"سيامة الأساقفة".. أزمة تمرد تشعل الفاتيكان والبابا ليو يهدد بـ"الحرمان"
كتب : محمود الطوخي
البابا ليو، بابا الفاتيكان
في أول تحدٍ لسلطته البابوية، يواجه بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر أزمة تمرد كاثوليكي تهدد بـ"تمزيق ثوب المسيح"، وفق تعبيره.
وقد وجه بابا الفاتيكان، نداء أخيرا إلى جماعة من الكاثوليك التقليديين المتمردين الذين يخططون لإجراء سيامة أساقفة دون موافقته، مؤكدا أنهم سيرتكبون خطيئة بالغة الخطورة إذا مضوا قدما في خطوتهم.
وترفض جمعية "القديس بيوس العاشر"، الإصلاحات التي أدخلتها الكنيسة الكاثوليكية في العقود الأخيرة، بما في ذلك السماح بإقامة القداس بلغات أخرى غير اللاتينية.
ومن المتوقع أن تقوم الجماعة بسيامة 4 أساقفة اليوم الأربعاء، في معهدها اللاهوتي في بلدة إيكون بسويسرا.
مخاطر سيامة أساقفة دون موافقة البابا
وأوضح البابا للجماعة أن سيامة هؤلاء الأساقفة ستعد عملا انشقاقيا، مشيرا إلى أنه في حال إتمامها، سيواجه الأساقفة الجدد عقوبة الحرمان الكنسي، أو الاستبعاد الرسمي من أسرار الكنيسة.
وفي رسالة وجهها في اللحظات الأخيرة إلى الجمعية: كتب البابا: "أناشدكم وأطلب منكم من كل قلبي: أرجوكم أن تتراجعوا! إنني أصلي من أجلكم، لأن تمزيق ثوب المسيح غير المخيط خطيئة جسيمة للغاية. لعل الرب ينير ضمائركم ويوقظ قلوبهم".
وفقا للتعاليم الكاثوليكية، تشكل الرابطة بين الأساقفة والبابا حجر الزاوية لوحدة الكنيسة.
ومنذ انتخابه، جعل البابا ليو تعزيز وحدة الكنيسة محور اهتمامه؛ لذا فإن قرار الجمعية بالمضي قدما في تعيين أساقفة دون موافقة الحبر الأعظم سيعد انتهاكا صارخا للقانون الكنسي.
وتتمتع جماعة القديس بيوس العاشر بحضور فاعل في أمريكا، إذ يقع مقرها الرئيسي في ولاية ميسوري، ولديها معهد لتدريب الكهنة في ديلوين بولاية فرجينيا.
ومن بين الأساقفة المقرر سيامتهم اليوم الأربعاء الأب مايكل جولدادي، الذي يتولى إدارة ذلك المعهد.
تاريخ جمعية لوفيفر مع سيامة أساقفة دون موافقة
تأسست الجماعة عام 1970 في سويسرا على يد رئيس الأساقفة الفرنسي مارسيل لوفيفر، لكن بعد 5 سنوات جرى حلها رسميا بقرار من أسقف فريبورج.
وفي عام 1988، قامت الجماعة بسيامة 4 أساقفة دون موافقة بابوية، ما أدى إلى حرمانهم كنسيا في ذلك الوقت.
ويكمن جوهر هذا الانشقاق عن الكنيسة الأم في معارضة مارسيل لوفيفر وأتباعه للإصلاحات الكنسية التي أقرها المجمع الفاتيكاني الثاني في ستينيات القرن الماضي.
ولا يقبل "اللوفيفرية" ما أقره المجمع بشأن الحرية الدينية، والمسكونية "العلاقة مع الطوائف والأديان الأخرى"، وإصلاحات العبادة الكاثوليكية، والتي كان من أبرزها إدانة كافة أشكال معاداة السامية.
ويصر أتباع لوفيفر على ضرورة سيامة الأساقفة دون إذن مسبق، بدعوى أن الكنيسة الكاثوليكية تعيش حالة طوارئ بسبب ما يرونه تغلغلا للأفكار الليبرالية والحداثية.
وتعتقد الجماعة أن أولويتها القصوى يجب أن تكون لخلاص النفوس، وقد أصدرت مؤخرا بيان إيمان كاثوليكي من 28 صفحة بهدف إنارة النفوس في مواجهة ضلالات العصر الحديث، وفقا لما ذكرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
أبعاد الانشقاق وتأثير سيامة أساقفة دون موافقة
يأخذ البابا التهديد الذي يمس وحدة الكنيسة على محمل الجد، رغم أن عدد أعضاء جماعة "القديس بيوس العاشر" يبلغ نحو 700 كاهن و600 ألف تابع حول العالم، وهو عدد ضئيل نسبيا مقارنة بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي تضم 1.4 مليار مؤمن وحوالي 400 ألف كاهن.
قال الكاردينال بليز كوبيتش، رئيس أساقفة شيكاغو والحليف المقرب للبابا ليو، لـ"سي إن إن": "إن الخطر يكمن في تأسيس هيكل مواز داخل الجسد الكنسي".
وذكر كوبيتش، أن البابا وجه دعوات عديدة للجمعية لإعادة النظر في خططها، مشيرا إلى: "إنهم جماعة صغيرة، لكنهم يسيئون استخدام طقوس الكنيسة فيما يتعلق بسيامة الأساقفة. البابا حازم للغاية بشأن هذه المسألة، ولهذا السبب تدخل عدة مرات".
شهدت عقود ماضية محاولات من عدة بابوات لتحقيق المصالحة؛ ففي عام 2009، رفع البابا بندكت السادس عشر عقوبة الحرمان الكنسي عن الأساقفة الأربعة الذين رسموا عام 1988. غير أن أحدهم، وهو ريتشارد ويليامسون، تبين لاحقا أنه أنكر غرف الغاز النازية في المحرقة (الهولوكوست)، وجرت ملاحقته وإدانته أمام محكمة ألمانية، ليطرد لاحقا من الجماعة.
موقف الفاتيكان من سيامة أساقفة دون موافقة الكنيسة
تبدو استعدادات الجماعة لسيامة الأساقفة في مراحل متقدمة للغاية رغم مناشدات البابا؛ إذ أطلقت موقعا إلكترونيا يستعرض فعاليات ممتدة لأربعة أيام تصاحب الطقوس، تشمل عرض صندوق تذكاري بقيمة 75 فرنك سويسري يحتوي على أربع زجاجات من النبيذ.
وأكد البابا في تصريحات للصحفيين في 16 يونيو الماضي أنه منفتح على الحوار، لكنه يدرك أيضا القيود المحيطة بالسيامات الوشيكة، قائلا: "إذا اتخذوا هذا الخيار، فإنني آسف، ولكن يتعين علينا المضي قدما".