بين الذخيرة المحمّلة على سطح الحاملة "جورج واشنطن" في بحر العرب والقرار المؤجل في البيت الأبيض، تنقل رواية الديمقراطيين بواشنطن السؤال من توقيت ضرب طهران إلى وظيفته داخل أمريكا والإقليم؛ إذ يرى عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي الدكتور مهدي عفيفي، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، أن تقرير "وول ستريت جورنال" عن تسليح السفن ما هو إلا "خطوة مقصودة" من "وزارة الحرب" ضمن "حملة إعلامية مكثفة لمحاولة ترهيب وإخافة إيران".
وتكتسب هذه القراءة وزنها عند اختبارها بالوثائق الفيدرالية وتقديرات مراكز الأبحاث؛ فبينما يشير الزميل الأول في "مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي" جيمس ليندسي إلى أن حرب إيران يؤيدها ثلث الأمريكيين فقط وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عالق بعد الثالث من نوفمبر بين خيارات عسكرية ودبلوماسية مكلفة، تُفصل السجلات الرسمية بين ما تثبته الوقائع في حديث عفيفي وما يبقى تخوفًا حزبيًا.
اقرأ أيضًا:
أمر كبير على متن "جورج واشنطن".. هل حسم ترامب قرار إيران؟
تهديدات ترامب في رواية إيران.. ما الخطأ الذي يجب تجنبه مع العرب ومصر؟
مؤونة الـ90 يومًا و"وزارة الحرب".. بين الوثيقة والمبالغة
يؤكد عفيفي لـ"مصراوي" أن التحركات الجارية "تتجاوز الإمداد الروتيني"، مشيرًا إلى تزويد القواعد داخل أمريكا وأوروبا وحاملات الطائرات بـ"مؤونة تكفي 90 يومًا" تحسبًا لحرب كبرى.
وتثبت وثائق البنتاجون التي كشفتها شبكة "فوكس نيوز" الأحد أصلًا رسميًا لهذه الخطة عبر مبادرة "فورترس أمريكا" التي أطلقها وزير الحرب بيت هيجسيث، لإلزام المنشآت الكبرى بالصمود ذاتيًا 90 يومًا بالكهرباء والمياه والوقود والذخيرة وتهيئة المصانع المدنية لصراع متعدد الجبهات وفق كبير المتحدثين باسم البنتاجون شون بارنيل.
غير أن إفادات البنتاجون تضبط سقف هذه الجاهزية؛ فمعيار الـ90 يومًا لا يزال قيد التقييم في نحو 500 قاعدة داخل البر الرئيسي الأمريكي بلا جدول زمني للتنفيذ، كما أنه لا يعني اكتمال تموين السفن المنتشرة اليوم.
ويتفق ذلك مع دراسة رئيس قسم الدفاع والأمن في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" سيث جونز، التي أثبتت أن استنزاف صواريخ "توماهوك" و"ثاد" و"باتريوت" بحرب إيران أضعف قدرة واشنطن على حرب عظمى مطولة لتعذر تعويضها قبل ثلاث سنوات.

هل حُيّدت الصين وروسيا عن معركة إيران؟
استنادًا إلى كُلفة الاستنزاف، يستبعد عفيفي حربًا تشتبك فيها أطراف كبرى لأنها "ستنهي الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأمريكي أولًا"، مرجحًا تحييد موسكو وبكين عبر تواصل ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج.
ويدعم ذلك ترحيب ترامب عبر "سي إن بي سي" بقمة ثلاثية في شنتشن الصينية نوفمبر المقبل وقوله إنهما (بوتين وشي) قدما "القليل جدًا" لطهران، وتقدير مدير مركز الصين في "معهد بروكينجز" ريان هاس والباحث الأول بمعهد شنجهاي للدراسات الدولية تشاو لونج بأن ترامب يتجنب الصدام المباشر كما ترغب بكين في احتواء الحرب بعد هبوط وارداتها النفطية في يونيو إلى 7.12 مليون برميل يوميًا.
إلا أن غياب القتال المباشر يختلف عن "التحييد" الكامل؛ فاستكمالًا لتشخيص كبير محللي الشؤون الروسية في "مجموعة الأزمات الدولية" أوليج إجناتوف لـ"مصراوي" حول مواصلة موسكو إمداد طهران بمساعدات تقنية، يوثق الزميل الأول في "مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي" جوشوا كيرلانتزيك إمداد الصين لإيران بأنظمة ملاحة فضائية ورادارات وحرب إلكترونية وشراء نفطها، إلى جانب مسيّرات روسية مطورة ودعم سيبراني.
نافذة "البطة العرجاء" ودعاوى الصناديق الأمريكية
من الخارج إلى الداخل الأمريكي، يحذر عفيفي من تحرك ترامب خلال الشهرين الفاصلين بين انتخابات نوفمبر وانعقاد الكونجرس الجديد في يناير، المعروفين دستوريًا بفترة "البطة العرجاء" وما يسميه "فترة الركود"، لافتًا إلى بدء "التشكيك في نزاهة الانتخابات" ومحاولات التحفظ القضائي على صناديق التصويت المبكر الخاضعة لقوانين الولايات الخمسين، وسط تخوفه من تدخل أمني أو فرض "أحكام عرفية".
وتُصدق السجلات الفيدرالية شق الدعاوى القضائية حرفيًا؛ إذ قاضت وزارة العدل ولاية كاليفورنيا لعزل بطاقات بريدية لأكثر من 20 ألف ناخب، ودافع وزير العدل تود بلانش الأحد وفق صحيفة "الجارديان" عن دعوى استباقية بأمر ترامب لمنع التصديق على انتخابات مجلس الشيوخ في ألاسكا إن خسر السيناتور الجمهوري دان سوليفان، بينما تبقى فرضية تدخل الأمن والأحكام العرفية تخوفًا حزبيًا بلا مستند رسمي.
وفي الكونجرس، يتقاطع هذا الحراك مع تهديد الديمقراطيين بقيادة السيناتور الديمقراطي برايان شاتز بحجب تمويل الدفاع في جلسة "البطة العرجاء" إن استمرت حرب إيران لنهاية العام.
واستكمالًا لزاوية مهلة الستين يومًا الرئاسية التي طرحها مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية الدكتور محمد مصدّق بور لـ"مصراوي"، يوضح الباحث الأول في "معهد بروكينجز" سكوت أندرسون ومدير أبحاث السياسة الخارجية بالمعهد مايكل أوهانلون افتقار الديمقراطيين لثلثي الأصوات لكسر "فيتو" ترامب، ما يحصر سلاحهم بتقييد الميزانية.

من "الخط الأصفر" إلى صحراء العراق.. حصاد تل أبيب
على الصعيد الإقليمي، يجزم عفيفي، في حديثه لـ"مصراوي"، بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرّض واشنطن على ضرب إيران لإشغال العالم والتفرغ لتحريك "الخط الأصفر في غزة" يوميًا، والاستيلاء على أجزاء من الضفة الغربية، والتعمق في الأراضي السورية، بعد إقامة قاعدة سرية بالعراق لضرب إيران، استغلالًا لولاية ترامب خدمةً لـ "مشروع إسرائيل الكبرى" من "النيل إلى الفرات".
وتثبت الخرائط الميدانية هذه الوقائع الأربع؛ إذ وثقت الأمم المتحدة و"الجزيرة" إزاحة الجيش الإسرائيلي للخط الأصفر غربًا في غزة لترتفع سيطرته وتقييده من 53% إلى 65% من القطاع، ورصد تحقيق "إيه بي سي نيوز" الفضائي سيطرة إسرائيل على 2,490 كيلومترًا مربعًا في غزة والضفة ولبنان وسوريا شاملةً خندقًا وتسع قواعد بالمنطقة العازلة السورية، كما أكد تقريرا "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" عبر "الجزيرة" إنشاء قاعدتين إسرائيليتين سريتين بصحراء العراق الغربية قبل إخلائهما.
وتلتقي هذه الحصيلة مع قراءة الباحثة المشاركة في معهد "تشاتام هاوس" الدكتورة جولي نورمان بأن حرب إيران أسقطت الضغط الدولي عن غزة وحولت الخطوط المؤقتة لحدود أمر واقع، مع فارق يفصل بين عقيدة "المناطق العازلة" الموثقة ميدانيًا وشعار "إسرائيل الكبرى" في خطاب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.
وهكذا تكتمل ثلاثية المشهد بين واشنطن وطهران؛ فبينما تترقب العواصم مدافع "جورج واشنطن" ومؤونة التسعين يومًا، تزحف الكتل الخرسانية بصمت من شجاعية غزة إلى جبل الشيخ.