أُغلقت صناديق الانتخابات الإسرائيلية في العاشرة من مساء الثلاثاء 27 أكتوبر، فخرجت استطلاعات الرأي لتقول إن معسكر جادي آيزنكوت في المقدمة بما يقرب 53 مقعدًا مقابل 50 لمعسكر بنيامين نتنياهو، ووقف الأول يعلن أن "الجمهور صوّت للتغيير". وبعد تسع ساعات، وعند فرز 76.8% من الأصوات صباح الأربعاء، انقلبت الصورة - حتى وقت نشر هذا التقرير: معسكر نتنياهو 54 مقعدًا، ومعسكر آيزنكوت 49، والأحزاب العربية 17، في أعلى تمثيل لها على الإطلاق. ومع ذلك فإن الرقم الوحيد الذي صمد في ليلة كاملة هو الأهم، إذ لم يبلغ أي من المعسكرين عتبة الـ 61 مقعدًا اللازمة للحكم، وبقي السؤال الحاكم هنا: من سيدفع الفاتورة؟
نتنياهو وآيزنكوت.. القنبلة نفسها
لكي نُجيب بأمانة عن سؤال: من سيدفع الفاتورة؟ يلزم البدء بما لن يتغير، أي بالقنبلة ذاتها. فكلا الرجلين يرفض الدولة الفلسطينية رفضًا قاطعًا؛ فيقول نتنياهو: "سنفي بوعدنا بألا تكون هناك دولة فلسطينية، هذا المكان لنا"، ويقول آيزنكوت إن مبدأ "دولتين لشعبين" خطأ وإن الدولة الفلسطينية "وهم".
كلاهما أيضًا تعهّد بإنهاء حكم حماس، غير أن آيزنكوت حدّد سقفًا بـ18 شهرًا وربطه نتنياهو بنهاية ولاية ترامب. وكلاهما أيّد الحرب على إيران والضربات على منشآتها النووية، والفارق أن نتنياهو يقبل مخاطرة أعلى ويحدّد "نقطة اللاعودة" في وقت أبكر.
وكلاهما كذلك يصرّ على إبقاء منطقة أمنية في جنوب لبنان، حتى إن آيزنكوت يرسم خطًا عند ثمانية كيلومترات لمنع الصواريخ المضادة للدروع.
ومن هنا تأتي الخلاصة الأولى: لا يوجد في هذه الانتخابات خيار بين حرب وسلام، بل خيار بين فاتورتين لحرب واحدة.
الحريديم يفرقان بينهما
بما أن القنبلة مشتركة، فإن أول ما يختلف هو من يحملها. نتنياهو يحتاج الحزبين الحريديين، شاس بزعامة أرييه درعي ويهدوت هتوراه بزعامة يعقوب آشر، ومعهما 14 مقعدًا، وكلاهما يشترط قانونًا يحمي طلاب المعاهد الدينية (المتشددين) من الخدمة، والذين أحصتهم المدعية العامة جالي بهاراف ميارا، الخميس، بـ 67,230 رجلًا حريديًا مُصنَّفون كمتخلفين عن الخدمة، في وقت تجنّد فيه 4298 حريديًا فقط خلال عام، مقابل نقص يبلغ نحو 12 ألف جندي في الجيش.
أما آيزنكوت، الذي قُتل ابنه جال في غزة أواخر 2023، فجعل التجنيد محور حملته قائلًا: "انتهى عهد التهرب من الخدمة العسكرية والكذب والتفريق"، وتعهد بقانون خدمة عسكرية أو وطنية يشمل كل المواطنين بمن فيهم العرب، مع إلزام 97% من كل دفعة حريدية وحصر الإعفاء في 3% من النوابغ.
من يُحاسب على أحداث 7 أكتوبر؟
يمتد الفارق إلى من يُحاسَب على أحداث 7 أكتوبر 2023؛ فآيزنكوت يُقسم على تشكيل لجنة تحقيق رسمية بصلاحيات استجواب كاملة خلال 14 يومًا من دخوله المنصب، تشمل القرارات السابقة للهجوم، بينما يرفض نتنياهو الصيغة القضائية ويطلب لجنة "بأوسع توافق شعبي ممكن" أي بأعضاء يختارهم السياسيون، وهي لجنة لم تتشكل رغم مرور ثلاث سنوات على الهجوم.
كذلك يتعهد آيزنكوت بإلغاء قوانين تُعيد تشكيل لجنة تعيين القضاة وتُجرّد المدعية العامة من صلاحيات جوهرية، من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ بعد الانتخابات. بينما يعد باستعادة قوة المحكمة العليا. وهو هنا يخالف نتنياهو الذي يرى هذه القوانين والإجراءات إصلاحًا ضروريًا، ويقول إن الديمقراطية "نحن الشعب لا نحن القضاة".
ما الذي ينتظر الضفة وغزة؟
في الضفة الغربية الفارق "ليل ونهار" كما تصفه جيروزاليم بوست. آيزنكوت يتعهد بإعادة الاعتقال الإداري بحق المتطرفين اليهود الذي علّقه وزير الدفاع إسرائيل يسرائيل كاتس في يناير 2025، وإقالة رئيس الشاباك ديفيد زيني، وتفكيك معظم أو كل المزارع الاستيطانية التي تجاوزت المئة وأقيمت بصلاحيات وزير المالية بتسئيل سموتريش داخل وزارة الدفاع، وتجميد البناء الجديد ومنع التوسعة. لكنه مع الاستيطان من حيث المبدأ، ومنفتح على حكم ذاتي محدود في الـ40% التي تديرها السلطة الفلسطينية، ولن يُخلي أكثر من 100 مستوطنة رخّصتها حكومة نتنياهو منها 44 كانت بؤرًا.
وفي المقابل تفاخر نتنياهو في أغسطس بـ "104 مجتمعات أقمناها ورخّصناها معًا، و160 مزرعة، والمزيد قادم". وقد أُغلقت قبل الاقتراع بثمانية أيام مناقصة 1234 وحدة في منطقة التوسع E1، ومنح أكثر من 250 معسكرًا رعويًا المستوطنين سيطرة فعلية على نحو خمس الضفة، ودُفعت 127 جماعة رعاة فلسطينية إلى ترك أرضها منذ 2023، بينما اقتصر أمر الإخلاء الذي أصدره نتنياهو نفسه في سبتمبر تحت ضغط واشنطن على 15 إلى 20 بؤرة في المنطقتين A وB.
أما غزة فالهدف واحد والطريقة متعارضة. كلاهما يعد بإنهاء حكم حماس وكلاهما يرفض الدولة الفلسطينية، والفارق في أن خطة يوليو التي وافقت فيها حماس على تسليم السلاح مقابل انسحاب تدريجي يرفضها نتنياهو مشترطًا نزع السلاح قبل أي انسحاب ومستعدًا لإبقاء غزة في ركامها بلا إعمار إلى أجل غير مسمى، بينما يقبل آيزنكوت إعمارًا جزئيًا مقابل نزع سلاح جزئي وتمكين تكنوقراط مرتبطين بالسلطة وقوة دولية.
والخطة معطّلة على الطرفين: توسعت السيطرة من 53% إلى نحو ثلثي القطاع، وقوة الاستقرار الدولية لها قائد وست دول متعهدة بأفراد لكنها لم تُشكَّل، واللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تدخل القطاع، والقاعدة المخصصة لـ150 جنديًا دوليًا لم يُسمح ببنائها لأن "إسرائيل لن تفتح الحدود"، ومجلس السلام يعتقد أن الإفراج عنها مؤجل إلى ما بعد الانتخابات.
فاتورة المال التي تنتظر الفائز
على الصعيد المالي، يواجه الفائز القادم فاتورة ضخمة عليه أن يتحملها. إذ يُقد بنك إسرائيل كُلفة الحرب بين 2023 و2026 بنحو 350 مليار شيكل، أي قرابة 114 مليار دولار، مُوِّل نحو نصفها بالاقتراض.
وارتفع الدين العام من 60.5% من الناتج في مطلع 2023 إلى 68.5% بنهاية 2025، وهي نسبة تتجاوز وسيط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ نحو 57%.
أما العجز؛ فالأرقام فيه مختلفة لأنها صادرة عن ثلاث مؤسسات في ثلاثة تواريخ وعلى قاعدتي قياس؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع عجزًا بـ5.3% في 2026 يضيق إلى 4.2% في 2027، وصندوق النقد الدولي يورد 6.2% على قاعدة الحكومة العامة، وبنك إسرائيل خفّض تقديره في 20 أكتوبر إلى 4.4% مع دين عند 68%. والثابت بين التقديرات الثلاثة أن الإنفاق الدفاعي، الذي كان 4.5% من الناتج قبل الحرب، بلغ نحو 8% في 2025 وقد يبقى قرب 6% في 2026.
المساعدة الأمريكية.. هل ستتغير؟
المساعدة الأمريكية.. هل ستتغير؟
هنا تظهر مفارقة أخرى؛ فحل نتنياهو لضيق ذات اليد ليس ضريبة جديدة ولا خفضًا في الموازنة، بل تصفير المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 3.8 مليار دولار سنويًا حتى انتهاء مذكرة 2016 في 2028. جدولها في فبراير: "ثلاث سنوات متبقية في مذكرة التفاهم الحالية وسبع بعدها"، ثم قالها في مايو لبرنامج "60 دقيقة": "أريد خفض الدعم المالي الأمريكي إلى الصفر... لنبدأ الآن ولا أريد أن أنتظر الكونجرس المقبل"، وبديله الانتقال "من المساعدة إلى الشراكة" عبر مشاريع مشتركة في الاستخبارات والسلاح والدفاع الصاروخي.
وآيزنكوت لا يختلف في الوجهة بل في السبب والسرعة، فمن مقترحاته التخلص التدريجي من المساعدة العسكرية الأمريكية لأن الاعتماد عليها صار مصدر احتكاك في واشنطن ويتعارض مع قدرة الدولة اليهودية على ضمان أمنها بنفسها، ويحدد سقفًا أقصر: "ربما خمس إلى عشر سنوات، ومن مصلحتنا أن نفعله".
وهو يُعيب على نتنياهو أنه وضع إسرائيل "في موقع يصير فيه من يقرر كل شيء هو رئيس الولايات المتحدة"، ويقول إن علاقته بالإدارة جيدة لكن الوضع "في الجامعات ومع يهود أمريكا ومع العلاقات الحزبية الثنائية في أدنى مستوياته".
وواشنطن سبقت الاثنين حيث أكد روبيو في يونيو أن التفاوض يجري على "أقل كل عام حتى يصل الرقم إلى صفر"، وفُتحت المفاوضات رسميًا على إطار أمني يحل محل المذكرة في 2028 ويقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك، وكتب السفير هاكابي أن المذكرة الجديدة "تنهي المساعدة وتقوم على التجارة". فالدعم الأمريكي ليس ثابتًا في الجوهر، وحجم السلاح موضع اتفاق لا خلاف، والخلاف على من يسبق إلى التخلص التدريجي منه.
من يحكم بلا 61؟
تتلخص الخيارات السياسية المقبلة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ الأول: تشكيل حكومة أقلية تعتمد على "خيار الامتناع" في الكنيست.
فوفقًا للقانون، لا تتطلب جلسة نيل الثقة تصويت 61 نائبًا بالقبول، بل يكتفى بوجود أغلبية للمؤيدين مقارنة بالمعارضين من بين الحاضرين، وهو خيار يدرسه جادي آيزنكوت في حال استقر معسكره عند 58 أو 59 مقعدًا.
أما السيناريو الثاني: فهو بناء ائتلاف يستند إلى دعم الأحزاب العربية (17 مقعدًا)، وهو خيار يصطدم بفيتو حاد من نفتالي بينيت وأفيجدور ليبرمان اللذين أقصيا هذا التوجه تمامًا، بل إن ليبرمان يرفض حتى تمرير الحكومة عبر امتناع هذه الأحزاب.
وفي حال فشل هذه المساعي، يبرز السيناريو الثالث والاضطراري: وهو حل الكنيست والتوجه نحو جولة انتخابات خامسة خلال 90 يومًا.