كثفت جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن هجماتها على السعودية، بموازاة الضغوط العسكرية التي تتعرض لها من جانب تحالف دعم الشرعية، ما أسفر عن سقوط قتلى ومئات المصابين في استهداف مطار الرياض الدولي مساء السبت.
ورغم الإنفاق العسكري السعودي الضخم ومنظومة الدفاعات الجوية المتطورة، وجدت بعض القذائف الحوثية منفذا إلى اهدافها، ما أثار تساؤلات حول كيفية تمكن الحوثيين من التغلب على هذه الشبكة الدفاعية.
تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية
تعتمد استراتيجية الحوثيين اليمنية في مواجهة منظومات الدفاع الجوي السعودية المعقدة على استغلال الطبيعة غير المتكافئة للحرب الجوية؛ إذ لا تسعى إلى تدمير المنظومة الدفاعية بكامل منصاتها وراداراتها، بل تركز على شل فاعليتها وإرهاق غرف القيادة والسيطرة عبر التكرار والتنويع والإغراق المتزامن.
ومن خلال الجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز" والطائرات المسيرة وإطلاقها عبر مسارات متباعدة وزوايا طيران منخفضة، يفرض الحوثيون ضغطا تشغيليا يضيق النوافذ الزمنية المتاحة للرصد والتمييز واعتراض الأهداف، محولين المعركة إلى سباق استنزاف باهظ الكلفة للذخائر الاعتراضية، تنجح خلاله بعض المقذوفات في النفاذ لإحداث أثر استراتيجي واقتصادي واسع في العمق السعودي.
هجوم مطار الرياض: المعطيات الميدانية وحصيلة الضحايا
أعلنت السلطات السعودية، مساء السبت، مقتل 12 شخصا وإصابة 309 آخرين بهجوم أدى إلى تعليق عمليات "مطار الملك خالد الدولي" بالرياض.
ويُعد هذا الهجوم الثالث الذي يستهدف المطار خلال أسبوع واحد، مع إلغاء أكثر من 600 رحلة جوية وفق تقديرات "سي إن إن".
ونسب تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية الهجوم إلى الحوثيين، قبل أن يقر المتحدث العسكري باسم الجماعة الموالية لإيران بالمسؤولية عن الهجوم.
وفي إطار الهجمات المتواصلة، أشار "معهد دراسات الحرب" إلى أن هجمات 8 أكتوبر تضمنت اعتراض صاروخ باليستي أصاب حطامه مواقع في الرياض، بينما أصاب صاروخ آخر المطار مسببا حريقا، حيث أفاد الحوثيون بإطلاقهم صواريخ جوالة.
وفي تحديث لاحق يوم أمس السبت، أكد المعهد أن الحملة الحوثية على المطارات المدنية السعودية شملت صواريخ باليستية وجوالة ومسيرات.
واليوم الأحد، أعلن المتحدث باسم التحالف تركي المالكي وقوع هجوم جديد أصاب خلاله مقذوف مجهول مبنى الركاب رقم 4 بالمطار وتسبب بحريق، تزامنا مع اعتراض صاروخ "كروز" في محيط المطار.
شبكة الدفاع الجوي السعودي: هيكلية السلسلة والطبقات
ترتكز شبكة الدفاع الجوي في السعودية على سلسلة مترابطة تبدأ بالمراقبة والاستشعار، وتمر بإدارة المعركة وتنسيق القرار، وتنتهي بتوجيه السلاح إلى الهدف، مستفيدة وفق تحليل "معهد واشنطن" من منصات إنذار جوي محمولة ومعلومات تحذيرية مباشرة وفرتها أنظمة أمريكية في فترات سابقة.
وفي طبقة الاعتراض الباليستي للارتفاعات العالية، تعاقدت السعودية عام 2018 على شراء منظومة "ثاد" بصفقة شملت 44 منصة إطلاق ومعدات وصواريخ، وأكدت شبكة "سي إن إن" في مارس 2026 تشغيل السعودية لبطارية واحدة من المنظومة، لافتة إلى تعرض مأوى رادار تابع لمنظومة "ثاد" قرب قاعدة الأمير سلطان لأضرار.
وتعتمد طبقة الدفاع المتوسط على منظومة "باتريوت" وصواريخ "باك-3"؛ حيث وافقت واشنطن في يناير الماضي على بيع محتمل لـ730 صاروخا من طراز "باك-3 إم إس إي" لتأمين الاحتياجات السعودية، إلى جانب بطارية "باتريوت" نشرتها اليونان عام 2021 وشغلها عسكريون يونانيون ونجحت في اعتراض صاروخين باليستيين إيرانيين في مارس الماضي لحماية منشآت الطاقة.
وتضم طبقات الدفاع القصير المدى أنظمة "شاهين" و"سكاي جارد" و"هوك" للتعامل مع الأهداف البطيئة والمنخفضة، إلى جانب مقاتلات "إف-15" المسلحة بصواريخ جو-جو من طراز "إيه آي إم-9 سايدوايندر" لاعتراض المسيرات.
وعقب هجمات "أرامكو" عام 2019، شملت خطط الدعم العسكري نشر رادارات وبطاريات "باتريوت" ورادارات "سنتينل" ومنظومات "ثاد".
مسارات الضغط الحوثي على منظومات الاعتراض
ازدحام مسارات الرصد والقرار:
يتطلب كل مسار جوي سلسلة عمليات تبدأ بالرصد والتصنيف والتتبع، وصولا إلى اتخاذ قرار حاسم بشأن مستوى التهديد وتحديد الوسيلة المناسبة للاعتراض.
ومع وصول أهداف متعددة من اتجاهات مختلفة أو في توقيت زمني متقارب، تجد غرف القيادة نفسها أمام ضرورة فرز عدد متزايد من المسارات لتحديد أولويات الاشتباك وتخصيص الوحدات والذخائر الملائمة.
وفي هذا السياق، حذر "معهد واشنطن" من أن الهجمات المتزامنة متعددة المحاور التي تمزج بين الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز"، تفرض ضغطا تشغيليا بالغا حتى على أكثر المشغلين كفاءة، وتثير تحديات معقدة في التنسيق والقيادة والسيطرة بين مكونات المنظومة؛ مستعرضا هجمات مارس 2021 التي أعلنت الجماعة اليمنية خلالها استخدام وسائل متنوعة لاستهداف مواقع متفرقة في محاولة واضحة لإغراق الدفاعات وشل استجابتها.
فجوات التغطية وصعوبة الأهداف المنخفضة:
تتباين فرص الرصد والاعتراض بحسب ارتفاع الهدف المعادي وسرعته وحجمه وزاوية اقترابه؛ حيث ناقش المعهد في تحليله لهجمات بقيق وخريص عام 2019 أثر انحناء الأرض ومسارات الطيران شديدة الانخفاض في الحد من مدى تغطية بعض الرادارات، فضلا عن الصعوبات التي تواجهها بعض المنظومات قصيرة المدى في ملاحقة الأهداف الصغيرة والبطيئة.
وتتلاقى هذه المعطيات مع دراسة "مركز بلفر" لعام 2026 حول الدفاع ضد المسيرات، والتي بينت كيف يصعب على الرادارات التقليدية رصد الطائرات المسيرة المنخفضة والصغيرة، مبرزة الأهمية البالغة لدمج بيانات المستشعرات المتطورة لتفادي الثغرات الميدانية.
استنزاف الذخائر وفارق الكلفة المالية:
تفرض الهجمات غير المتكافئة استخدام صواريخ دفاعية باهظة الثمن لمواجهة أسلحة هجومية رخيصة التكلفة؛ وقد قدّر المركز إنفاق البحرية الأمريكية قرابة مليار دولار على ذخائر دفاعية لمواجهة مسيرات منخفضة الكلفة في البحر الأحمر بين أواخر 2023 ومطلع 2025، في ظل ما أثارته صحيفة "فايننشال تايمز" بشأن شح الإمدادات العالمية للصواريخ الاعتراضية.
الأثر الاستراتيجي والاقتصادي المباشر:
يركز الحوثيون على استهداف البنية التحتية والمطارات المدنية لتحقيق نتائج تتجاوز مجرد التدمير المادي، عبر تعليق الرحلات الجوية، وإرباك قطاع السياحة والأعمال، ورفع تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية.
ويوضح "مجلس العلاقات الخارجية" صعوبة توفير حماية متزامنة وشاملة لكافة المنشآت المتباعدة في آن واحد، في حين وثق معهد "تشاتام هاوس" في أغسطس 2026 استمرار استهداف خطوط التصدير والملاحة لإرهاق الاقتصاد وتوليد ضغط سياسي متواصل.