طهران ودول الخليج
لم يكن مشهد النيران المتصاعدة من محطة تقطير المياه والكهرباء في الكويت، أو حطام الرادارات العسكرية المدمرة في سلطنة عُمان، أو قصف منشآت الطاقة في قطر، مجرد فصول ميدانية عابرة في سياق المواجهة بين إيران وأمريكا؛ بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن تهاوي عقود من سياسات الموازنة والمهادنة الحذرة التي سعت دول الخليج جاهدة لإرسائها.
وفي غضون أسابيع معدودة بعد اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي، تحولت دول الجوار التي طالما صُنفت كملاذات آمنة ومنارات للاستقرار والرفاهية إلى ساحات مواجهة عسكرية مباشرة وشرسة.
واكتشف الوسطاء الإقليميون لطهران وفي مقدمتهم الدوحة ومسقط، أن استثمارهم الدبلوماسي الطويل لم يعد كافيا لحماية منشآتهم الحيوية من "خيار شمشون" الإيراني، الذي تعمد استهداف عصب الحياة اليومية في الخليج وعسكرة مضيقي هرمز وباب المندب؛ بهدف جر الإقليم قسرا إلى معركة كسر عظام إقليمية تفرض "الدمار الاقتصادي المتبادل" كمعادلة لابتزاز المجتمع الدولي.
هذا الانزلاق الميداني المتسارع، الذي نقل المنطقة من ذروة التفاؤل بمفاوضات إدارة مضيق هرمز السلمية في يونيو إلى جحيم الاستهداف الصاروخي الشامل في يوليو، لا يمكن تفكيك أبعاده الاستراتيجية أو استيعاب مآلاته الجيوسياسية بمعزل عن تتبع المنحنى العقائدي والتراكم التسليحي لتوازن القوى في المنطقة.
فما جرى على الأرض من دمار لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تبلور فكري وعقيدة قتالية ممتدة منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، وهو ما يقودنا مباشرة إلى التتبع التاريخي الموثق للإجابة عن سؤالين جوهريين:
هل تفقد إيران وسطاءها التقليديين في الخليج؟
تشير المعطيات الميدانية والدراسات الموثقة إلى أن إيران تفقد وسطاءها التاريخيين بالخليج وتحديدا قطر وسلطنة عمان، بشكل متسارع وغير قابل للاستدراك، وذلك وفق مراحل جيوسياسية وعقائدية متعاقبة.
الجذور الجيوسياسية وتآكل "عقد الحماية"
رأى البروفيسور أنتوني كوردسمان، رئيس كرسي "أرلي بيرك" للاستراتيجية بمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية (CSIS) في دراسته التأسيسية الصادرة في ديسمبر 2014، أن إيران نجحت لسنوات في زيادة نفوذها السياسي والعسكري في غزة ولبنان والعراق وسوريا وبعض دول جنوب الخليج.
وفي دراسته اللاحقة مطلع عام 2020، أوضح كوردسمان أن سلطنة عُمان تبنت تاريخيا "مرونة خاصة في التعامل مع إيران" والنأي بنفسها عن صراعات جيرانها كالسعودية والإمارات باليمن، كما فرضت قطر تموضعا دبلوماسيا مرنا ومستقلا مع طهران عقب أزمة مقاطعتها الخليجية عام 2017.
وكذلك، لفتت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج بمجموعة الأزمات الدولية، في في تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أن هذا التموضع الخليجي المستقل نشأ بسبب "الشكوك في مدى صمود الضمانات الأمنية الأمريكية على المدى الطويل حين تتراجع واشنطن وتترك جيرانها مكشوفي الظهر أمام إيران منفلتة".
الانهيار الحتمي للدبلوماسية وسقوط وهم "شراء الأمان"
مع اندلاع المواجهة العسكرية الشاملة نهاية فبراير الماضي، قوبل الحياد الخليجي بقصف إيراني عشوائي طال قطر وعمان والإمارات والكويت بأكثر من 1000 صاروخ ومسيرة.
وقد برر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قصف الفنادق المأهولة بادعاء أن "الجنود الأمريكيين فروا إليها".
مع هذا الواقع، واجهت دول الخليج تساؤلات مقلقة حول مدى صمود مخزونات صواريخ الباتريوت والغذاء، ما دفع وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، إلى الدعوة لمراجعة النظرة الاستراتيجية للخليج بالاعتماد على "بناء ردع ذاتي جماعي لا يعتمد على الحلفاء".
تجلت ضرورة الدعوة القطرية، في تقرير معهد "كارنيجي" الذي أشار إلى أن طهران فعّلت عقيدة "خيار شمشون" لتهديم المعبد على رؤوس الجميع؛ حيث تعمدت نقل الصراع لعمق الخليج لابتزاز واشنطن، ما دفع القوى الخليجية الأربع الكبرى: الرياض، أبوظبي، الدوحة، الكويت، للانخراط في مباحثات سرية لمراجعة جدوى الحماية الأمريكية والتحول التدريجي نحو الردع، وفق مسؤول أمريكي.
الارتداد العكسي للحرب والانقلاب الكامل للموقف الخليجي
تسبب هذا القصف المباشر في إحداث انقلاب كامل ومفاجئ في الموقف الخليجي من عداء الحرب إلى مطالبة واشنطن رسميا بـ"التحييد الكامل والتقويض الجذري لقدرات طهران العسكرية للأبد لإنهاء ابتزازها"، وفقا لوكالة "رويترز".
وعقب قصف الأرجاء الإقليمية وميناء صلالة العماني ومنشآت رأس لفان القطرية في مارس الماضي، صرح رئيس مركز الخليج للأبحاث، عبد العزيز صقر: "بمجرد أن بدأوا في توجيه الضربات إلينا، أصبحوا عدوا. لا توجد طريقة أخرى لتصنيفهم".
وأكد البروفيسور برنارد هيكل من جامعة برينستون لـ"رويترز"، أن إظهار إيران لقدرتها الفعلية على إغلاق هرمز أوجد تهديدا وجوديا مغايرا للخليج يتطلب الاستئصال.
في الشهر نفسه، ظهرت ملامح قطع العلاقات التجارية والخدمية التاريخية بين دبي وإيران عقب قصف ميناء جبل علي التجاري في مطلع مارس الماضي، وفق رؤية معهد "تشاتام هاوس" البريطاني.
وتكبدت ميزانيات الخليج خسائر باهظة؛ حيث تعطلت خطط قطر لتوسيع تصدير الغاز الطبيعي المسال وتأجل تشغيل مشروع التوسعة لمنتصف عام 2027.
وكشف المعهد البريطاني، عن مفارقة استفزازية تمثلت في قيام إيران بإغلاق هرمز أمام صادرات الخليج بينما واصلت تصدير نفطها الخاص بحرية إلى الصين عبر ذات المضيق مستغلة رغبة واشنطن في عدم استفزاز بكين.
ومع بداية الهدنة الهشة بين إيران وأمريكا في أبريل الماضي، انتقد المسؤولون والإعلام العماني بحدة السياسة الأمريكية والإسرائيلية.
وذكر معهد "كارنيجي"، أن عُمان درست احتمال أن تصبح "المركز المالي البديل لإيران عوضا عن دبي" لاسترضاء طهران، بينما فضلت السعودية الدبلوماسية واتخذت الإمارات موقفا أكثر تشددا ضد النظام الإيراني. غير أن كل هذه المحاولات لاستعادة التهدئة سقطت نهائيا في يوليو الجاري.
وقد انتهت الهدنة فعليا، بعد أن شنت أمريكا غارات وصفتها بـ"الانتقامية" ضد إيران لاستهدافها سفنا تجارية مضيق هرمز، ليرد الحرس الثوري بتدمير أنظمة الرادار في سلطنة عُمان (الوسيط)، مع قصف منشآت حيوية بالأردن والكويت والبحرين.
واعترف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، بأن الضغوط الدولية على مسقط أجهضت تفاهمات إدارة المضيق.
وبعد أيام، انتهى التفاؤل كليا وحل التشاؤم المطلق بالدوحة ومسقط؛ بعد أن أقدمت إيران على قصف الأراضي القطرية مرتين إضافيتين خلال موجة التصعيد الأخيرة، واستهداف عُمان بالمسيرات عقب أيام من مفاوضاتها، وشل حركة الملاحة بمضيق هرمز بنسبة 52%، لتفقد وسطاءها بالخليج بشكل شبه نهائي.
وإلى جانب القصف الذي ربما قطع "شعرة معاوية" بين إيران ودول الخليج، تفرز تحركاتها تساؤلا إضافيا.
هل تحاول إيران جر الخليج والمنطقة إلى الحرب؟
ترجح الوقائع الميدانية المتواترة أن إيران تسعى بشكل منهجي ومتعمد لجر دول الخليج والمنطقة بأكملها إلى أتون الحرب، مستخدمة استراتيجية "الابتزاز الشامل وعسكرة المضائق" لحماية بقائها، عبر عدة محاور:
تفعيل "خيار شمشون" وتدمير البنية التحتية الجارة
أوضح معهد "كارنيجي"، أن إيران لعجزها عن مواجهة أمريكا وإسرائيل عسكريا، تفعل عقيدة "خيار شمشون" متبعة استراتيجية: هدم المعبد على رؤوس الجميع؛ لجر جيرانها المحايدين للحرب.
وقد طبقت طهران هذه العقيدة عمليا ليلة 17 يوليو 2026؛ حيث شنت هجوما باليستيا دمر محطة توليد الكهرباء وتقطير المياه في الكويت مسببا حرائق هائلة.
وإلى جانب لك، دمر الحرس الثوري الإيراني مواقع بالبحرين شملت مركز الذكاء الاصطناعي الرئيسي ومستودع مسيرات.
عسكرة مضيق هرمز لابتزاز العالم
اعتبر معهد "تشاتام هاوس"، أن إيران تعمدت إغلاق مضيق هرمز كأداة ابتزاز مالي وسياسي؛ إذ نفّذ الحرس الثوري وعيده بمنع تصدير "قطرة نفط واحدة من المنطقة" إذا استمر الحصار الأمريكي عليها، محولة الممر المائي الذي ينقل خمس إمدادات الطاقة العالمية إلى سلاح حرب لجر الإقليم والعالم إلى الهاوية والضغط على واشنطن لوقف الهجمات.
تفعيل جبهة اليمن وعسكرة مضيق باب المندب
عقب استئناف العمليات العسكرية، كشفت 3 مصادر استخباراتية لوكالة "رويترز"، عن خطوة إيرانية بالغة الخطورة حيث وجهت جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن للاستعداد التام لإغلاق ممر الملاحة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب في حال قصف بنيتها النفطية.
وقد تزامن ذلك مع إطلاق الحوثيين صواريخ باليستية باتجاه جنوب السعودية لإنهاء هدنة غير رسمية استمرت لسنوات بين الجماعة اليمنية والرياض.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News