تواجه السعودية ضغوطًا أمنية واقتصادية متزايدة مع اتساع هجمات الحوثيين من اليمن، في تطور يضع خطط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط أمام اختبار جديد، بعدما طالت الهجمات مطارات ومنشآت للطاقة، وامتدت المخاطر إلى طرق تصدير النفط والملاحة في البحر الأحمر.
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن المملكة بدت في بداية العام في وضع مريح نسبيًا، بعدما زار بن سلمان البيت الأبيض والتقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما استطاعت تصدير النفط عبر خط أنابيب يتجاوز مضيق هرمز الذي تعطلت حركة الملاحة فيه، لكن تصاعد المواجهة مع الحوثيين المدعومين من إيران فتح جبهة جديدة تهدد أمن المملكة ومشروعاتها الاقتصادية الطموحة.
وفي السبت، أصاب صاروخ حوثي واحد على الأقل مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا على الأقل وإصابة مئات، كثير منهم بجروح خطيرة، بحسب التقرير.
وكانت هذه الحصيلة، الأعلى من حيث عدد القتلى في هجوم استهدف الولايات المتحدة أو حلفاءها الخليجيين ضمن النزاعات المرتبطة بالحرب مع إيران.
ومن بين الضحايا مضيفة طيران مصرية تبلغ 28 عامًا توفيت متأثرة بنزيف حاد بعد بتر ذراعها، فضلًا عن إصابة ضحايا آخرين أدت إلى فقدانهم أطرافًا.
وأضافت الصحيفة أن صواريخ أصابت مبنيين للمطار، ما تسبب في انهيار أجزاء من أسقفتهما، بينما أظهرت لقطات تحققت منها مؤسسة "ستوري فول" مسافرين يحملون حقائبهم وهم يمرون بجوار آثار دماء على الأرض أثناء إخلاء المطار.
وأعلنت السلطات وقوع هجمات أخرى على المطار المغلق الأحد، وقالت إن مقذوفًا تسبب في اندلاع حريق داخل مبنى الركاب الرابع وأدى إلى إصابات.
المطارات والمنشآت النفطية تحت التهديد
كانت تقديرات مسؤولين سعوديين، حتى الصيف الماضي، تشير إلى أن التهديد الحوثي بات تحت السيطرة، لكن الهجمات المتزايدة أظهرت، وفق "وول ستريت جورنال"، اتساع نطاق الخطر على الحدود الجنوبية للمملكة، وشملت الهجمات مطارات ومنشآت للطاقة، من بينها مصافٍ وخط أنابيب الشرق والغرب الذي يمثل مسارًا رئيسيًا لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
وفي يوليو، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية، ما زاد المخاوف بشأن حركة الشحن في البحر الأحمر، ثم استهدف هجوم في سبتمبر خط الأنابيب الذي تعتمد عليه المملكة لتجاوز مضيق هرمز، قبل أن تتجه الهجمات إلى قطاع الطيران، حيث تعرض مطار الملك خالد الدولي لهجمات أربع مرات على الأقل، بحسب التقرير.
وامتد التهديد إلى العاصمة الرياض، التي تبعد أكثر من 500 ميل عن مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن.
وقالت الصحيفة إن الانفجارات دفعت السكان إلى الاحتماء، فيما أصابت شظايا صاروخ باليستي اعترضته الدفاعات الجوية مجمعًا يضم روضة أطفال وعيادة طبية الخميس.
كما صدرت تعليمات للعاملين في الحي المالي بالعاصمة، وطلاب بعض المدارس الدولية، ودبلوماسيين، بالإخلاء أو الاحتماء.
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب الأمني، إذ تهدد أيضًا خطط السعودية لتحويل السياحة والسفر إلى ركيزة اقتصادية، فضلًا عن مؤتمر استثماري دولي بارز كان مقررًا عقده في نهاية الشهر، وأصبحت إقامته موضع شك متزايد، وفق ما أوردته وول ستريت جورنال.
ووفق الصحيفة، أدى ارتفاع تكاليف الحرب بالفعل إلى اتساع عجز الموازنة، فيما يهدد استمرارها بدفع الاقتصاد إلى الانكماش، وتتزامن هذه الضغوط مع مساعي بن سلمان لإعادة تشكيل الاقتصاد عبر مشروعات ضخمة تستهدف جذب المستثمرين والسياح وإظهار التحول العمراني والتكنولوجي في المملكة.
وتشمل هذه المشروعات مدينة نيوم المستقبلية، ومبنى المكعب العملاق في الرياض، ومنتجعًا للتزلج في الصحراء، حيث تصل التكلفة الإجمالية للمشروعات إلى تريليونات الدولارات، وهو حجم إنفاق كبير مقارنة بموازنة حكومية سنوية تبلغ نحو 350 مليار دولار، بحسب التقرير.
كما تراجعت الاستثمارات الأجنبية خلال النصف الأول من العام، وظلت دون المستوى اللازم لتحقيق مستهدفات ولي العهد لعام 2030، فيما يزيد الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية من الضغط على الموارد التي تحتاج إليها خطة تنويع الاقتصاد، وباتت طموحات المملكة للتحول إلى مركز للذكاء الاصطناعي تواجه مخاطر إضافية مع ظهور مراكز البيانات ضمن الأهداف المحتملة للهجمات.
وأصبحت مشروعات كبرى عديدة متوقفة أو قيد المراجعة، وفق الصحيفة.
وكانت السعودية قد تخلت في يناير عن خطط استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، بينما لا يزال يتعين عليها توفير التمويل اللازم لمعرض إكسبو 2030 وكأس العالم لكرة القدم المقرر بعده بأربع سنوات.
ونقلت الصحيفة عن مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" أن حجم الاقتصاد غير النفطي السعودي انخفض في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، فيما تتوقع وزارة المالية السعودية انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% خلال عام 2026.
واشنطن تتردد والرياض تبحث عن دعم
رغم جهود بن سلمان لتعزيز علاقته بترامب، بما في ذلك تعهد باستثمارات سعودية في الولايات المتحدة تبلغ نحو تريليون دولار، لم تستجب واشنطن حتى الآن لطلب ولي العهد تقديم مساعدة عسكرية لدحر تقدم الحوثيين، وفق "وول ستريت جورنال"، وإن كانت قد أرسلت مستشارين عسكريين.
وقال ترامب للصحفيين خلال عطلة نهاية الأسبوع إن الولايات المتحدة تتواصل مع الحوثيين، لكنه أشار إلى احتمال انضمامها إلى الضربات السعودية ضد الجماعة، مضيفًا أن ما فعلوه كان "سيئًا للغاية".
وفي مواجهة نقص محتمل في القدرات الدفاعية، طلبت السعودية مساعدة حليفتها العسكرية باكستان، وتبحث في أنحاء العالم عن أنظمة دفاع جوي إضافية.
وفي الوقت نفسه، تكثف الرياض بحثها عن مخرج دبلوماسي للنزاع، الذي ترى الصحيفة أن احتواءه بات أكثر صعوبة مع استمرار الهجمات واتساع تهديداتها للأمن والطاقة والاقتصاد السعودي.