إعلان

من "مدينة بلا قلب" إلى قلب المعرض.. "حجازي" يستحق

محمد لطفي

كتب - محمد لطفي

07:00 م الأحد 27 سبتمبر 2026

تضع الدورة الثامنة والخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب اللجنة العليا الاستشارية أمام اختبار حقيقي؛ يتمثل في ضرورة كسر العرف السائد باقتصار اختيار "شخصية المعرض" على الراحلين، والانتقال نحو "فلسفة الاعتراف الحي".

فالتكريم في حياة المبدع، وهو في كامل قدرته على التفاعل والحوار، يحمل قيمة أخلاقية وفكرية لا يعوضها أي احتفاءٍ متأخر، وهو مسار يتسق مع المعايير الثقافية العالمية؛ إذ تشترط جوائز كبرى كـ "نوبل" و"ثربانتس" وجائزة السلام بـ "معرض فرانكفورت" منح الرمزية العليا للأحياء، لتعزيز الفعل الثقافي وربط الأثر بصاحبه حيًا، كما كان الحال في معايشة نجيب محفوظ للتفاعل العالمي مع مشروعه.
وفي هذا السياق، يفرض الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي نفسه بقوة الاستحقاق التاريخي والضرورة الراهنة معًا، وسط دعوات لعدد من المثقفين بضرورة اختياره لكثير من الأسباب.
يقف حجازي في موقع فريد كأحد الأعمدة الصلبة لتيار الشعر العربي المعاصر؛ فهو الشريك التأسيسي لـ صلاح عبد الصبور في إرساء أركان شعر التفعيلة في مصر، والملهم الذي تتلمذت على تجربته أجيال متتابعة كان في مقدمتها أمل دنقل. وإذا كان عبد الصبور قد أضفى على قصيدة التفعيلة بُعدًا ذهنيًا ودراميًا، فإن حجازي منحها النموذج المعماري الأصيل، ممتزجًا بحرارة الشارع وعذاب الغربة في المدينة «مدينة بلا قلب».
لم تكن تجديدات حجازي مجرد تخَلٍّ عن الشطرين، بل كانت بناءً هندسيًا رصينًا يزاوج بين الجرس الموسيقي المتفرد والوعي الاجتماعي والسياسي.
فقد نقل الشعر من تجريد الصالونات إلى واقعية الإنسان المعذب، حافظًا للشعر العربي هويته وإيقاعه الداخلي دون أن تفقد قصيدته حداثتها أو تترنح أمام الموضات الأدبية الطارئة.
ينبع موقف حجازي الرافض لـ "قصيدة النثر" ـ التي يراها تفتقر للجوهر الموسيقي ويسميها أحيانًا «القصيدة الخرساء» ـ من رؤية فكرية متكاملة وأصالة تجربة أفنى صاحبها عمره في ضبط إيقاع التفعيلة وتأسيس جمالياتها.
وسواء اتفق المرء مع طروحاته النقدية أم اختلف، فإن دفاعه الشرس عن مفهوم الشعر وإيقاعه يعكس اتساقًا فكريًا وحقًا أصيلًا لشاعر يرى في الغنائية والوزن روح الفن الشعري، لا مجرد مجادلة عابرة.

حصاد العداء

وعلى مدى ستة عقود، جسّد حجازي نموذج المثقف المستقل العصي على الاستقطاب؛ إذ لم ينتمِ يومًا إلى "شلة" أدبية تتبادل المديح، ولم يتحصن بتحالفات ضيقة تُصنع داخلها النجومية الزائفة. ورغم أن هذا الترفع تسبب في جلب الخصومات الفكرية والأدبية، ودفع حجازي ثمنه مواجهات مستمرة، إلا أنه رسّخ مكانته كمعلَم فكري مستقل جعل من شعره وفكره ملاذه الوحيد.
إن هذه الاستقلالية بالذات هي ما يمنح ترشيحه قيمة مضاعفة؛ فاختياره شخصيةً لمعرض القاهرة الدولي للكتاب لن يُقرأ كصفقة أو تسوية بين أطراف ثقافية، بل تتويجًا خالصًا للاستحقاق الفني، ورد اعتبار لشعر التفعيلة ولجيل الرواد الذين رفضوا المساومة وظلوا يكتبون ويفكرون بحرية كاملة.
ومن نافلة القول؛ أجدني مضطرًا لأقول إن "حجازي" ليس مرشحًا يحتاج إلى حملة تبرير أدبي؛ وهو ليس مجرد اسم في قائمة الرواد، بل هو العمود الفقري لتيار كامل أعاد تعريف علاقة الكلمة بالمدينة، وبالإنسان، وبالصوت المعاصر، وهذا الترشيح احتفاء باستحقاق تاريخي تأخر لشاعر تشكّلت تجربة الشعر الحر والتفعيلي في الوطن العربي على يديه.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان