إعلان

احتجاجات عواصم القارة العجوز.. هل هي بداية لـ"ربيع أوروبي" موحد؟

كتب : محمود الطوخي

02:06 ص 09/10/2026

احتجاجات طلابية في فرنسا

تابعنا على

لا تعبر التظاهرات المتزامنة عبر القارة الأوروبية عن ثورة موحدة ذات قيادة مركزية، بل ترسم ملامح موجات تعبئة متفرقة تلتقي عند الإحساس بضيق شروط المعيشة والاستقلال والإنصاف؛ حيث يضع هذا الحراك الحكومات أمام اختبار جوهري لقياس قدرة مؤسساتها على تحويل الوعود الدستورية إلى أمان ملموس وإنصات سياسي.

وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية، توزعت التحركات الشعبية والطلابية المتصاعدة بين فصول المدارس في باريس، وأروقة العقارات في مدريد، وساحات التجنيد في برلين، ومنصات المساءلة القضائية في شرق القارة، كاشفة عن حراك تتباين أسبابه الميدانية وأدواته وخصومه بحسب البيئة المحلية لكل دولة.

وتؤكد دراسة أكاديمية تناولت تحولات الحراك المدني الأوروبي، أن السنوات الأخيرة لم تسجل تصاعدا خطيا متواصلا، بل شهدت اندفاعات ظرفية مرتبطة بالأزمات وتنوعا واسعا في الفاعلين والمطالب، محذرة من إطلاق أحكام مسبقة تفترض أن كافة التحركات تقدمية بطبيعتها أو منتظمة عبر القنوات الحزبية والسياسية التقليدية، وهو ما يؤطر الفهم الموضوعي لخريطة التعبئة دون خلط بين سياقاتها الوطنية.

ضغوط المعيشة وخلفيات الاحتجاجات في العواصم الأوروبية

تظهر المؤشرات الاجتماعية المتقاطعة جذور هذا التزامن الميداني؛ ففي مسح حديث أجرته المفوضية الأوروبية عبر استطلاع "يوروباروميتر"، أكد 41% من الشباب أن تكلفة المعيشة تمثل الهاجس الأكبر لمستقبلهم، تليها أزمة توفير السكن بنسبة 23%، وفرص العمل والأمان الوظيفي بنسبة 23%.

وفي الوقت نفسه، عبّر قرابة 65% عن رضاهم عن طريقة عمل الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي، ما ينفي فرضية الانقلاب على النظام الديمقراطي، ويؤكد رغبة الفئات الشابة في وجود مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للمتطلبات الحياتية.

وتعزز بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" هذا الضغط الاقتصادي المتصاعد؛ إذ سجلت أسعار المنازل في دول الاتحاد ارتفاعا إجماليا بنحو 53%، بينما قفزت الإيجارات بنسبة 25% خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2024، وهي متوسطات إحصائية تفسر اتساع رقعة الاحتقان السكني وتضعه ضمن سياق قاري شامل دون إلغاء الخصوصية المحلية لكل دولة.

حراك المدارس وأبعاد الاحتجاجات في العواصم الأوروبية

انطلقت التعبئة في فرنسا من ثانويات الضواحي الباريسية المحرومة احتجاجا على غياب المعلمين البدلاء، واكتظاظ الصفوف، وتدهور الفصول المدرسية، وغموض معايير القبول الجامعي عبر نظام "باركورساب"، لتمتد لاحقا إلى مدن كبرى بمشاركة الكوادر التعليمية، والطلاب، وأولياء الأمور، والنقابات؛ حيث رفع المحتجون شعار رفض ربط جودة التعليم بالعنوان السكني، وفقا لوكالة "رويترز".

وتعكس الأرقام تباينا تفرضه الجهات الراصدة وتواريخ التظاهر؛ إذ وثقت وزارة الداخلية مشاركة 71500 شخص في تحركات 8 أكتوبر، من بينهم 24500 في باريس، في حين نقلت منصة "بوليتيكو" عن إحصاءات 6 أكتوبر تقدير الشرطة بنحو 256 ألف مشارك مقابل 450 ألفا بحسب المنظمين.

ولا ينحصر الغضب الفرنسي في بند الميزانية وحده؛ فرغم إشارة "رويترز" إلى زيادة مخصصات التعليم بنسبة 1.7% دون مستوى التضخم، أوضحت "بي بي سي" استنادا إلى بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن إنفاق فرنسا لكل طالب في المرحلة الثانوية العليا يفوق متوسط الاتحاد الأوروبي، وأن عجز المدرسين يماثل المعدلات الإقليمية مع تدنٍ نسبي في أجورهم، ما يرجح أن جوهر النزاع يتمحور حول عدالة توزيع الموارد وتأهيل البيئة المدرسية وسد الشواغر الفعلية.

سياسيا، يمتد الاختبار إلى السلوك الأمني إثر تسجيل اشتباكات وأعمال تخريب في بعض المواقع مقابل تظاهرات سلمية أخرى، بالتزامن مع كشف استطلاع معهد "إيلاب" لاستطلاعات الرأي في فرنسا عن مفارقة لافتة؛ إذ يرى 72% مشروعية مطالب الطلاب، في حين طالب 55% بوقف التظاهرات، ما يعكس تمايزا بين تأييد المطالب ورفض أساليب التعطيل الميداني.

أزمة السكن ورمزية الاحتجاجات في العواصم الأوروبية

وفي إسبانيا، تحول ملف العقارات إلى فتيل للاشتعال الجماهيري عقب قضية إخلاء المسنة ماريكارمن أباسكال البالغة 87 عاما من منزلها، لتصبح رمزا لمعاناة المستأجرين؛ حيث شهدت مدريد في 3 أكتوبر حشدا قدرت "نقابة المستأجرين" حضوره بنصف مليون متظاهر، مقابل تقدير حكومي بلغ 70 ألفا.

ومنح الواقع الاجتماعي العام زخما واسعا للمطالب؛ إذ كشف استطلاع لـ"مركز البحوث الاجتماعية الإسباني" عن تأييد 76.3% للتدخل الحكومي لضبط سوق الإيجارات، وتأكيد 79% ضرورة أولوية الحق في المأوى على التعامل التجاري مع العقار كسلعة، وفقا لـ"رويترز".

وعقب تعثر تمرير القوانين الإسكانية العاجلة، دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات برلمانية مبكرة في 29 نوفمبر، في وقت وجه فيه المتظاهرون انتقادات متساوية للحكومة والمعارضة لمنع استغلال قضيتهم حزبيا.

ورأى "المركز الأوروبي للسياسات"، أن الأزمة قد تؤسس لفرز سياسي وشقاق بين المستأجرين وملاك العقارات المؤجرة إذا استمر التنظيم الشعبي، متقاطعة مع رصد "بوليتيكو" لتحركات إسكانية مماثلة في مدن أوروبية متعددة دون وجود قيادة مركزية عابرة للحدود.

قضايا التجنيد والمساءلة ضمن الاحتجاجات في العواصم الأوروبية

تتنوع المسارات المطلبية في باقي العواصم بحسب القضايا الضاغطة؛ ففي العاصمة الأيرلندية دبلن، تظاهر أكثر من 1500 طالب، ووصل العدد إلى 3000 طالب باحتساب الإضرابات الجزئية وفق اتحاد الطلاب، رفضا للرسوم وكلفة السكن والمعيشة.

وشهدت بروكسل انخراط الطلاب مع المدرسين ضد خفض موازنات التعليم، في حين استهدفت الإضرابات المدرسية في ألمانيا نقاشات إعادة فرض التجنيد الإلزامي، رغم أن التشريع الساري يرتكز على الخدمة التطوعية ولا يعيد التجنيد الإجباري إلا بقرار سياسي مشروط بعجز أعداد المتطوعين، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

وعلى مستوى القرارات القارية المشتركة، وثقت منظمة "أكليد" تنظيم المزارعين أكثر من 550 فعالية احتجاجية في 12 دولة خلال يناير الماضي؛ رفضا لاتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول "ميركوسور"، مسجلة أوسع تحرك منسق ضد سياسة تجارية أوروبية موحدة.

أمّا في ملفات الشفافية ومكافحة الفساد، فقد شهدت بوخارست تظاهر 10 آلاف شخص وتوقيع مئات القضاة والادعاء رسالة تندد بالاختلالات البنيوية في القضاء الروماني، وأعقبت الاحتجاجات في صوفيا سحب مشروع الموازنة واستقالة الحكومة البلغارية، بينما خرج عشرات الآلاف في أثينا بذكرى كارثة قطار "تيمبي" للمطالبة بمحاسبة المسؤولين، بحسب مراسلي "رويترز".

وفي صربيا، تحول الحراك الطلابي الذي أعقب انهيار سقف محطة "نوفي ساد" ومقتل 16 شخصا من المطالبة بالتحقيق إلى تأسيس قائمة انتخابية رسمية لخوض انتخابات 25 أكتوبر، في مسعى للانتقال من ضغط الشارع إلى العمل النيابي، وفق شبكة "بلقان إنسايت".

اختبار المؤسسات ومستقبل الاحتجاجات في العواصم الأوروبية

لا يوحد هذه التحركات برنامج أيديولوجي متطابق، بل تخضع جميعها لامتحان كفاءة المؤسسات العامة في الإيفاء بواجباتها الأساسية: ضمان جودة التعليم للطلاب، وحماية حق المستأجرين في البقاء بمدنهم، ومساءلة القيادات عن القرارات الدفاعية وشبهات الفساد.

وتؤكد المراجعة الشاملة، أن توسع المشاركة بين الطلاب والنقابات يعزز الضغط الميداني، لكنه لا يضمن وحده استمرار التنظيم أو تحقيق المطالب ما لم يتحول إلى إصلاحات تنظيمية وتشريعية ملموسة، محذرة من انزلاق التعاطي الرسمي نحو الاستقطاب الأمني أو الحزبي الذي يعالج مظاهر الغضب الظرفية ويهمل معالجة مسبباته الهيكلية العميقة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك