من وحي "كورونا"

محمد جمعة

من وحي "كورونا"

محمد جمعة
10:56 م الخميس 26 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

محمد جمعة:

يصعب من الآن تقدير حجم الخسائر الاقتصادية التي ضربت الأسواق والاقتصادات العالمية جراء كارثة كورونا... لكن الأرقام الأولية "فلكية" بامتياز، وتكاد تجهز على مكاسب النمو التي سجلتها دول الاقتصادات المتطورة، والأسواق الناشئة...
العالم كله، وفى مقدمته، دول "العالم الأول"، يعيش اختباراً غير مسبوق، لكأن الكارثة داهمته على نحو مفاجئ وعلى غير استعداد... الكيفية التي ستدير بها الدول الكبرى، "جائحة كورنا" واحتواء تداعياتها، ستقرر من جديد "توازنات القوى" بين الأقطاب الصناعية الدولية... هنا يختلط حابل التنبؤات العلمية بوابل الحسابات السياسية... فمن قائل بأن الاقتصاد الأمريكي سيحافظ على تفوقه في المباراة الاقتصادية العالمية... إلى قائل بأن الصين، بؤرة الفيروس ووطنه الأول، ستخرج أكثر تعافياً بالمعنى النسبي، وستقود عجلة الاقتصاد العالمي في زمن أسرع بكثير من كل التكهنات السابقة...
والحقيقة أن التقدير بهذا الشأن صعب في هذه المرحلة، والجزم بشأن مستقبل توازنات القوى الاقتصادية، سابق لأوانه، وينطوي على مجازفة معرفية كبرى.

· ثانيا، على المستوى الإنساني، أظهرت أزمة كورونا أسوأ ما فينا وأحسن ما فينا على حد سواء، وهذا فعل الأزمات عموماً، ففيها تُختبر إنسانيتا ومستويات تحضرنا... الأمم والشعوب، رغم اختلاف الثقافات، وتفاوت الحظوظ في تحصيل المعرفة، ودرجة التمدين والتحضر... تشابهت إلى حد كبير في ردات فعلها إزاء كورونا، على الأقل في الأيام الأولى لتفاقم الأزمة... فالتهافت على تخزين السلع، وغياب الانضباط الذاتي النابع من الوعي بالمسؤولية الفردية عن مكافحة الآفة... كلها مثلت ظواهر بشرية بامتياز، تساوت فيها شعوب دول العالم الأول بنظيراتها في دول العالم الثالث، على النحو الذى اضطرت معه حكومات العالمين الأول والثالث، إلى إنزال الجيوش وفرض أحكام الطوارئ وقوانين الدفاع... بل الأخطر من كل ذلك، أن مشهد طوابير الشعب الأمريكي، أمام محلات بيع السلاح، كانت صادمة للعالم الذي ظنّ في غفلة من أمره، أن "سيادة القانون" باتت من مسلمات حياتنا، فإذا بنا نعود في لمح البصر إلى ما يشبه "قانون الغاب"... ولولا بعض قصص وصور، لأناس قرروا تقديم مشاهد ومبادرات مغايرة، وأظهروا أحسن ما لديهم وأفضل ما يعتمل في صدورهم، لكانت صورة البشرية جمعاء، قاتمة ومدعاة للتشاؤم والاكتئاب.
· ثالثا، لم تعد الأزمات والصراعات تحظى باهتمام الإعلام والرأي العام... لقد تصدر الفيروس جدول أعمال العالم، حيث لا حديث حول كل العناوين التي شغلتنا وتشغلنا خلال الأشهر التي سبقت تفشي الوباء... لكن كل ذلك لا ينفي أن المسافة بين "السياسي" و"الإنساني" تبدو هائلة عند قادة الدول والأطراف المسؤولة والمشتبكة مع هذه الأزمات... الكلفة الإنسانية الباهظة لجائحة كورونا لم تكن كافية، على ما يبدو، للشفاعة لشعوب منكوبة بحروبها الداخلية وحروب الآخرين عليها، ولا أحد من المنخرطين في كل الصراعات في الإقليم لديه الاستعداد –رغم كورونا – للهدنة... ولهذا تبدو أزمة كورونا، في أحسن الأحوال، وقتًا مستقطعًا ليس أكثر... بل لقد أعطى الفيروس لـ"ورقة اللاجئين" بعدًا دراماتيكيا في الصراع بين تركيا وأوروبا. ناهيك عن أنه وتحت جنح أزمة كورونا وانشغال العالم بها، يواصل أردوغان عمليات تهريب المرتزقة إلى ليبيا. وربما من حسن حظ السوريين، سيما في الشمال الغربي، إن الأزمة تفشت بعيد التوصل إلى "برتوكول موسكو" بين بوتين وأردوغان، بشأن إدلب...
· رابعا، الأغلبية الساحقة من "رجال سياسة" انتهازيين بطبيعتهم، همهم البقاء في السلطة مهما كلّف الأمر... يكذبون كما يتنفسون... من هؤلاء، على سبيل المثال، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يدخر فرصة تمر، من دون أن يقلل من شأن الكارثة، وهو الذي أنكرها في البدء... المهم ألا تتأثر الأسواق والبورصات، وألا يرتد ذلك سلباً على مجريات وأرقام حملته الانتخابية التي تقف على بعد أشهر قليلة من استحقاق نوفمبر القادم...
من هؤلاء أيضاً، بنيامين نتنياهو، الذي لم يدخر بدوره جهداً ولا وقتاً، من دون الاستثمار في الفيروس اللعين، والمبالغة في أضراره ونتائجه، طالما أنه خلق حالة من "الذعر" يمكن أن تأتي بخصمه "بيني جانتس" على ركبيته، عضوًا في حكومة طوارئ وطنية...
بين "تهوين" ترامب، و"تهويل" نتنياهو، تبدو الانتهازية طافحة ومثيرة للاشمئزاز!.
الآن من يتابع وسائل الإعلام الأمريكية يدرك أن أزمة كورونا ستنال –على الأرجح – من ترامب ومستقبله السياسي، وأن الفيروس القاتل لا يعمل لصالح حملته الانتخابية... فالرجل استقبل بخفة واستهتار المسألة برمتها. ومن قبل كورونا كان قد "سرّح" المسؤولين والخبراء عن إدارة الكوارث والتصدي لها، فكانت النتيجة، أن الدولة الأعظم، تقف في مواجهة الفيروس مجردة من الكثير من أسلحتها، وثمة تقديرات بأن تطورات كورونا داخل أمريكا، قد تطغى على بؤرتيها الآسيوية والأوروبية، وأن أرقامها قد تتجاوز الأرقام القياسية المسجلة حتى الآن، حين يصبح متاحاً للمواطن الأمريكي أن يجري الفحوصات والاختبارات بتكلفة معقولة وفي متناول اليد.
على النقيض من حالة ترامب مع كورونا، يبدو أن انتشار الفيروس اللعين، سقط برداً وسلاماً على رئيس حكومة تسيير الأعمال في إسرائيل، فالمحكمة التي كانت ستنعقد يوم 23 الشهر الجاري للنظر في الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو، تأجلت لمدة شهرين، قابلين للتمديد، وفقاً لتطور حركة الفيروس وسرعة انتشاره...
· خامسا، وحده "المناخ" الذي يأتينا بالأخبار السارة في "زمن كورونا"... لقد تراجع نشاط المصانع، قليلاً، فكانت النتيجة هواءً أنظف في الصين... تراجع الشغف بالسياحة فنظفت مياه البندقية وتلألأت من جديد... تراجع الطلب على النفط، فانخفضت نسب الكربون في الجو... أليس في ذلك دعوة للبشرية جمعاء، لوقف الاستخدام الجائر لمواردنا البشرية، وإبطاء وتيرة تدمير الكوكب والمس بنظامنا البيئي؟
أسابيع قليلة من التباطؤ في أنشطتنا الاقتصادية، كانت كفيلة بإحداث فرق في نظافة الهواء الذي نتنفس، والمياه التي نعوم فوقها... أسابيع أخرى، ربما يبدأ الكوكب بالتخلص من مشكلة ارتفاع درجة حرارته، وتغير مناخه. وربما نعيد بعض الاعتبار لأمن الطبيعة، التي "جُرنا" عليها كما لم تفعل جميع الأجيال المتعاقبة من قبلنا... هي لحظة تأمل وتفكر.

إعلان

إعلان