهت يوم الأربعاء بعد تثبيت تعيين بديل له في المنصب، بينما قوبلت دعوته لتنظيم الانتخابات برفض واسع.
وردا على سؤال حول ما إذا كان يشتاق لمنصبه الحكومي السابق، أجاب بـ"لا"، مشيرا إلى الأعباء والضغوط المستمرة لإدارة العمليات العسكرية ضد روسيا بالتزامن مع مهام إصلاح وزارة الدفاع.
تخضع أوكرانيا للأحكام العرفية منذ بدء الهجوم الروسي الشامل عام 2022، وهو ما يترتب عليه تعليق الاستحقاقات الانتخابية، علما بأن الولاية الرئاسية لزيلينسكي المحددة بخمس سنوات كانت قد انتهت رسميا في مايو 2024؛ إلا أن فيدوروف تمسك بما اعتبره "حقه الأخلاقي" في فتح النقاش المجتمعي حول هذا الملف.
وقال: "لا ينبغي أن نخشى مناقشة الأمر، فهذا هو جوهر الديمقراطية. إن لم أتمكن من مشاركة أفكاري والتعبير عنها بوضوح مع مجتمعي، فما الذي نقاتل لأجله إذن؟".
وحذر فيدوروف من أنه إذا لم تجر الانتخابات نهائيا "فلن نعود حينها دولة ديمقراطية".
وفي تسجيله السابق، أشار فيدوروف إلى أن "الناس لا يمكنهم العيش للأبد في حالة لا يفهمون فيها سبب اتخاذ قرارات معينة"، متفاديا توجيه انتقادات علنية مباشرة للرئيس الأوكراني، وممتنعا عن تحديد موقفه من دعم زيلينسكي في أي سباق رئاسي قادم.
في المقابل، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي في تصريحات الأحد رفضه لهذه الطروحات، معتبرا أن خوض الانتخابات في ظروف الحرب يشكل خطورة بالغة على البلاد.
وصرح: "أعتقد أن إجراء الانتخابات في ظل حرب كهذه يمثل مخاطرة كبيرة. الانتخابات الآن ستكون بمثابة تسونامي للبلاد وسيؤدي إلى انقسام أوكرانيا".
وتطرق خبراء ومحللون إلى جملة من التحديات اللوجستية والأمنية التي تعرقل العملية الانتخابية، ومن بينها وضع آليات تصويت الجنود المرابطين على جبهات القتال، وملايين اللاجئين في الخارج، وسكان المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، فضلا عن تهديدات الحملات الدعائية والتضليلية التي تقودها موسكو.
تفاصيل قضية غسيل الأموال ورد الرئاسة الأوكرانية
تزامن بث مقطع الفيديو الذي نشره فيدوروف للحديث عن الفساد السياسي مع إعلان السلطات القضائية فتح تحقيق موسع في جرائم غسيل أموال تورط فيها برلمانيون ومصرفيون؛ حيث أعلن المكتب الأوكراني لمكافحة الفساد الكشف عن مخطط لاختلاس مبالغ تتجاوز 3 ملايين دولار بالعملة المحلية بهدف سداد كفالة مالية لوزير طاقة سابق متهم في قضايا غسيل أموال، وترتب على ذلك إقالة مسؤول بارز في مكتب الرئاسة الأوكرانية بعد ورود اسمه في ملف التحقيقات.
وأكد فيدوروف مجددا ضرورة توضيح موقف الرئاسة قائلا: "دعوه يجيب على هذا السؤال.. أعتقد أنه مستعد لمثل هذه الأسئلة. إنها مسؤوليته أن يخبرنا جميعا ما إذا كان على علم بكل ذلك أم لا. لا أريد إطلاق أي افتراضات".
في المقابل، رد متحدث باسم مكتب الرئيس عبر شبكة "بي بي سي"، قائلا: "بما أن الوزير السابق كان جزءا من كل حكومة منذ عام 2019، فمن الغريب أن يصيغ كلامه وكأنها حكومات مختلفة لم يكن عضوا فيها. وكما يتذكر الجميع، لم نسمع منه أي تصريحات قوية حينها".
أكد فيدوروف أنه تمكن خلال فترة توليه المسؤولية من اقتلاع الفساد في منظومة المشتريات الدفاعية، لكنه حذر من استمرار تأثير هذه الظاهرة السلبي على جاهزية القوات في الخطوط الأمامية، مبينا أنه لم يجر أي محادثات مع زيلينسكي منذ "بضعة أسابيع".
وجدد الوزير السابق تأكيده على غياب أي أدلة تثبت تورط زيلينسكي الشخصي في الفساد، قائلا: "طوال فترة عملي معه، لم أتلق منه ولو لمرة واحدة أي مهمة أو تكليف يخالف القانون أو يمس بنزاهتي. هذه هي تجربتي الشخصية معه".
استراتيجية حرب المسيرات والتنسيق مع إيلون ماسك
بناء على خلفيته كوزير للدفاع ووزير للتحول الرقمي سابقا، ينسب إلى فيدوروف قيادة التحول التكنولوجي نحو الاعتماد على "جيش من المسيرات" كبديل عن الزج بأعداد كبيرة من المشاة، وهو ما أسهم في تقليل الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأوكراني ومكن القوات من تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى طالت منشآت عسكرية ومصافي نفط ومستودعات إمداد استراتيجية داخل الأراضي الروسية على مسافات تتجاوز آلاف الكيلومترات خلف الحدود.
وأكد فيدوروف عزمه مواصلة الدفع نحو تطوير أدوات وأساليب قتالية جديدة، كاشفا عن زيارة مرتقبة سيجريها إلى واشنطن خلال الأسابيع المقبلة يطمح خلالها لعقد اجتماع مع رجل الأعمال إيلون ماسك.
وتعد منظومة الاتصالات الفضائية "ستارلينك" التابعة لماسك ركيزة أساسية في العمليات الميدانية الأوكرانية، حيث يسعى فيدوروف إلى إقناع الملياردير الأمريكي بتوسيع نطاق التغطية الفضائية لتشمل الأجواء الروسية لتعزيز فاعلية الضربات الجوية، مع ضمان حرمان الكرملين من الاستفادة من هذه التقنية.
وقال فيدوروف: "أفضل شركات التكنولوجيا في العالم تدعمنا وتستثمر في انتصارنا وإنهاء هذه الحرب. وعلينا البقاء على تواصل معهم بغض النظر عن مناصبنا. لدي سجل نجاح سابق في العمل معهم وأحتاج للاستمرار في التواصل معهم لأجل بلادي".
انتقاد الروتين الغربي ومستقبل الطموح الرئاسي
وجه فيدوروف انتقادات حادة للبيروقراطية المتبعة في بريطانيا والدول الحليفة بسبب البطء والتأخير في تسليم شحنات السلاح؛ وتعد بريطانيا شريكا تاريخيا لأوكرانيا بعدما خصصت 16 مليار جنيه إسترليني للدعم العسكري منذ اندلاع الحرب.
وقد تأكد الأسبوع الماضي استخدام طائرات مسيرة بريطانية الصنع في ضرب أهداف روسية؛ ورغم إعرابه عن الامتنان للدعم المقدم من لندن، فقد فيدوروف حمل الروتين الإداري مسؤولية التأخر في وصول العتاد.
وأشار الوزير الاوكراني السابق إلى أن: "الحكومات تتأخر عن مواكبة الواقع على الأرض. لا يقتصر هذا الأمر على المملكة المتحدة فحسب، بل يشمل دولا أخرى تعلن عن تقديم مساعدات ولا نصل إليها حتى نهاية العام".
ودعا فيدوروف الشركاء الغربيين إلى توجيه التمويل المالي المباشر لدعم خطوط تصنيع المسيرات داخل أوكرانيا بدلا من توريد معدات وخبرات متقادمة، موضحا: "لسنا بحاجة لإصلاح الدبابات بينما لم نعد نستخدم الدبابات".
وشدد على أن وصول الإمدادات في مواعيدها المحددة يخدم حماية حياة غير الأوكرانيين أيضا، مضيفا: "من المؤسف أن خسائرنا ودماءنا وخبرتنا العسكرية تعود بالنفع عليكم جميعا. يمكنكم الحصول على هذه الخبرة مقابل كل الدعم الذي تقدمونه لنا".
ونفى فيدوروف وجود مساع سياسية فورية لديه، إلا أنه لم يغلق الباب أمام إمكانية الترشح للانتخابات الرئاسية في المستقبل، قائلا: "يعتمد ذلك كليا على السرعة التي سنتمكن بها من إعادة إطلاق هذه العملية الانتخابية الديمقراطية، وعلى مقدار الطاقة التي سأمتلكها، وما إذا كنت سأحتفظ بفريقي، وما إذا كنت قادرا على الإجابة بنفسي على سؤال ما إذا كنت أستطيع تولي منصب الرئيس أم لا".
وأعاد فيدوروف التأكيد على أن المعيار الحاسم يظل: "ما إذا كان الناس سيقولون لي: نعم، نحن نثق بك لتولي هذا المنصب".
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News