دونالد ترامب
لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حالة مزاجية جيدة عندما التقى بنظيره السوري هذا الأسبوع، فقد أبدى ترامب اعتقاده بأن الاتفاق مع إيران "انتهى"، بعد استهدافها لسفن تجارية في مضيق هرمز.
ورغم ذلك، تحول أحمد الشرع، الرجل الذي رصدت واشنطن سابقا مكافأة مالية تبلغ 10 ملايين دولار للقبض عليه، فجأة إلى الشريك المفضل والحل المحتمل لأكبر معضلات الرئيس الأمريكي في البحث عن مخرج لإنهاء الهيمنة الإيرانية على الممر المائي الحيوي لشحنات النفط والغاز العالمية، وفقا لصحيفة "تيليجراف".
وفي نظر ترامب، فإن الشرع يمثل شخصية مذهلة نجحت في إعادة تجميع دولة كانت تعيش في فوضى عارمة وتفكك شديد.
ولم يتأخر ترامب في تقديم ما هو أثمن من كلمات الثناء، إذ أعلن رسميا عن شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد رفع العقوبات عنها العام الماضي، عقب لقاء جمعه مع أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في تركيا.
بوابة الاستثمارات في اتفاق ترامب وسوريا
يمهد هذا الاتفاق التاريخي الطريق أمام الشركات الأمريكية للاستثمار في الداخل السوري، وهو توجه حظي بتشجيع حكومي مباشر عبر إصدار دليل توجيهي خاص بالمستثمرين يركز على قطاعات النفط والغاز والكهرباء والمصارف.
وقال الرئيس الأمريكي مخاطبا الشرع: "إن لدينا شركات أمريكية جاهزة للاستثمار في سوريا والمساعدة في جعل بلادكم أكثر ازدهارا من أي وقت مضى".
تمنح الجغرافيا السورية ميزة استراتيجية استثنائية بامتلاكها ساحلا ممتدا على البحر الأبيض المتوسط وامتدادا بريا يتصل بالدول الخليجية الغنية بالنفط، ما يسهل ربطها بحركة التجارة العالمية.
ووفقا للصحيفة البريطانية، تشمل الخيارات المطروحة نقل إمدادات الطاقة عبر الشاحنات أو من خلال أنابيب مخصصة تصل إلى الموانئ الساحلية، حيث يمكن شحن البضائع والنفط على متن سفن تجارية متجهة إلى أوروبا والأسواق العالمية.
تفعيل بديل مضيق هرمز عبر الأراضي السورية
يتيح هذا المسار الالتفاف تماما على خطوط التجارة البحرية المارة عبر مضيق هرمز، ما يقلص أوراق الضغط والابتزاز التي تمتلكها إيران عبر مهاجمة السفن التجارية.
وتؤكد الصحيفة، أن مشروعات الأنابيب الحيوية تخضع للدراسة بالفعل؛ بهدف ربط كبار منتجي الطاقة في الخليج، مثل السعودية وقطر، مباشرة بالموانئ الساحلية السورية في بانياس واللاذقية.
وفي هذا السياق، يرى مؤيد البني، كبير المحللين في مركز كرم شعار للاستشارات الاقتصادية، أنه من الناحية الجغرافية، وإذا استبعدنا عوامل المخاطرة، فإن سوريا تمثل بالتأكيد بديلا واقعيا لمضيق هرمز، لكن الأمر ليس بالسهولة التي يحاول ترامب أو حتى الحكومة السورية تصويرها، ومع ذلك فهي فرصة ذهبية لدمشق للبناء عليها.
وتملك سوريا المقومات لتصبح مركزا دوليا لتجارة الطاقة، بالنظر إلى احتياطياتها النفطية المؤكدة التي تبلغ نحو مليارين ونصف المليار برميل، وسط تقديرات متفائلة ترفع الرقم إلى 27 مليار برميل، بما يشمل الحقول البحرية.
وكذلك، فإن هذا الخيار جرى اختباره عمليا، إذ ينقل العراق حاليا نحو 200 ألف برميل نفط يوميا عبر الشاحنات عبر الأراضي السورية، وإن كان هذا الرقم يمثل جزءا ضئيلا من 4 ملايين برميل يوميا كانت تشحن قبل اندلاع الحرب.
المخاطر الأمنية في اتفاق ترامب وسوريا
رغم الآفاق الواعدة، فإن المسار الجديد محفوف بالمخاطر، فالجماعات المتطرفة لا تزال تنشط في بعض المناطق، حيث تعرضت ناقلة وقود عراقية لهجوم على طريق سريع شمالي سوريا مطلع يونيو الماضي.
وتبرز عقبات عملية أخرى، تتمثل في افتقار البلاد للبنية التحتية المصرفية والمالية الأساسية، إلى جانب الإرث الثقيل لعقود من العقوبات التي تجعل المعاملات الدولية وتتبع المدفوعات أمرا بالغ الصعوبة، وهو ما يثير القلق بشأن قوانين مكافحة غسيل الأموال ومنع وصول التمويل للجماعات المتشددة.
علاوة على ذلك، يتعين على واشنطن التعامل مع النفوذ الروسي المستمر عسكريا وتجاريا، حيث تقرر تشغيل مركز لوجستي تجاري منتصف يوليو الجاري في ميناء طرطوس، مخصص لمناولة البضائع الروسية وربط الساحل السوري بميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود.
تحديات إقليمية تواجه بديل مضيق هرمز
وترى الصحيفة، أن التحدي الأكبر يكمن في مدى تقبل القوى الإقليمية لهذا التحول الجيوسياسي، إذ قد تتردد دول الخليج في منح دمشق نفوذا كبيرا وسيطرة على إمداداتها النفطية، التي تشكل العصب الاستراتيجي لاقتصاداتها الوطنية.
ورغم ذلك، بدأت الشركات الأمريكية خطوتها الأولى، حيث وقعت شركة شيفرون في فبراير الماضي اتفاقا مع شركة النفط السورية الحكومية لتطوير أول حقل بحري للنفط والغاز في البلاد، بالتزامن مع تشكيل تحالف بين شركات سعودية وأمريكية للتنقيب في شمال شرق سوريا.
ويبقى نجاح تحويل سوريا إلى مركز تجاري رهنا بمدى سرعة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وهي الخطط التي تسارعت وتيرتها بسبب انقطاع إمدادات النفط خلال الحرب الإيرانية، ما يمنح الصين ميزة كبرى باعتبارها المصدر الأكبر للطاقة النظيفة عالميا.
ويؤكد المحلل مؤيد البني أنه من الجيد وجود بدائل لمصدري النفط، لكن شدة الأزمة في مضيق هرمز هي ما يدفعهم للنظر نحو سوريا، وليس جاذبية السوق السورية نفسها، إذ يتطلب الأمر تأكدا تاما من أن دولة تقع على حدود إسرائيل، وتتأثر بالتوترات الإقليمية بين تركيا وإسرائيل، وإسرائيل وإيران، ستكون مستقرة بما يكفي لتشكل مسارا آمنا للملاحة والتجارة.