الجمعية العامة للأمم المتحدة.. موعد مع شهر سبتمبر!
مع إطلالة شهر سبتمبر من كل عام، تتجه أنظار العالم إلى مدينة نيويورك مع انطلاق اجتماعات الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ هذا اللقاء الدولي السنوي الذي يُفترض أن يمثل المنصة الأسمى للحوار الدبلوماسي العالمي وصياغة التوافقات الكبرى.
تأسست المنظمة والجمعية العامة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لكونها الملتقى الجامع لدول العالم بغية حفظ السلم والأمن الدوليين، وتوفير مساحة رحبة لمناقشة القضايا الملحة كالفقر، والتنمية المستدامة، وحقوق الإنسان، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. غير أن هذا اللقاء السنوي، وعلى مدار عقد كامل، تعرض لتحولات جذرية أعادت تشكيل هويته ووظيفته، محولًا إياه في كثير من الأحيان من منبر للدبلوماسية الرصينة إلى مرآة تعكس أزمة النظام الدولي المعاصر.
لقد جاءت هذه التحولات العميقة مدفوعة بتزايد الصراعات الدولية الحادة وعودة الاستقطابات الثنائية والقطبية المتاخمة للحرب الباردة، بالتوازي مع تراجع ملحوظ في هيبة الشرعية الدولية. وتجلت هذه الصدمات في سياسات الانسحاب والانكفاء التي مارستها قوى عظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، من منظمات ووكالات أممية حيوية مثل منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان، فضلًا عن التشكيك المتكرر بسياسات المنظمة والتهكم العلني من بعض حلفائها – كالأرجنتين وغيرها – التي وصفت المنظمة الأممية بأنها مجرد "منصة للطفيليين المتغطرسين"، في إشارة واضحة لتآكل هيبة المؤسسة الدولية في عيون حتى أبرز الداعمين التقليديين للنظام الليبرالي الدولي.
وفي قاعة الاجتماعات الكبرى، انعكست هذه التصدعات الهيكلية على السلوك الدبلوماسي؛ إذ تحولت اجتماعات الجمعية العامة في كثير من الأحيان إلى أشبه بـ "حلبة مصارعة" سياسية وإعلامية تشهد مدًا وجزرًا مستمرين بين الحاضرين. وتبرز مظاهر هذا التراجع في لقطات تكرار دخول وخروج الوفود الدبلوماسية بحسب الأهواء والمصالح، أو مقاطعة الكلمات وجلسات النقاش عبر الانسحاب المتعمد رفضًا للاستماع خطابات الخصوم، مما فرّغ العمل الدبلوماسي الجماعي من مضمونه الأخلاقي والأخوي المفترض، وأحاله إلى منصة للاستعراض الشعبوي وتسجيل المواقف الثنائية.
كل هذا التداعي يجري في ظل غياب بوصلة واضحة وتدهور مستمر في الأداء المؤسسي للأمم المتحدة، التي أثبتت عجزًا تامًا عن تسوية أي نزاع دولي جوهري منذ سنوات طويلة، ابتداءً من أزمات الشرق الأوسط مرورًا بالنزاعات الإفريقية وصولًا إلى الحرب في أوروبا الشرقية. لقد أصبحت المنظمة مختنقة ببيروقراطية عتيقة وهياكل تنظيمية جامدة لم تعد مواكبة للتحولات الدولية العميقة، في ظل عالم متعدد الأقطاب وتوازنات قوى اقتصادية وسياسية تختلف جذريًا عن موازنات عام 1945. وباتت اجتماعات سبتمبر، رغم ضخامة بروتوكولاتها، شاهدًا سنويًا على عجز المجتمع الدولي عن ردم الهوة بين خطابات القاعات المغلقة وواقع عالم يعج بالحروب والتهميش.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع