إعلان

بعد 20 عامًا من الغياب.. هل تعود الانتخابات الفلسطينية أم تتأجل مجددًا؟

كتب : مصطفى الشاعر

12:57 م 08/10/2026

تابعنا على

بعد عقدين من غياب صناديق الاقتراع، تقف الساحة الفلسطينية أمام تساؤلات "حاسمة ومصيرية": هل تعود الانتخابات التشريعية في موعدها المُحدد أم تقع مجددا في فخ التأجيل؟ ففي وقت تستعد فيه لجنة الانتخابات المركزية لإجراء الاقتراع في 28 نوفمبر المقبل، تُحاصر هذا الاستحقاق تحديات سياسية وميدانية "مُتشابكة" وتتزايد الشكوك حول إمكانية الالتزام بالموعد؛ لاسيما مع تراجع أولوية الملف السياسي لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين أمام تداعيات الحرب والدمار الكارثي والأوضاع الإنسانية القاسية.. فهل تنجح الديمقراطية المؤجلة في العبور خلف ركام الأزمات؟

وفي قطاع غزة، تبدو الاحتياجات اليومية للسكان "أكثر إلحاحا" من الاستعدادات السياسية للانتخابات، في ظل الدمار الواسع والنزوح وتدهور الظروف المعيشية، بعد الحرب التي اندلعت في أعقاب هجوم 7 أكتوبر، الذي نفذته حركة "حماس".

وفي سياق متصل، يقول محمد البلبيسي، أحد سكان حي الشاطئ في غزة لقناة "الحرة"، إن الحديث عن الانتخابات يبدو "بعيدا عن الواقع الذي يعيشه السكان"، معتبرا أنها "لن تحدث"، ومشيرا إلى أن أولويته الحالية تتمثل في توفير احتياجاته الأساسية وإصلاح سقف خيمته، كما أعرب عن "عدم ثقته" في الفصائل الفلسطينية جميعها.

انتخابات تشريعية دون رئاسية

تقتصر الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر على "اختيار أعضاء المجلس التشريعي" البالغ عددهم 132 عضوا، بينما حُددت الانتخابات الرئاسية للربع الأول من عام 2027.

وبدأت لجنة الانتخابات المركزية في 26 سبتمبر الماضي استقبال طلبات الترشح في "الضفة الغربية وقطاع غزة"، على أن تستمر فترة تقديم الطلبات حتى 13 أكتوبر.

وأعلنت اللجنة، أن الترشح لعضوية المجلس التشريعي "سيكون من خلال القوائم الانتخابية فقط"، مع عدم السماح بالترشح الفردي، على أن تضم كل قائمة ما لا يقل عن 16 مرشحا وبحد أقصى 132 مرشحا.

ورغم الاستعدادات الرسمية، "لا يرى كثير من سكان غزة أن الانتخابات قادرة بمفردها على تغيير واقعهم"، إذ يتساءل منذر بكر، أحد سكان حي الرمال بمدينة غزة، عن قدرة المرشحين على معالجة الأوضاع المتدهورة، قائلا: "هل يمتلك المرشحون عصا سحرية لتغيير ظروفنا؟".

وأضاف بكر، وفق "الحرة"، أن السكان وصلوا إلى مرحلة "شديدة الصعوبة" بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الظروف المعيشية.

ويبلغ عدد الفلسطينيين الذين يحق لهم التصويت نحو 2.97 مليون ناخب، بينهم نحو 1.59 مليون في الضفة الغربية، و1.24 مليون في قطاع غزة، إضافة إلى قرابة 140 ألفا من "حملة الهوية المقدسية" في القدس، بحسب بيانات لجنة الانتخابات المركزية.

وتشمل الشكوك كذلك إمكانية "المشاركة الشعبية"، إذ يستبعد أحمد النفار، من سكان مدينة غزة، وفق "الحرة"، وجود إقبال واسع على الانتخابات حال إجرائها، مطالبا التنظيمات السياسية بالابتعاد عن سكان القطاع في ظل انشغالهم بتأمين احتياجاتهم الأساسية.

استحقاق غائب منذ 2006

إذا أُجريت الانتخابات في موعدها، فستكون الأولى منذ عام 2006، عندما فازت حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية، قبل أن يتصاعد الخلاف بينها وبين حركة "فتح" بعد رفض الأخيرة المشاركة في حكومة تقودها حماس.

وتحوّل الخلاف السياسي بين الحركتين إلى "مواجهات مسلحة"، انتهت في يونيو 2007 بـ"سيطرة حماس على قطاع غزة"، بينما واصلت السلطة الفلسطينية بقيادة "فتح" إدارة الضفة الغربية، ما رسّخ الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني.

ومنذ ذلك الحين، أدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس السلطة الفلسطينية عبر "مراسيم رئاسية تحل محل القوانين"، في ظل تعطّل عمل المجلس التشريعي بسبب "الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة"، قبل أن يُحل المجلس رسميا عام 2018.

وفي رام الله، لا يتوقع محمود عبد الجواد، بحسب "الحرة"، إجراء الانتخابات في موعدها، معتبرا أن المعطيات الحالية تجعل تأجيلها "احتمالا قائما"، ومشيرا إلى أن الجهات الرسمية تنتظر صيغة لإعلان هذا التأجيل.

تحضيرات انتخابية وسط الدمار

رغم العقبات، تُواصل لجنة الانتخابات المركزية تنفيذ استعداداتها وفق "الجدول الزمني المُعلن"، إلا أن مُهمتها في قطاع غزة تواجه "تحديات كبيرة" نتيجة الدمار الذي طال البنية التحتية والمنشآت، فضلا عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتحويل مدارس ومنشآت أخرى إلى مراكز للإيواء.

وقال مدير فرع لجنة الانتخابات المركزية في غزة، جميل الخالدي، إن اللجنة تعمل على تكييف مراكز الاقتراع مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".

وأوضح الخالدي، في تصريحات لـ"الحرة"، أن اللجنة تعمل أيضا عبر قنوات دولية على إدخال المستلزمات الانتخابية اللازمة إلى القطاع، بالتوازي مع إعداد بدائل محلية، من بينها "تصنيع أوراق وصناديق الاقتراع داخل غزة".

وبحسب الموقع الرسمي للجنة الانتخابات المركزية، يبلغ عدد مراكز الاقتراع المدرجة حاليا 1032 مركزا، بينها 274 مركزا في قطاع غزة و758 مركزا في الضفة الغربية.

إسرائيل تُعرقل استعدادات اللجنة

تواجه الاستعدادات الانتخابية "عائقا ميدانيا" آخر، بعدما أعلنت السلطة الفلسطينية، وفق وكالة الأنباء الرسمية "وفا"، أن إسرائيل رفضت السماح لطواقم لجنة الانتخابات المركزية بدخول قطاع غزة والقدس لمتابعة التحضيرات الخاصة بالاستحقاق.

ورغم القرار الإسرائيلي، أكد المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، أن اللجنة تُواصل العمل بـ"التوازي" في الضفة الغربية وغزة والقدس.

وأوضح طعم الله، لـ"الحرة"، أن اللجنة مُستمرة في تنفيذ الإجراءات الانتخابية وفق المرسوم الرئاسي الذي حدد 28 نوفمبر موعدا للاقتراع، ما لم يُصدر مرسوم جديد يقضي بـ"تغيير الموعد".

وفي القدس الشرقية ومحيطها، قالت مديرة دائرة القدس الانتخابية سمر يغمور، إن "اللجنة أنجزت استعداداتها في عدد من المناطق المحيطة بالمدينة، وتُركّز جهودها في 29 هيئة محلية ومخيم قلنديا، حيث يوجد 54 مركز اقتراع".

وأوضحت يغمور، لـ "الحرة"، أن إجراء الانتخابات داخل القدس الشرقية يتطلب "تنسيقا مع الجانب الإسرائيلي"، وفق الترتيبات الخاصة بالانتخابات الواردة في الملحق الثاني من اتفاق أوسلو الثانية.

ويُنظم الملحق، المعروف باسم "البروتوكول الخاص بالانتخابات"، إجراءات الانتخابات الفلسطينية ودور لجنة الانتخابات، إلى جانب الترتيبات المتعلقة بمشاركة الفلسطينيين في القدس.

خلافات سياسية حول شكل الانتخابات

لا تقتصر العقبات التي تواجه الانتخابات على الوضع الميداني والموقف الإسرائيلي، إذ لا يزال الموقف السياسي الفلسطيني نفسه يشهد "تباينا" بشأن موعد الاقتراع وآليات إجرائه.

ويؤكد المتحدث باسم حركة فتح جمال نزال، أن إجراء الانتخابات أمر "لا بديل عنه"، مشيرا إلى أن الحركة تستعد لخوضها من خلال قائمة واحدة، وأن الحوار الداخلي في المحافظات يُمكن أن يقود إلى "تفاهمات بشأن القضايا المتعلقة بالاستحقاق".

وفي المقابل، كان أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، قد استبعد في وقت سابق "إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها"، داعيا إلى حوار وطني للتوافق على آليات تنظيمها.

وبالتزامن مع ذلك، تشهد حركة "فتح" تحركات لتشكيل القوائم الانتخابية، مع إجراء اتصالات مع شخصيات وقيادات من خارج الأطر الرسمية للحركة، من بينها شخصيات مرتبطة بالقيادي في فتح "مروان البرغوثي"، المُعتقل في سجون الاحتلال منذ عام 2002.

كما تُجري اتصالات بين تيارات فلسطينية مختلفة، بينها التيار "الإصلاحي الديمقراطي" بزعامة محمد دحلان وحركة حماس، لبحث إمكانية خوض الانتخابات ضمن "صيغ مشتركة"، إلى جانب شخصيات مستقلة.

حماس تتمسك بقائمة توافقية

من جانبها، ترفض حركة حماس تأجيل الانتخابات، وتتمسك بالمشاركة فيها من خلال "قائمة وطنية توافقية" تضم مختلف الفصائل والشخصيات المستقلة.

وتقول الحركة، بحسب "الحرة"، إنها "لا تسعى إلى الانفراد بالحكم"، وإنما إلى "المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني"، كما ترفض ربط قبول القوائم الانتخابية بالتزامها المُسبق بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وفي محاولة لتقديم بديل عن "الاصطفاف التقليدي" بين "فتح وحماس"، قال الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، إن "العمل يجري لتشكيل قائمة تحالف وطني ديمقراطي تضم أكبر عدد ممكن من القوى والشخصيات الفلسطينية".

وقال البرغوثي، لـ "الحرة"، إن "هذا التحالف يُمكن أن يُوفر خيارا ثالثا خارج ثنائية فتح وحماس"، مؤكدا أن إجراء الانتخابات يُمثّل "ضرورة لإعادة بناء النظام السياسي"، ورافضا استبدال الانتخابات بالتعيين أو فرض شروط مُسبقة على القوائم، معتبرا أن ذلك "يمس الحريات السياسية".

هل تعود الانتخابات أم تتأجل؟

حتى الآن، تتمسك السلطة الفلسطينية ولجنة الانتخابات المركزية بموعد 28 نوفمبر لإجراء الانتخابات التشريعية، وتُواصلان الاستعدادات وفق الجدول المُعلن، إلا أن إمكانية الالتزام بالموعد "لا تزال غير محسومة"، في ظل الدمار الواسع الذي خلفته الحرب في غزة، والعقبات المرتبطة بإجراء الانتخابات في القدس، إلى جانب استمرار الخلافات السياسية وتزايد الشكوك داخل الشارع الفلسطيني بشأن إمكانية إجراء الاقتراع.

وتُعزز استطلاعات الرأي هذه الشكوك، إذ أظهر استطلاع لمركز القدس للإعلام والاتصال، أن 35.5% من الفلسطينيين يتوقعون "تأجيل الانتخابات"، بينما رأى 22.4% أنها "قد تُلغى"، فيما أظهر استطلاع آخر أن 51% لا يتوقعون إجراءها في موعدها، ما يعكس اتساع حالة "عدم اليقين" مع اقتراب موعد 28 نوفمبر.

هل يتأجل موعد 28 نوفمبر؟

مع تمسك السلطة الفلسطينية ولجنة الانتخابات المركزية حتى الآن بموعد 28 نوفمبر، تتزايد التساؤلات بشأن "قدرة المؤسسات الفلسطينية على إجراء الاقتراع في الموعد المُحدد"، بالتزامن مع حوار وتحركات فلسطينية في القاهرة لمناقشة الانتخابات وترتيبات المرحلة المقبلة.

وتلقى الانتخابات "دعما أوروبيا"، إذ أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، استعداد الاتحاد لإرسال بعثة لمراقبة الاقتراع، خلال اتصال مع نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ.

وأكدت كالاس، في الاتصال، أهمية إجراء انتخابات فلسطينية "ذات مصداقية وشاملة وشفافة"، معتبرة أن تنظيمها بعد نحو 20 عاما من آخر انتخابات يُمثّل "فرصة طال انتظارها" لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.

وتعكس استطلاعات الرأي الأخيرة حجم الشكوك الشعبية بشأن "إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها"، إذ أظهر استطلاع أجراه "مركز القدس للإعلام والاتصال" في أغسطس، أن 35.5% من المشاركين يتوقعون "تأجيل الانتخابات"، بينما توقّع 22.4% "إلغاءها"، ما يعني أن "57.9% لا يتوقعون إجراءها في موعدها".

وفي استطلاع آخر أجراه مركز "أوراد" في سبتمبر، قال 51% من المشاركين إنهم "لا يتوقعون تنظيم الانتخابات في الموعد المُحدد"، بما يعكس اتساع حالة "عدم اليقين" المُحيطة بأول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عام 2006.

تأجيل 2021.. الأزمة المستمرة

تأتي هذه الشكوك الحالية امتدادا لـ"إرث طويل من التعطيل"؛ إذ كان من المفترض أن يشهد الشارع الفلسطيني قطار الانتخابات في مايو 2021، إلا أن قرارا رئاسيا قضى بـ"تأجيلها إلى أجل غير مُسمى".

وجاء السبب الرسمي المُعلن آنذاك نتيجة "رفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي السماح بإجراء العملية الانتخابية داخل مدينة القدس الشرقية ومنع مشاركة المقدسيين"، وسط قراءات لمحللين سياسيين أشارت أيضا إلى "وجود مخاوف داخلية من تشتت الأصوات وتعميق الانقسام السياسي والجغرافي القائم منذ عقدين".

ومع اقتراب 28 نوفمبر، تبدو الانتخابات الفلسطينية عالقة بين "استعدادات رسمية مُستمرة وشكوك مُتزايدة في الشارع"، بينما تفرض تداعيات الحرب والانقسام السياسي أسئلة أكبر من مجرد موعد الاقتراع، أبرزها "ما إذا كانت هذه الانتخابات قادرة بالفعل على إعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني بعد عقدين من الغياب".

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك