إعلان

بمليون قمر اصطناعي.. هل يحقق ماسك نبوءة "كارداشيف" على أنقاض الأرض؟

كتب : محمود الطوخي

11:29 م 11/07/2026

هل يحقق ماسك نبوءة ''كارداشيف'' على أنقاض الأرض؟

تابعنا على

تضرب خطط إيلون ماسك الطموحة لمستقبل شركة "سبيس إكس" والبشرية جذورها في فكرة فلكية قديمة ولدت في ستينيات القرن الماضي؛ وتحديدا عندما بدأ علماء الفلك في التقاط إشارات راديوية غامضة ومجهولة قادمة من أعماق الكون.

في ذلك الوقت، كان عالم الفلك السوفيتي نيكولاي كارداشيف رائدا في مجال البحث عن الذكاء الفضائي خارج الأرض، وقد سحرته بعض تلك الإشارات.

وانطلاقا من شغفه بفكرة إمكانية رصد بث قادم من حضارات فضائية محتملة من خارج الأرض، اقترح مقياسا لتصنيف تلك الحضارات بناء على كمية الطاقة التي يمكنها إنتاجها وتخصيصها للاتصالات بين النجوم، وهو المفهوم الذي بات يعرف اليوم باسم "مقياس كارداشيف".

وقد أشار ماسك إلى هذا المقياس مرارا وتكرارا، وكان آخرها في مقطع فيديو نشر على منصة التواصل الاجتماعي "إكس" قبيل الطرح العام الأولي الضخم لأسهم "سبيس إكس" في يونيو الماضي، بالإضافة إلى بيان رسمي موقع منه على موقع الشركة الإلكتروني يلخص طلبا قدم هذا العام إلى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية.

في هذا الطلب، التمست الشركة الإذن لإرسال ما يصل إلى مليون قمر اصطناعي جديد إلى المدار، بهدف إنشاء مراكز بيانات عملاقة في الفضاء.

وعلق ماسك قائلا إن هذه المجموعات الجديدة من الأقمار الاصطناعية ستكون بمثابة "خطوتنا الأولى نحو التحول إلى حضارة من المستوى الثاني على مقياس كارداشيف".

مستويات الطاقة الثلاثة في الكون

ينقسم مقياس كارداشيف إلى 3 مستويات رئيسية، تتدرج صعودا من الكوكب إلى النجم ثم المجرة بأكملها.

الحضارة من النوع الأول هي القادرة على استخدام واستغلال كامل الطاقة المتاحة على كوكب واحد، سواء كانت طاقة ينتجها الكوكب نفسه مثل الطاقة الحيوية الأرضية أو طاقة الرياح، أو تلك التي يتلقاها من نجمه المضيف مثل الطاقة الشمسية.

أما الحضارة من النوع الثاني فهي التي يمكنها تسخير كامل الطاقة المنبعثة من النجم الذي تدور حوله، بالإضافة إلى القدرة على إرسال المعلومات عبر مسافات مجرية هائلة.

بينما تعد الحضارة من النوع الثالث هي الحضارة الأسطورية القادرة على التحكم في طاقة مجرة بأكملها واستغلالها، وإرسال البيانات عبر مجرات متعددة.

ورغم وجود منتقدين لهذا المقياس، إلا أنه ظل محفزا للنقاشات العلمية على مدار العقود الستة الماضية، وكان محورا للعديد من التعديلات التي أضافت مستويات تصنيف أخرى.

ويرى الخبراء في هذا الإطار أداة مفيدة لتقييم الحضارات المحتملة، رغم أنه لا يستخدم بصفة رسمية.

وفي هذا السياق، يقول زازا عثمانوف، الزميل بمعهد البحث عن ذكاء خارج الأرض والمعاون لعميد كلية الفيزياء بالجامعة الحرة في تبليسي بجورجيا، إن مقياس كارداشيف يعد من حيث المبدأ الإطار العلمي الوحيد تقريبا المتاح لدينا لتقييم المستوى التكنولوجي للحضارة بموضوعية، وتحديدا من حيث قدرتها على تسخير الطاقة واستغلالها؛ فهو يتيح لنا تقدير ومقارنة حجم موارد الطاقة التي يمكن للحضارة التحكم فيها وتوظيفها، وفقا لشبكة "سي إن إن".

وبناء على هذا المعيار، أشار ماسك في مقطع الفيديو الشهر الماضي إلى أن أي حضارة فضائية قد تمر بكوكب الأرض الآن لن تنبهر بنا كثيرا.

لكن، يتساءل الخبراء هل يمكن لخطط الشركة لإنشاء مراكز بيانات مدارية، والتي تواجه عقبات تقنية جمة، وتطويرها المستمر لمركبة "سفينة الفضاء"، وهي أقوى نظام إطلاق صنع في التاريخ، أن يغيرا هذه النظرة؟.

يرى الخبراء أنه حتى لو نجحنا في ذلك، فإن مواصلة الارتقاء بمفهوم كارداشيف ستكون مسألة معقدة ولها تبعات كبرى.

موقع الأرض الفعلي على المقياس

نشر نيكولاي كارداشيف مقياسه لأول مرة عام 1964 في ورقة علمية بعنوان "نقل المعلومات بواسطة الحضارات خارج الأرض"، وسرعان ما أصبحت دراسته محط فحص وتدقيق.

ويسترجع جيسون رايت، أستاذ علم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة بنسلفانيا، تلك الحقبة قائلا إن فكرة إمكانية التواصل مع كائنات فضائية في ستينيات القرن الماضي كانت جديدة تماما، وكان الجميع يحاول استكشاف مدى واقعيتها.

وكان كارداشيف عالم فلك راديو شابا تحمس للغاية لهذه الفكرة، وبدأ يفكر في نوع جديد من مصادر الراديو التي اكتشفت حديثا؛ والتي نفهمها الآن على أنها ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات "أشباه النجوم"، لكنهم في ذلك الوقت كانوا لا يزالون يحاولون فهم طبيعتها.

ودون أن يحدد كارداشيف بدقة موقع الأرض على مقياسه، وصف النوع الأول بأنه "مستوى تكنولوجي قريب من المستوى الذي تم الوصول إليه حاليا على الأرض".

وفي السبعينيات، اقترح عالم الفلك الأمريكي كارل ساجان تعديلا على المقياس لمعالجة ما اعتبره عيبا كبيرا، وهو الافتقار إلى الدقة والتدرج؛ حيث أضاف ساجان نقاطا عشرية لجعل المقياس مستمرا، واقترح أن البشرية تقف عند مستوى 0.7 تقريبا وفقا لنسخته الجديدة.

ومن المهم ملاحظة أن نسخة ساجان، التي أصبحت مؤثرة بشكل مستقل، ليست خطية بل لوغاريتمية، ما يعني أن الفجوة بين 0.7 و1 هي في الواقع أكبر بكثير مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

ويعلق جيسون رايت على ذلك قائلا إن مقياس كارداشيف غالبا ما ينتقد لأنه يحاول إسقاط فهمنا للتاريخ البشري والتقدم على الكائنات الفضائية، لكن نسخة كارل ساجان تسمح لنا بتنحية كل ذلك جانبا والقول ببساطة إن الكائنات تستخدم كمية معينة من الطاقة، وهذا المقياس يصف حجم تلك الطاقة؛ ومن هذا المنطلق يراه مفيدا.

ويأتي أحدث تقدير لموقع الأرض على مقياس كارداشيف المعدل من دراسة أجريت عام 2023؛ حيث قدرت أن البشرية تقف حاليا عند مستوى 0.7276 باستخدام متغيرات اقتصادية وديموغرافية ومناخية وبيئية.

وتوقعت الدراسة أيضا أنه بحلول عام 2060، ستصل البشرية إلى مستوى 0.7449، وهو ما يمثل نموا بنسبة 50% في استهلاك الطاقة.

تحديات الطاقة والارتقاء الحضاري

من الناحية التقنية، فإن أي مشروع طاقة يضيف إلى موقع الأرض على المقياس، لكن الطريق إلى النوع الأول الكامل لا يزال طويلا.

ويقول أنتونج تشانج، الباحث الزائر في كلية هارفارد للهندسة والعلوم التطبيقية والمؤلف الرئيسي لدراسة 2023، إنه بموجب اتجاهات الطاقة والتكنولوجيا الحالية، فإن الوصول إلى وضع حضارة من النوع الأول سيستغرق على الأرجح آلاف السنين، ما لم تغير الطفرات الكبرى مثل التوسع الهائل في الطاقة المتجددة أو الاندماج النووي هذا المسار الجاري بشكل جوهري.

وفي ظل عجز البشرية حتى الآن عن الوصول للنوع الأول، هل يبدو التطلع للنوع الثاني ممكنا؟

يرى إيلون ماسك أن "أي حضارة تحترم نفسها يجب أن تصل على الأقل إلى النوع الثاني على مقياس كارداشيف".

ولا يعني هذا بالضرورة أن الأرض بحاجة لإنجاز النوع الأول بالكامل، بل يمثل "محاولة أولى لاستخدام حصاد الطاقة الشمسية المعتمدة على الفضاء" وفقا لتصريح تشانج.

ومن جانبه، يرى جيسون رايت أن خطة ماسك لإطلاق مليون قمر اصطناعي تعد خطوة تقنية نحو النوع الثاني، لكن تسخير كامل طاقة الشمس سيتطلب مواد تفوق كتلتها مجموع كل الكويكبات الموجودة في حزام الكويكبات؛ وهي خطوة قد تغير بشكل جذري بنية النظام الشمسي وصلاحية كوكب الأرض للحياة، معتبرا أن هذا ليس هدفا واقعيا أو مرغوبا للبشرية للسعي وراء تحقيقه.

ويرى منتقدو مقياس كارداشيف أن الوصول إلى وضع النوع الأول ليس هدفا واقعيا بالأساس.

يقول فيليب ميتزجر، فيزيائي الكواكب وأستاذ الأبحاث بجامعة سنترال فلوريدا والذي حظي بمسيرة مهنية طويلة في وكالة ناسا، إن لا أحد يرغب حقا في استخدام كل طاقة الكوكب، لأنك ستدمر الكوكب تماما في هذه العملية.

ومن وجهة نظر ميتزجر، يجب ألا نستخدم المزيد من طاقة الأرض؛ ولذلك ظل يطالب لبضعة عقود بضرورة نقل الصناعة خارج الكوكب.

وتماشيا مع نهج إيلون ماسك، يرى ميتزجر أن مستقبل إنتاج الطاقة والتصنيع يجب أن يكون في الفضاء أو على سطح القمر، ما يعني القفز فوق النوع الأول واستهداف النوع الثاني مباشرة.

نقل الصناعة خارج كوكب الأرض

يكشف ميتزجر أنه كتب ورقة بحثية عام 2012 عندما كان لا يزال في وكالة ناسا، وحظيت باهتمام البيت الأبيض في عهد أوباما وعقدت سلسلة اجتماعات بشأنها.

كانت الورقة تجادل بأننا نستطيع بالفعل البدء في تأسيس حضارة على مستوى النظام الشمسي سريعا من خلال إقامة مصانع على القمر وتطويرها ذاتيا، وتوقعت أن يستغرق الأمر ما بين 20 إلى 70 عاما اعتمادا على سرعة العمل، وسيعود ذلك بفوائد هائلة على العالم بينما سيكلف حوالي ثلث ميزانية ناسا فقط.

يقر ميتزجر بأن هذا الاقتراح يبدو كأنه خيال علمي ونوع من الجنون، وأنه لا يوجد حاليا أي تفويض سياسي لتنفيذه.

ومع ذلك، أضاف أن هذه الرؤية قد تتغير لأن الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي يجعل مراكز البيانات مشروعا تجاريا مربحا للغاية، ولكنه يواجه في الوقت نفسه معارضة شرسة بسبب المخاوف المتعلقة باستهلاك الطاقة والمياه؛ ولذلك قد يكون نقل مراكز البيانات خارج الكوكب حلا لهذه المخاوف.

كما بات العيش في الفضاء فكرة شائعة، على الأقل بين المليارديرات؛ إذ يدعم مؤسس أمازون، جيف بيزوس، علنا مفهوم "مستعمرات أونيل"، وهي عبارة عن هياكل مدارية يبلغ عرضها أميالا وتتسع كل منها لما يصل إلى مليون شخص، وتستخدم موارد مثل المياه المتجمدة التي يمكن حصدها من القمر.

وإذا كانت هناك حضارات من النوع الثاني متواجدة بالفعل في مجرتنا، فقد تكون هناك طرق لرصدها؛ ومنها البحث عن هياكل عملاقة افتراضية تعرف باسم "كرات دايسون"، وهو مفهوم كان مألوفا لكارداشيف بعد أن تخيله عالم الفيزياء الأمريكي فريمان دايسون عام 1960.

وتعد "كرة دايسون" عبارة عن غلاف مصنوع من المرايا أو الألواح الشمسية يحيط بالنجم تماما لحصاد كل الطاقة التي ينتجها.

وسينتج عن هذا الهيكل حتما حرارة مهدرة يمكن رصدها في صورة إشعاع تحت أحمر؛ ولذلك وضع العلماء نظرية تفيد بأن البحث عن هذا المنتج الثانوي قد يكون وسيلة قابلة للتطبيق للبحث عن حياة خارج الأرض.

وقد بحثت دراسة نشرت عام 2024 في 5 ملايين نجم داخل مجرة درب التبانة، ووجدت 7 مرشحين محتملين يمكن أن يحتضنوا "كرات دايسون".

ويعلق جيسون رايت على ذلك قائلا إن ما أظهرته الدراسة هو أنه في حال وجود كرات دايسون، فإنها نادرة للغاية؛ ولذا نعلم الآن أن هذه ليست ظاهرة شائعة في مجرتنا.

وأوضح أن المرشحين السبعة مثيرون للاهتمام للغاية وجاري إعداد المزيد من الملاحظات لمعرفة المزيد عنهم باستخدام تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي، على الرغم من أنها قد تبدو مجرد مؤشرات إيجابية خاطئة وليست كرات دايسون حقيقية.

البحث المستمر عن الإشارات الفضائية

عندما يتعلق الأمر باحتمالية وجود حياة خارج الأرض، فإن معظم العلماء يتوخون الحذر؛ إذ يقول تومو جوتو، الأستاذ المساعد في علم الفلك بجامعة "تسينج هوا" الوطنية في تايوان، إن وجود حضارات من النوع الثاني أو الثالث أمر معقول بالتأكيد من حيث المبدأ بالنظر إلى عمر الكون وحجمه، ومع ذلك فإن غياب الأدلة الرصدية يشير إلى أنها إما نادرة للغاية، أو قصيرة الأجل، أو مختلفة تماما عما يفترضه إطار كارداشيف.

ومنذ أن أطلق عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي فرانك دريك "مشروع أوزما"، وهو أول بحث عن إشارات فضائية عام 1960، لم يكن هناك نقص في المشاريع المماثلة، والتقدم التكنولوجي يعمل باستمرار على تحسين نطاقها وقدراتها.

ويرى زازا عثمانوف أن الحضارة من النوع الثاني معقولة تماما، وفي الواقع قد يكون رصد حضارة عند مستوانا الحالي، أو حتى من النوع الأول، أكثر صعوبة.

وأوضح عثمانوف أن النجوم الأخرى في مجرتنا هي في المتوسط أقدم بكثير من الشمس؛ ولذلك إذا ظهرت حضارات حول تلك النجوم، فستكون قد حظيت بوقت كاف لتصبح أكثر تقدما بكثير من البشرية.

وحول ما ستفعله الكائنات الفضائية بكل تلك الطاقة المستمدة من نجم كامل، يجيب عثمانوف بأنه لا يعرف الغرض الدقيق، ولكن ما يوحي به التاريخ البشري هو أنه كلما تقدم أسلافنا إلى مستويات أعلى من الذكاء والتطور التكنولوجي، ازداد استهلاكهم الإجمالي للطاقة.

ويتوقع عثمانوف شيئا مماثلا في هذه الحالة؛ فالحضارة المتقدمة للغاية لن تظل على الأرجح محصورة داخل نظام كوكبي واحد، ما يعني استغلال الفضاء على نطاق واسع وما يقابله من طلب على الطاقة قد يتجاوز استهلاكنا الحالي بعدة مرات.

توفي نيكولاي كارداشيف عام 2019 بعد مسيرة علمية حافلة، وتابع مقياسه بورقتين بحثيتين نشرتا عامي 1980 و1985؛ واقترح فيهما استراتيجيات لرصد الإشارات القادمة من الحضارات الذكية وتناول التداعيات المحتملة لمثل هذا الاكتشاف على البشرية.

ورغم أن مقياسه يركز على إنتاج الطاقة، إلا أنه كان يؤمن بأن مفاهيم الأخلاق والخير عالمية مثل نظرية فيثاغورس؛ فالحضارات لا يمكنها البقاء والنجاة إذا لم تتبع هذه المفاهيم.

ووصف تومو جوتو مقياس كارداشيف بأنه تجربة فكرية مفيدة لتصنيف الحضارات من حيث استهلاكها للطاقة، ومع ذلك من المهم أن نضع في الاعتبار أن الحضارات الأكثر تقدما قد تعطي الأولوية للكفاءة، أو الحوسبة، أو معالجة المعلومات بدلا من مجرد زيادة إجمالي استخدام الطاقة.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان