• "الصحافي والثورة".... هل الحياد ممكن على "قطار متحرك"؟

    04:17 م السبت 28 أكتوبر 2017
    "الصحافي والثورة".... هل الحياد ممكن على "قطار متحرك"؟

    ترجمة - سارة عرفة:
    قبل أيام في ذكرى الثورة البلشفية كتب الصحافي البريطاني جاك شنكر مقالا في صحيفة نيويورك تايمز تحدث فيه عن علاقة الصحافي بالثورة. طرح تساؤلات عن حيادية الصحافي في تغطية الأحداث التي تؤدي إلى ثورات، رابطا بين الماضي والحاضر: الماضي المتمثل في الثورة الروسية في بدايات القرن الماضي، والحاضر المتمثل في الثورة المصرية (ثورة 25 يناير 2011) في بدايات القرن الحالي. عرض جاك، الذي عمل مراسلا لصحيفة الجاريان البريطانية ابان الثورة المصرية، رؤيته في المقال التالي:

    الصحافي والثورة

    في طريقي إلى المنزل، مرورا بكشك السجائر والمغسلة والحواجز الحديدية الملتوية والتي بدت وكأنها دروع لحماية المارة من طلقات النيران، التحقت بمجموعة من الأطفال كانوا يحملون الحجارة.

    كان ذلك في بداية شهر فبراير من عام 2011. كانت مصر، حيث كنت أعمل مراسلا هناك منذ عدة سنوات، قد غمرتها ثورة. وكوم المحتجون الركام فوق أسطح البنايات في إطار جهودهم للدفاع عن ميدان التحرير ضد هجوم الثورة المضادة. عادة ما يطلب من الصحافيين البقاء منفصلين عن الأحداث التي يغطونها، لضمان أن تكون كراساتهم مرتبة، وبعيدة عن الاضطرابات التي تدور حولهم. كانت صفحاتي متسخة ومتربة، وبعضها عليه بقع من دموع.

    ذات مرة قال المؤرخ هوارد زين: "لا يمكنك أن تكون محايدا على قطار متحرك." وليس هناك قطار يتحرك بسرعة وعنف مثل أمة مستنزفة جراء تمرد شعبي. والسؤال الذي لابد أن يطرحه كل مراسل في كل ركن من أركان العالم، مع كل انتفاضة تلو أخرى، هو أين وكيف يجب على الصحافيين أن يضعوا أقدامهم بالضبط. الكثير منا الذين أجبروا على التعامل مع الانتفاضات - كما كنت أنا في ذلك المساء - توصلوا إلى إجابات مختلفة. جميعها كانت إجابات فوضوية. بعضها قد تم تشكيله في القرن الماضي بدرجة أو بأخرى على أيدي جون ريد، المؤرخ الأسطوري لأحداث ثورة أكتوبر/ تشرين الأول الروسية في 1917.

    كان ريد شابا أمريكيا عندما وصل إلى سان بطرسبرغ مع زوجته لويز بريانت، كما كانت الحكومة الروسية هشة. وقد بدأ يشمر عن ساعديه وكانت الشوارع الخلفية في المدينة تطن بهمهمات الإضرابات والتمرد والفتنة، ولم يزعم النزاهة في تغطيته. "كانت تلك ثورته، وليست حدثا غامضا،" كما كتب عنه المؤرخ البريطاني ايه جي بي تايلور. كشف كتاب ريد، "عشرة أيام صدمت العالم"، التمرد الشيوعي ليس بوصفه أمرا يمكن أن يحلله العلماء بوضعه على شرائح تحت المجهر ولكن كتجربة حية مع كل آمال ومخاوف الحياة الواقعية.

    وبعيدا عن وضع ريد غير المرئي من خلال سرد كتابه، إلا أنه يظل البطل؛ حيث يجد طريقه من خلال خداع الحراس الذي يمر عليهم في طريقه، وكونه مهددا بالاعتداء من جانب متظاهرين مشبوهين، ونجاته من رصاص أطلقه جنود في اتجاه جدار. ففي لحظة معينة يجد ريد نفسه يشارك في توزيع منشورات تعلن سقوط النظام القديم، وفي صفحات تالية مليئة بالأساطير يقول إنه كان يصب على أبواب القصر بمتظاهرين منتصرين. أشار ريد أنه في تلك العملية يضفي على قرائه شعورا تشويقيا من خلال كيف أن الثورة لم تلمس فقط أشياءه المادية بل دخلت حتى أوردته. يقول ريد: "لا يزال من المألوف أن نتحدث عن التمرد البلشفي كمغامرة"، وهي واحدة من أروع المغامرات البشرية التي شرعت على الإطلاق.

    كان ريد يعتقد أن المشاعر الشخصية والمشاركة السياسية للمراسل لا تتناقض مع مفهوم الصحافة الثورية، بل تلمس قلبها، لكنها ليست ملمحها الوحيد. هذا ما توصل إليه ريد أثناء محاولته رسم مفهوم مختلف للتحول الوطني على بعد أكثر من 2000 ميل وبعد أكثر من تسعة عقود. تماما كاستخدامه للنثر والذي كان أسلوبه للتعبير عن الأشخاص والأماكن والتي تبدو بعيدة عن أي مكان لكنها مركز كل شيء.

    وبعد مرور 72 ساعة على استيلاء البلاشفة على السلطة، ومع بدء تبلور الحرب الأهلية التي من شأنها أن تقسم روسيا على مدى عقد، كرس ريد عدة فقرات لحوار سيء بين عضو غير متعلم من الحرس الأحمر وطالب مناهض للثورة، دار على بوابة محطة السكك الحديدية الإقليمية.

    تجادل الاثنان حول طبقة العمال (البروليتاريا) والطبقة الوسطى (البرجوازية)؛ وما وراء تلك المصطلحات، وحول الجيوش والأفكار في الإطار. في أي سياق آخر، كان يمكن للجندي أن يحدث الطالب عن تفوقه في صفه. لكن ريد رغب في أن يظهر إبحار الرجلين فيما بين التضاريس الاجتماعية.

    في مصر كذلك، لم تكن القصة الحقيقية للاضطرابات تكمن في القصر الرئاسي لحسني مبارك، بل في المساحات الدنيوية التي تحولت فيها القواعد: على سبيل المثال عربات التوك توك التي كانت مقصورة في السابق على المناطق العشوائية ظهرت على هامش العاصمة بل انها شقت طريقها إلى قلب المدينة، وطلاب المدارس الذين أصبحوا يشنون معارك ضد قوات الأمن في ملاعبهم، وفي حركات التمرد ضيقة الحدود والتي تشن في غرف الطعام العائلية، وفي قاعات المحاضرات الجامعية وأرضيات المصانع في جميع أنحاء البلاد.

    لاحقا، كتب تروتسكي في عام 1917 أن تاريخ الثورة هو "في المقال الأول تاريخ الدخول القسري للجماهير في مجال الحكم، حول مصيرهم." فهم ريد ذلك التوصيف ليس كأطروحة أكاديمية حيث تبقى الجماهير مجهولة، لكنه تناولها كواقع عملي يحدد جوهر الثورة بقدر ما يحدث في اتساع خيال الفرد كما هو الحال في أروقة السلطة الرسمية أو في مكائد القادة المتنافسين.

    إعادة قراءة "العشرة أيام التي صدمت العالم" اليوم، ليس في حساب الاجتماعات المتداخلة للجنة السوفياتية ولا في حسابات المنظمات المنسية التي تحتاج اختصاراتها لعشرات الملخصات. بل إنها حتى لم تكن من المعروضات التي شهدها ريد وتتعلق بعمله، مثل الاجتماعات المليئة بالدخان المدمر في مقر لينين في سمولني والتي أعلن فيها عن العصيان، أو مواكب الجنائز الضخمة لشهداء موسكو بعد فوزهم بالمدينة. وما يمكن أن تقوم به امرأة بعد أن يتم التعامل معها على أنها "الرفيق". إنه مشهد يقوم فيه رجل عجوز بالإشارة إلى شاحنة كي تعود به إلى العاصمة في إشارة لانتصار الثورة، ملوحا بذراعه عبر الضباب في المناطق الحضرية. في كل الأوقات التي يدرب فيها ريد نظرته على الدراما الدقيقة للبشرية التي لا يمكن دحضها ولا مفر منها فهي بمثابة الملحمة، وفي الأوقات التي ينحدر فيها التاريخ، يكون هناك صراعات تأخذ مساحة لدى كل شخص مع مستويات مختلفة من الاستثمار في الأمس في محاولة لإيجاد موطئ قدم في الغد.

    الثورات بطبيعتها تقوم بعمل علاقات مع عدة خرائط لترشد المشاركين أو المراقبين. عندما يقوم الناس بأمر ما تحويلي بشكل جذري، ويحولون أنفسهم في تلك العملية فمن المستحيل استجواب كل ما يحدث إذا كنت تعتمد بشكل فردي على القوالب التي جاءت مسبقا، وهذا ما أولاه ريد قدره. فبدلا من محاربة مالا يعرفه، قدره.. فتح الجزء الرئيسي من كتابه من خلال سرد حيرة أستاذ علم الاجتماع الزائر الذي رأى أن المشاعر الثورية على حد سواء في الارتفاع والهبوط. يقول ريد: "كان الأستاذ مشدوها، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك؛ كلتا الملاحظة كانت صحيحة".

    لا يخاف ريد من نقل تناقضات الثورة وتشابكها المضطرب وغيومها من التضليل والغموض، فهو يصف حركة العربات المدرعة التي تجوب الشوارع وأصوات الظلام والخوف والجرأة المتهورة التي ولدت من رحمها روسيا. فقد التقط- كما حاولت أنا في مصر - تلك الملامح الفوضوية لتغيرات سياسية سريعة حيث تقبع بقايا النظام السابق وماتزال منتشرة في المشهد. فهو يدقق في لغة النخب وهم يكافحون لمواكبة الأحداث: فيقول له أحد الأقطاب إن الثورة مرض وأن التدخل ضروري لمنعها، "تماما كما يتدخل الفرد لعلاج طفل مريض" وهو خطاب اعتمده القادة المصريون المتعاقبون. وقال ريد في مقال كان يمكن كتابته بشكل مباشرة من القاهرة خلال انتفاضتها: "إن المدينة تعج بحراك ليس سهلا ويقظ".

    عبر الزمان والمكان والسياق، تحدث الثورات عندما تظهر بادرة الاحتمال، واتساع الآفاق، والأدلة الملموسة على أن الوضع الراهن غير قابل للتغيير. أينما كنا، فنحن جميعا قادرون على معرفة تلك الرائحة. وبطبيعة الحال، فإن التاريخ الكامل لثورة روسيا يحتوي على فترات كبيرة من الظلام وكذلك الضياء. في مصر أيضا، ولكن في ظل ظروف مختلفة جدا، أفسح مجال اليوتوبيا في عام 2011 الطريق إلى الاختناق والعنف، حيث أن تكرار نفس الأفعال من الطغاة عمل على شطب الذكريات الجماعية لتلك اللحظة القصيرة عندما تجمعت القدرة على تشكيل العالم في يد جماعة معينة. وبعيدا عن مدى صحة تصنيف التغطية، كان لريد الريادة في المساعدة، على الرغم من هشاشة هذه اللحظات إلا أن قيمتها كبيرة. وذلك من خلال عمل الرواية، فأصبحت الثورة نفسها ممكنة.

    ومازال كتاب "عشرة أيام صدمت العالم" حيا ليس بسبب أن ريد كان على صواب في كل شيء فهو لم يكن كذلك، أو بسبب أن الثورة التي غطاها لم تكن قصة معقدة النجاح، لكن بسبب أنه فهم جيدا القوة الحقيقية للصحافة الثورية، فمن المهم إشراك كافة الأطراف وليس فقط المراسلين أنفسهم.

    لقراءة النص الأصلي... اضغط هنا

     

    إعلان

    إعلان

    إعلان