إعلان

من الطوارئ لمنع الجنسية بالميلاد.. كيف حاول ترامب منع هجرة صنعت بلاده؟

كتب : عبدالله محمود

10:59 م 01/07/2026

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

تابعنا على

منذ عودته إلى البيت الأبيض وبدء ولايته الرئاسية الثانية في 20 يناير 2025، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملف الهجرة على رأس أولويات إدارته، معتبر أنه أحد أبرز القضايا المرتبطة بالأمن القومي الأمريكي، وسرعان ما ترجم هذا التوجه إلى سلسلة من الأوامر التنفيذية والإجراءات التي استهدفت تشديد الرقابة على الحدود، والحد من الهجرة غير النظامية، وإعادة صياغة سياسات اللجوء والهجرة التي اعتمدتها الإدارة السابقة.

وشملت الإجراءات التي اتخذها ترامب إعلان حالة الطوارئ على الحدود الجنوبية مع المكسيك، ونشر قوات إضافية لتعزيز أمن الحدود، إلى جانب تشديد قواعد اللجوء، وتوسيع حملات توقيف وترحيل المهاجرين غير النظاميين، وتعليق برنامج استقبال اللاجئين، فضلًا عن محاولة تقييد منح الجنسية بالميلاد لبعض الأطفال، وتشديد إجراءات التدقيق الأمني على طالبي التأشيرات والمقيمين.

وترى الباحثة والمتخصصة في شؤون الأمن القومي الأمريكي، إيرينا تسوكرمان، أن ترامب تجاوز الحدود الدستورية في العديد من هذه الأمور لكن كانت بشكل أكثر وضوحا من خلال محاولته تقييد حق المواطنة بالولادة بموجب أمر تنفيذي الأمر الذي أبطلته المحكمة العليا الأمريكية.

وأكدت الباحثة الأمريكية، أن العديد من سياسات إدارة ترامب الأخرى المتعلقة بملف الهجرة تثير مخاوف دستورية خطيرة لأن قانون الهجرة يمنح الرئيس والسلطة التنفيذية سلطة واسعة بشكل غير عادي على القبول، حيث تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه السلطة إلى عقاب جماعي، أو تصنيف جماعي ضد العديد من الأشخاص.

ترامب يحاول إعادة صياغة سياسة الهجرة إلى أمريكا

تقول الباحثة الأمريكية إن أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للهجرة خلال ولايته الثانية مثلت محاولة متعمدة لإعادة صياغة سياسة الهجرة باعتبارها تأكيدًا على السيادة الوطنية، والأمن الداخلي، والسيطرة الديموغرافية، وانضباط سوق العمل، وتعزيز السلطة التنفيذية، مع التعامل مع الحدود بوصفها ساحة واحدة ضمن حملة أوسع امتدت إلى المحاكم، وأماكن العمل، والجامعات، وأجهزة إنفاذ القانون المحلية، والمزايا الفيدرالية، والقبول الإنساني، والمواطنة الدستورية.

وتوضح تسوكرمان، أن أبرز القرارات التي اتخذتها الإدارة شكلت بنية حاكمة متكاملة، شملت عسكرة الحدود الجنوبية، وإغلاق أو تقييد الإفراج الإنساني باعتباره قناة واسعة للقبول، وتقليص فرص الحصول على اللجوء، وإعادة الاحتجاز باعتباره الخيار التشغيلي الأساسي، وتوسيع نطاق الإبعاد السريع، وإحياء إنفاذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة، والضغط على ولايات الملاذ الآمن، وإنهاء أو تضييق نطاق وضع الحماية المؤقتة، إلى جانب استخدام قوانين الأمن القومي في سياقات الهجرة التي كانت تُعد سابقًا شديدة الحساسية من الناحيتين القانونية والسياسية.

وتضيف الباحثة أن الموجة الأولى من التدابير أعادت العمل بإطار الطوارئ على الحدود، وأنهت أنظمة الإفراج المشروط والتعيين التي كانت مطبقة في عهد جو بايدن، كما أعادت إحياء منطق "البقاء في المكسيك"، وعلقت أو قلصت بصورة حادة قبول اللاجئين، ووسعت نطاق الترحيل السريع إلى داخل الولايات المتحدة، ووجهت الوكالات إلى إخضاع المهاجرين وطالبي التأشيرات والطلاب واللاجئين وطالبي اللجوء لتدقيق أمني من منظور الأمن القومي.

كما تحركت إدارة ترامب ضد حق المواطنة بالولادة، وحاولت تغيير المعنى الدستوري للمواطنة من خلال أمر تنفيذي، واستندت إلى قانون الأعداء الأجانب في مواجهة الأعضاء المزعومين في ترين دي أراغوا، وضغطت من أجل الترحيل إلى بلدان ثالثة، وصعدت من عمليات إنفاذ القانون في أماكن العمل وعلى مستوى الشوارع، ووسعت التعاون مع سلطات الولايات والسلطات المحلية، وحصلت على تمويل كبير من الكونجرس لصالح وكالة الهجرة والجمارك، وهيئة الجمارك وحماية الحدود، وتعزيز قدرات الاحتجاز، والمراقبة، ولوجستيات الترحيل.

أهداف ترامب من القرارات

وتشير تسوكرمان إلى أن الأهداف وراء هذه القرارات كانت واسعة النطاق، إذ سعى ترامب إلى ردع الدخول غير القانوني قبل وصول المهاجرين إلى الحدود، وإزالة الحوافز الناتجة عن تراكم الإفراج المشروط وطلبات اللجوء، وتسريع عمليات الإبعاد، وجعل الوجود غير القانوني داخل الولايات المتحدة أكثر خطورة، ومعاقبة ولايات الملاذ الآمن، والحد من القبول الإنساني، وتوجيه رسالة إلى الحكومات الأجنبية وشبكات تهريب المهاجرين بأن واشنطن انتقلت من إدارة تدفقات الهجرة إلى العمل على قمعها.

وبحسب الباحثة الأمريكية، أرادت إدارة ترامب، أن تثبت لقاعدتها السياسية أن إنفاذ قوانين الهجرة يمكن أن يصبح تعبيرًا رئيسيًا عن السلطة الرئاسية، وليس مجرد قضية تظل عالقة في طريق مسدود داخل الكونجرس أو رهينة للتسويات البيروقراطية.

أسباب فشل إدارة ترامب

وتؤكد تسوكرمان، أن مكمن الفشل تمثل في محاولة الإدارة تحويل صدمة التنفيذ إلى نظام وطني مستقر بالاعتماد على السلطة التنفيذية وحدها.

وتوضح أنه، رغم الانخفاض الحاد في أعداد المواجهات على الحدود، وارتفاع الاعتقالات الداخلية، وزيادة عمليات الترحيل، وانتشار الخوف داخل مجتمعات المهاجرين، فإن الولايات المتحدة لا تزال تفتقر إلى إصلاح شامل للهجرة من جانب الكونجرس، وإلى موافقة قضائية مستقرة على أكثر المطالبات جرأة، فضلًا عن غياب إطار إداري متماسك للتعامل مع اللجوء، واحتياجات سوق العمل، والأسر ذات الوضع القانوني المختلط، والمقيمين غير المسجلين منذ فترات طويلة، والأشخاص الفارين من الاضطهاد الحقيقي.

تشير تسوكرمان إلى أن ترامب نجح في خلق ضغوط على منظومة الهجرة بأكملها، لكنه لم ينجح في إنشاء نظام هجرة فعال، إذ كشفت ولايته الثانية حدود السلطة الرئاسية، واستنزاف أدوات الحكم المعتمدة على إعلانات الطوارئ، والأوامر التنفيذية، وعقود الاحتجاز، والمداهمات، وسياسات التخويف.

مدى نجاح سياسات ترامب

وعن مدى نجاح سياسات ترامب في الحد من الهجرة إلى أمريكا، تقول تسوكرمان إن أبرز مظاهر النجاح تمثلت في تشديد إنفاذ القانون على الحدود الجنوبية، حيث انخفضت عمليات العبور والمواجهات غير المصرح بها إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات عديدة، نتيجة مزيج من تشديد إنفاذ القانون من جانب المكسيك، والقيود التي فُرضت بعد عام 2024، وانهيار أنظمة الدخول القائمة على الإفراج المشروط، واعتماد ممارسات احتجاز أكثر صرامة، وتكثيف رسائل الإبعاد السريع، واستعادة الشعور بالمخاطر المرتبطة بمحاولة الدخول.

وتوضح أن المهاجرين وشبكات التهريب يتفاعلون مع الحوافز والشائعات والمخاطر والتوقيت واحتمالات الإفراج المتوقعة، وأن ترامب نجح في تغيير تلك التوقعات بسرعة، وهو ما انعكس بوضوح على أرقام العبور على الحدود.

وتتابع الباحثة الأمريكية أن الإدارة أعادت داخل الولايات المتحدة إحياء إنفاذ قوانين الهجرة باعتباره أداة عملية ووسيلة للضغط على المجتمعات التي اعتادت على أولويات فيدرالية أكثر محدودية.

وتزايدت الاعتقالات بعيدًا عن المناطق الحدودية، وأصبحت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) أكثر حضورًا ووضوحًا، بينما امتد تهديد الاحتجاز، وإنفاذ القانون في أماكن العمل، والإبعاد، إلى أشخاص عاشوا لسنوات على افتراض أن الجهود الفيدرالية ستظل تركز في المقام الأول على مرتكبي الجرائم الخطيرة.

ونتيجة لذلك، عاد الوجود غير القانوني في حد ذاته، بما في ذلك للأشخاص الذين تربطهم علاقات مجتمعية عميقة، إلى صدارة أولويات إنفاذ القانون الفيدرالي.

وتشير تسوكرمان إلى أن الانخفاض الملموس في المواجهات على الحدود لا يحسم تلقائيًا مسألة ضغوط الهجرة الإجمالية، إذ قد يعكس تراجع الأعداد عند نقاط العبور الرسمية تأجيل الهجرة، أو تغيير مساراتها، أو زيادة الاعتماد على المهربين، أو الاتجاه إلى تجاوز مدة التأشيرات، أو استخدام معابر أكثر خطورة، أو انتظار المهاجرين لما ستسفر عنه قرارات المحاكم والكونجرس بشأن أجندة الولاية الثانية.

القيود القانونية واللوجستية والاقتصادية

كما توضح أن الإدارة تستطيع توقيف المهاجرين بوتيرة أسرع من قدرتها على ترحيلهم، لأن تنفيذ الترحيل يعتمد على توافر أماكن الاحتجاز، ووثائق السفر، وتعاون الدول المستقبلة، والرحلات الجوية، والموظفين، وقدرة المحاكم، والترتيبات القنصلية، ووجود سجلات قانونية قوية تتحمل التدقيق القضائي.

وتؤكد الباحثة الأمريكية أن إدارة ترامب تواجه في الوقت نفسه مجموعة من القيود القانونية واللوجستية والاقتصادية والدبلوماسية والسياسية، مشيرة إلى أن المحاكم أوقفت أو قلصت نطاق بعض الإجراءات الأكثر طموحًا، لا سيما عندما سعت الإدارة إلى تغيير الحقوق الدستورية أو تجاوز ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.

إثارة الرأي العام الأمريكي

كما ترى أن الاحتجاز يظل مرتفع التكلفة ويواجه ضغوطًا مستمرة، في حين أن الاعتقالات غير المشروعة، والاتهامات الخاطئة بالانتماء إلى العصابات، ونقص الرعاية الطبية، وفصل الأسر، كلها عوامل تخلق مخاطر قانونية وتثير ردود فعل سلبية لدى الرأي العام.

وتضيف تسوكرمان أن الحكومات الأجنبية لا تستقبل المرحلين دائما بالسرعة أو بالحجم الذي تطالب به واشنطن، بينما تعتمد قطاعات الزراعة، والبناء، وتجهيز الأغذية، والضيافة، والعمل المنزلي، ورعاية المسنين، والخدمات، بدرجة كبيرة على العمالة المهاجرة، بما في ذلك العمالة غير الموثقة، الأمر الذي يجعل أي حملات ترحيل واسعة النطاق مصدرًا لاضطرابات اقتصادية حقيقية في قطاعات يصعب عليها تعويض نقص العمالة بصورة سريعة.

نقاط ضعف سياسات ترامب

وعن أبرز نقاط الضعف في سياسات ترامب، توضح أن كثيرا من الأمريكيين يؤيدون تشديد الرقابة على الحدود، والحد من الدخول غير القانوني، وتشديد قواعد اللجوء، إلا أن نسبة كبيرة منهم تبدي في الوقت ذاته رفضًا للمداهمات، ووفيات المحتجزين، وترحيل الآباء المستقرين منذ سنوات طويلة، والسياسات التي تبدو وكأنها تعامل طالبي اللجوء باعتبارهم أعداء متسللين.

وترى الباحثة الأمريكية أن الإدارة الأمريكية تحقق مكاسب سياسية عندما تصوّر الهجرة باعتبارها حالة من الفوضى تستدعي فرض سيطرة وطنية، لكنها تفقد جانبًا من هذا التأييد عندما تبدو إجراءاتها تعسفية أو مسيئة أو موجهة ضد أشخاص ينظر إليهم الرأي العام باعتبارهم عمالًا، وأولياء أمور، وجيرانًا، وطلابًا، وأفرادا فاعلين في مجتمعاتهم.

كيف أثرت قرارات ترامب على أوضاع المهاجرين؟

وبحسب الباحثة الأمريكية، يواجه المهاجرون وطالبو اللجوء ظروفًا أكثر قسوة وحالة متزايدة من عدم اليقين، تتشكل بفعل عوامل الجغرافيا، والاحتجاز، والجنسية، والتوقيت، وإمكانية الحصول على المشورة القانونية.

وتوضح أن الأشخاص الذين كان بإمكانهم في السابق استخدام أنظمة جدولة المواعيد، أو التقدم عبر موانئ الدخول، أو الدخول في إجراءات مطولة للنظر في طلبات اللجوء، وجدوا أن تلك القنوات أصبحت محدودة إلى حد كبير.

تتابع ونتيجة لذلك، ظل كثيرون عالقين في المكسيك، أو اضطروا للإقامة في مخيمات غير رسمية، أو أصبحوا عرضة للجماعات الإجرامية، أو وجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ الانتظار إلى أجل غير مسمى أو محاولة العبور عبر طرق أكثر خطورة، حيث لم تنهي هذه الإجراءات حالة اليأس، وإنما نقلتها إلى أماكن أقل ظهورًا وأكثر خطورة.

وتضيف أن نموذج إنفاذ قوانين الهجرة خلال الولاية الثانية لترامب خلق حالة دائمة من الهشاشة بالنسبة للمهاجرين الموجودين بالفعل داخل الولايات المتحدة، بمن فيهم أولئك الذين عاشوا بهدوء لسنوات، أو سددوا الضرائب، أو ربوا أطفالًا مولودين في الولايات المتحدة، أو ارتبطوا بالكنائس، أو عملوا في القطاعات الأساسية، أو حصلوا على أوضاع قانونية مؤقتة.

خطر الترحيل وضعف الرعاية الطبية

وتشير إلى أن إنهاء أو تضييق نطاق برامج الحماية المؤقتة كان من أكثر الإجراءات إرباكًا واستقرارًا، لأنه طال أشخاصًا اعتمدوا على تصاريح وإذن سبق أن منحته لهم الحكومة الأمريكية نفسها.

وبهذا، أصبح الاستقرار القانوني عرضة للإلغاء بقرار سياسي، ووجدت أسر بنت حياتها على أساس العمل والإقامة المصرح بهما نفسها فجأة أمام خطر الترحيل.

وتؤكد الباحثة أن الاحتجاز أصبح أحد أبرز محاور الانتقادات الحقوقية، لأن توسيع نطاقه يؤدي، كما كان متوقعًا، إلى الاكتظاظ، وضعف الرعاية الطبية، وتدهور الصحة النفسية، ومحدودية الوصول إلى المحامين، وضعف الخدمات اللغوية، وتراجع الرقابة، وارتفاع الوفيات أثناء الاحتجاز.

وتوضح أنه عندما يصبح الاحتجاز هو الخيار العملي الافتراضي، تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن الصحة والسلامة وضمان الوصول القانوني لآلاف المحتجزين، وبذلك تتحول كل حالة إهمال طبي، أو وفاة، أو احتجاز طويل الأمد، أو حرمان من تمثيل قانوني فعّال، إلى اختبار مباشر لمسؤولية الدولة.

الاعتراضات القانونية على إدارة ترامب

وتشير المتخصصة في شؤون الأمن القومي الأمريكي، إلى أن الاعتراضات القانونية على سياسات الإدارة تركزت حول ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، وقانون اللجوء، ومبدأ عدم إعادة الأشخاص إلى أماكن الخطر، والحماية المتساوية، ووحدة الأسرة، والاحتجاز المطول، والحق في الحصول على محام، والفصل بين السلطات.

ووفقًا لـ"تسوكرمان"، أثار استخدام قانون الأعداء الأجانب مخاوف قانونية واسعة، لأنه تعامل مع الانتماء المزعوم للعصابات باعتباره فئة ذات طابع شبه حربي، ما وضع أشخاصًا أمام خطر الإبعاد استنادًا إلى إطار قانوني أُنشئ في الأصل للتعامل مع أعداء الحرب.

تصنيف المهاجرين كـ"أعداء أو غزاة"

وترى الباحثة أنه كلما توسعت السلطة التنفيذية في تصنيف فئات من المهاجرين باعتبارهم أعداء أو غزاة، أصبح من الأسهل الالتفاف على الضمانات المعتادة في قانون الهجرة، خاصة بالنسبة للأشخاص ذوي المعرفة المحدودة باللغة الإنجليزية، أو الذين لا يملكون محامين، أو لديهم وثائق غير مكتملة، أو يواجهون نزاعات تتعلق بإثبات هوياتهم.

انتقادات حقوق الإنسان لإدراة ترامب

وتشير المتخصصة في شؤون الأمن القومي الأمريكي،إلى أن جماعات حقوق الإنسان وجهت انتقادات للإدارة بسبب استخدامها المشقة والمعاناة كوسيلة للردع، معتبرة أن هذا الانتقاد يمس جوهر البعد الأخلاقي للسياسة. فبينما تمتلك الدولة الحق في حماية حدودها، وصون السلامة العامة، وإنفاذ قوانين الهجرة، فإنها تظل ملزمة في الوقت نفسه تجاه طالبي اللجوء، والأطفال، والمحتجزين، واللاجئين، والأشخاص الذين يملكون ادعاءات موثوقة بالتعرض للاضطهاد.

وتوضح أن سياسات ترامب تختبر إلى أي مدى يمكن لحكومة ديمقراطية أن تمضي في جعل إجراءات الهجرة أكثر قسوة بهدف ردع الوافدين المحتملين، وهو ما أصبح أحد أبرز محاور الجدل القانوني والأخلاقي خلال ولايته الثانية.

انقسام في الهوية السياسية الأمريكية

وجعلت سياسات ترامب الخاصة بالهجرة هذا الملف أحد أكثر خطوط الانقسام وضوحًا في الهوية السياسية الأمريكية، إذ تعامل الجمهوريون مع أجندة الولاية الثانية باعتبارها دليلاً على أن الرئيس المستعد لاستخدام صلاحياته التنفيذية بقوة قادر على تحقيق نتائج عجزت عنها النخب السياسية التقليدية، وفقا للباحثة.

وتستكمل تسوكرمان، أصبحت مؤشرات مثل أعداد العابرين للحدود، وعمليات الترحيل، وتمويل وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، وتوسيع قدرات الاحتجاز، والمواجهة مع ولايات الملاذ الآمن، رموزًا لاستعادة سلطة الدولة، كما تحول إنفاذ قوانين الهجرة إلى معيار للولاء داخل الائتلاف الجمهوري، انعكس في الانتخابات التمهيدية، ورسائل أعضاء الكونجرس، وسياسات حكام الولايات، وخطاب وسائل الإعلام المحافظة.

الكونجرس يوسع قدرات ترامب

وتضيف الباحثة أن الكونجرس استجاب بصورة أكبر من خلال تمويل أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة، أكثر من سعيه إلى إصلاح قانون الهجرة نفسه، فقد تدفقت الاعتمادات المالية إلى وكالة الهجرة والجمارك، وهيئة الجمارك وحماية الحدود، ومنشآت الاحتجاز، وأنظمة المراقبة، وعمليات الترحيل، والبنية التحتية الحدودية، بينما بقيت أكثر القضايا التشريعية تعقيدًا دون حل، ومنها إصلاح نظام اللجوء، ومسارات الهجرة القانونية للعمل، وتأشيرات العمالة الزراعية، وقضية الحالمين، وتجاوز مدة الإقامة القانونية، وإنفاذ القوانين بحق أصحاب العمل، وتقاسم الأعباء مع البلديات، وبرامج استقبال اللاجئين، ووضع آلية عملية لتسوية أوضاع المقيمين منذ فترات طويلة.

وترى أن الكونجرس، من الناحية العملية، ساعد ترامب على توسيع قدراته التنفيذية في مجال الهجرة دون التوصل إلى تسوية وطنية شاملة.

وتشير إلى أن المحاكم أصبحت تمثل الجهة الرقابية الأساسية على سياسات الإدارة، فمنحت ترامب انتصارات مهمة في المجالات التي تمنح فيها السلطة القضائية عادةً السلطة التنفيذية هامشًا واسعًا من التقدير، خاصة فيما يتعلق بالقبول، وأولويات الترحيل، والحماية المؤقتة، وإدارة الحدود، لكنها في المقابل تصدت للإدارة عندما حاولت تغيير المعنى الدستوري، أو الحد من المراجعة القضائية، أو تجاوز ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.

إنهاء حق المواطنة بالولادة

وتوضح أن محاولة إنهاء حق المواطنة بالولادة كانت المثال الأبرز على المقاومة القضائية، لأنها دفعت المحاكم إلى مواجهة محاولة مباشرة لإعادة تفسير التعديل الرابع عشر من خلال أمر تنفيذي.

الرأي العام الأمريكي

وتلفت الباحثة إلى أن الرأي العام الأمريكي لم يتحرك وفق انقسام حزبي بسيط، إذ يؤيد قطاع واسع من الناخبين تشديد الرقابة على الحدود، والحد من الدخول غير القانوني، ومعالجة ما يعتبرونه إساءة لاستخدام نظام اللجوء، لكن كثيرين يعارضون في الوقت نفسه المداهمات الجماعية، وفصل الأسر، والاحتجاز إلى أجل غير مسمى، وترحيل الأشخاص ذوي الروابط المجتمعية العميقة، والسياسات التي يُنظر إليها على أنها قاسية أو مخالفة للقانون.

انقسام في الشارع الأمريكي

وتؤكد أن الخريطة السياسية الأمريكية أصبحت أكثر استقطابًا بين نهجي الإنفاذ والمقاومة، حيث تحولت الولايات التي يقودها الجمهوريون إلى شركاء في تنفيذ سياسات الهجرة الفيدرالية، بينما أصبحت الولايات والمدن التي يقودها الديمقراطيون مراكز للمعارضة القانونية والإدارية.

كما أصبحت المحاكم ساحة المواجهة لكل خطوة تنفيذية كبرى تقريبًا، في حين يواصل أصحاب العمل الضغط بهدوء من أجل استقرار سوق العمل، وتستمر الجامعات، والكنائس، ومنظمات حقوق المهاجرين، والحكومات المحلية في مقاومة التعاون مع سياسات الإدارة. وبهذا، أصبحت الهجرة اختبارًا للفيدرالية، والسلطة الرئاسية، والسلطة القضائية، وسوق العمل، والهوية الوطنية في آن واحد.

هل تستمر سياسة الإدارة الأمريكية بعد رحيل ترامب؟

وترى الباحثة أن بعض سياسات ترامب قد تستمر إلى ما بعد انتهاء ولايته، لأن المؤسسات التي جرى توسيعها نادرًا ما تختفي بسرعة، حيث تشمل هذه المؤسسات التوسع في التوظيف داخل وكالة الهجرة والجمارك، وعقود الاحتجاز، واتفاقيات التعاون بين السلطات الفيدرالية والولايات، وأنظمة المراقبة، وترتيبات تبادل البيانات، والبنية التحتية الخاصة بالترحيل، والثقافة المؤسسية داخل الوكالات.

كما أن التمويل الذي وفره الكونجرس منح هذه السياسات أساسًا ماديًا، من خلال تعيين مزيد من الضباط، والتعاقد على مرافق الاحتجاز، وتطبيع الإجراءات، وتوقيع اتفاقيات مع السلطات المحلية، ودمج قواعد البيانات في عمليات الإنفاذ اليومية، مؤكدة أن التراجع عن هذه المنظومة يتطلب انضباطًا إداريًا، ورأسمالًا سياسيًا، ورؤية بديلة واضحة.

وفي المقابل، ترى أيضا أن أكثر الإجراءات طموحا من الناحية القانونية تظل الأكثر عرضة للإلغاء، حيث يمكن لأي إدارة لاحقة إعادة توسيع برامج استقبال اللاجئين، وتغيير النهج الإداري.

ترامب ينتهك دستور الولايات المتحدة

وفي تقييمها لمدى توافق سياسات ترامب مع الدستور الأمريكي، تقول الباحثة إنه تجاوز الحدود الدستورية بصورة أوضح من خلال محاولته تقييد حق المواطنة بالولادة بأمر تنفيذي، كما دفع مرارا حدود السلطة التنفيذية إلى أقصى مداها في ملفات أخرى.

وتضيف أن استمرار بعض هذه السياسات قد يؤدي لتآكل مبادئ الحكومة الدستورية، وفي مقدمتها ضمان الإجراءات الفردية، والمراجعة القضائية، والقيود المفروضة على سلطات الطوارئ التنفيذية، واحترام مفهوم المواطنة، وافتراض أن جميع الأشخاص، حتى غير المحبوبين منهم، يظلون متساوين أمام القانون.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان