كيف استخدمت لبنانية "التهريج" في التخفيف عن اللاجئين؟

03:00 م الثلاثاء 02 أبريل 2019

كتبت- هدى الشيمي:

نشأت وسط أجواء يسودها العنف والتوتر فكانت طفلة صغيرة أثناء وقوع الحرب الأهلية في بلدها لبنان، فعرفت حجم الدمار الذي تخلفه الحروب ورائها، وما تتركه في نفوس المواطنين من آثر كبير، وجراح لا تندمل، وصدمات نفسية وعصبية، ووجدت أن الضحك أفضل وسيلة لمواجهة كل ذلك. وبعد أكثر من 30 عاماً، باتت اللبنانية سابين شُقير ومجموعتها من المهرجين الشباب من الأشياء المحدودة التي تهوّن على الناس مشاكلهم وهمومهم في لبنان وخارجه.

سابين شُقير، 37 عامًا، لبنانية درست المسرح في كلية الفنون الجميلة بجامعة لبنان، ثم التحقت بالمدرسة الدولية لفنون العرض في لندن لتدرس فن التهريج ورواية القصص، وكذلك حصلت على شهادة في العلاج النفسي الاجتماعي في معهد "إيست سايد إنستيتيوت" بمدينة نيويورك الأمريكية.

آمنت اللبنانية الشابة بقوة الضحك والتهريج وقدرته على مساعدة الجميع على التصالح مع أنفسهم والمجتمع لذا أسست هي وصديقتها المكسيكية جابريلا مونيوس مجموعة "Clown me In" (كلاون مي إن)، وبدأت الصديقتان عملهما بتقديم تمارين خاصة بالتهريج لكل من يريد مواجهة المشكلات والتخلص من القيود بطرق خارجة عن المألوف، وكانت أول مشاريعها في المكسيك والهند والبرازيل.

1

ولأن لبلدها عليها حق عادت شُقير إلى لبنان في عام 2008، محاولة استغلال فنها في تسليط الضوء مشاكله، فالتقت بأناس من مختلف الخلفيات، ومع مرور الوقت كوّنت فرقة من 5 أشخاص يعملون جميعاً على تقديم المواضيع الخاصة بالشعب اللبناني مثل النظافة والنفايات ومشاكل البيئة وغيرها، من المشاكل التي يواجهها العالم كذلك قدمت يد العون للمن يتعالجون من الإدمان.

أظهرت ابحاث ودراسات اُجريت على مدار الأعوام الماضية، أن الضحك والتهريج لهما الكثير من الفوائد الصحية، ما جعل المستشفيات في أوروبا لاسيما ألمانيا، وروسيا تستعين بالمهرجين الذين يترددون عليها بصورة متكررة ومنتظمة لزيارة المرضى من الأطفال والبالغين، حسبما أفادت دويتشه فيله.

لم يكن الأمر يسيرًا في بداية الأمر، تقول شُقير لمصراوي إنها واجهت هي ومجموعتها عدة تحديات، أولها كيفية إقناع من حولها بأهمية الضحك والدعابة في التنفيس عن الآخرين، وتغيير صورتهم الذهنية عن المهرجين، وإثبات أن دورهم لا يقتصر فقط على إضحاك الصغار في أعياد الميلاد والحفلات، أو تقديم اسكتشات وفقرات مُضحكة في البرامج التليفزيونية، علاوة على تقديمها للمشروع لحوالي 60 مؤسسة وجمعية تهتم بالشؤون الثقافية ولكنهم لم يقبلوا على الفكرة، ولم يقتنعوا بها.

2

مع ذلك استمرت شُقير ومجموعتها في العمل وقدموا العديد من المسرحيات، وفتحوا حلقات نقاش بين المواطنين في مختلف مدن وبلدان بلبنان، لأن المسرح بالنسبة لها هو وسيلة للتعبير عن الشعب، لذلك دأبت على تقديم حكايات وقصص تُعبر عن الناس، وتوصف ما يمرون به.

وفي عام 2011، بدأت مرحلة جديدة في مشروع شُقير، فبعد اشتداد ويلات الحرب السورية وبدء موجة النزوح، لم تجد الفنانة اللبنانية مفراً من استعمال التهريج والضحك للترويح عن النازحين والتخفيف من أزمتهم، لاسيما وأن مواطني بلدها عاشوا ظروفا مُشابهة بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، ومن هنا انطلق مشروع "الكرافانة"، وهو مسرح شارع تفاعلي يقدم عروض مبنية على قصص اللاجئين.

يعيش في لبنان أكبر عدد من اللاجئين السوريين، الذي يبلغ -وفق الأمم المتحدة- نحو 1,3 مليون شخص. وقالت ممثلة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان ميراي جيرار إن البالغين والأطفال الذين طالتهم الحرب واضطروا إلى النزوح من سوريا والعراق، يختبرون سلسلة واسعة من الأمراض النفسية والمشاكل العصبية، ومنها اضطرابات ما بعد الصدمة.

مع استمرار توافد اللاجئين السوريين على المخيمات اللبنانية قدمت شُقير وأصدقائها ورشات عمل لرجال والنساء وأطفال، وكذلك بدأت في تقديم عروض في مختلف المخيمات السورية، واستعملت التهريج لتوثيق حكايات السوريين.

3

بعد فترة قررت شُقير حزم حقائبها والذهاب إلى هؤلاء الذين لا يستطيعون الوصول إليها، فقامت بعدة رحلات من البلقان إلى اليونان، وقدمت هي وفريقها عروضًا للناس في المخيمات والمعسكرات، وتمكنوا من الوصول إلى المختبئين في الغابات ووسط الأحراش، منتظرين فرصة للمرور عبر الحدود.

خلال رحلاتها الثالثة والتي كانت أخرها منذ أيام، لاحظت شُقير عدم تغير أوضاع اللاجئين، ولكن على العكس ساءت الأمور عما كانت عليه بعد إغلاق الحدود، وتقول: "لا يزال كثيرون عالقون على الحدود، لم يتغير شيء سوى انتقال اللاجئين من مُعسكر إلى آخر"، أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان فتقول إن ما رأته لا يمكن البوح به، فالناس هناك يتعرضون للضرب ويواجهون معاملة غير آدمية ويعيشون في ظروف لا يطيقها بشر.

كانت دول في منطقة البلقان تعهد في يونيو الماضي بالعمل على منع تكرار أزمة تدفق اللاجئين التي أتت بأكثر من مليون لاجئ إلى أوروبا من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وفروضًا قيوداً صارمة على الحدود.

رغم مشقة الرحلات وما بها من مخاطر تقول شُقير إنها لم تخشى ولو بنسبة 1%، كما أنها لم تتعرض للإساءة أبداً، على العكس كان يقابلها اللاجئين بوجه بشوش وبتراحب كبير، وتقول: "بالنسبة لنا نحن كمهرجين فنحن ننتقل من مكان إلى آخر لنشر الفرحة ولكي نضحك ونتسلى، وعروضنا تناسب الكبار والصغار، فما نُقدمه لـ600 ولد، نُقدمه أيضاً لـ600 رجل وامرأة".

إعلان

إعلان

إعلان