رسائل مؤتمر الهوية الوطنية المصرية حول جيل زد
في الأيام الماضية دار خلال مؤتمر الهوية الوطنية المصرية الذي نظمته مكتبة الإسكندرية نقاش جاد ومتعدد الأبعاد حول كيفية الحفاظ على الهوية المصرية في مواجهة عديد من التحديات الداخلية والخارجية التي يتعاظم تأثيرها على هويتنا في عصر السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي.
ورغم أهمية هذا المؤتمر من الناحية العلمية بالنظر إلى حجم الأبحاث العلمية التي تم إعدادها من كوكبة متميزة من الخبراء والباحثين، إلا أنه لفت الانتباه على مستوى الأمن القومي لمشكلة التعامل مع جيل زد الذي هو من ضمن الركيزة الديمغرافية لكل مجالات الأمن القومي للدولة، فجـيل زد هم ولدوا خلال الفترة 1997-2012، أي أنه اليوم الأكبر سنًا منهم عمره 28 سنة، والأصغر سنًا عمره 14 سنة، ووفقًا لبيانات بحث القوى العاملة للعام 2025، يشكل الشباب في الفئة العمرية 18 إلى 29 عامًا ما نسبته 47.1% من قوة العمل في الدولة.
حيث تحولت جلسات هذا المؤتمر إلى منصة مهمة لأبناء هذا الجيل للتعبير عن أنفسهم من خلال مداخلات مهمة وعميقة سلطت الضوء على فوقية الخطاب السائد حولهم وبطبيعة الحال عدم تعبير القوالب الجامدة التي يصدرها الإعلام عنهم.
فالقيمة الحقيقية لتلك المداخلات أنها سلطت الضوء على أن دور جيل زد في المساهمة في التطور الطبيعي للهوية الوطنية بما يعكس التغيرات في المجتمع المصري، وفي نقلها للأجيال الأصغر، ليس دورًا ميكانيكيًا أو يتم بشكل تلقائي، وإنما يتطلب تبني سياسات جادة تعمل على تفعيله والتعامل مع التحديات العديدة التي تحتاج معالجة بشكل عاجل ودون تأخير.
وأذكر هنا تحديين رئيسيين. يتعلق التحدي الأول بأن الخطاب السائد يدعو دومًا إلى "الحديث مع" جيل زد، بما يتضمنه ذلك من تفاعل في اتجاه واحد يقوده ويرسم نطاقه ومساره وحدوده أبناء جيل إكس والأجيال الأكبر الموجودين في قيادة مختلف المؤسسات والقطاعات في الدولة. حيث تحدث عدد كبير من أبناء زد الذين شاركوا في مؤتمر الإسكندرية عن "صعوبة فهمهم لحديث الأجيال الأكبر"، وأن هناك "فجوة في اللغة المستخدمة" وفي "كيفية عرض الفكرة"، وهذا يبرر لجوؤهم بشكل متواصل ومكثف للاعتماد على صناع المحتوى على منصات السوشيال ميديا ولمقاطع الفيديو القصيرة التي تلخص كل شيء بلغة يفهمونها.
ومن المهم استيعاب هذه المسألة في سياق ما مر به المجتمع المصري خلال جائحة كورونا كوفيد-19، حيث إن فئات كبيرة من أبناء جيل زد لم يتلقوا تعليمًا تفاعليًا كما تلقاه الجيل الأكبر بسبب الجائحة سواء على مستوى المدرسة أو الجامعة، فبسبب الجائحة انتقلت الدراسة إلى نظام أون لاين أو إلى الدراسة المختلطة، وتغيرت طريقة الامتحانات من الأسئلة المقالية التحليلية إلى الاختيار المتعدد، وتراجعت مساحة الأنشطة الاجتماعية التفاعلية القائمة على الحضور الشخصي في فصول الدراسة ومدرجات الكليات، فضلًا عن تزايد ضعف الأسرة خلال الفترة الراهنة وما يرتبط بذلك كما ذكر مرارًا وتكرارًا أستاذنا الدكتور أحمد زايد من تراجع مستويات التضامن الأسري، فالأسرة تظل فاعلًا مهمًا في عملية تكوين شخصية أبناء زد وتمكينهم من لعب دور فاعل في المجتمع، ولا يمكن إغفالها أو التقليل من أهميتها.
كل هذه التغيرات لها تأثيرها على شخصية أبناء هذا الجيل وعلى مصادر المعلومات والأدوات التي يتعلمون من خلالها كيفية التعامل مع مشكلات الحياة، ومستوى ما يتمتعون به من مهارات وخبرات اجتماعية.
فالمطلوب إذن من جانب المثقفين والمسؤولين والقيادات في مختلف المؤسسات والقطاعات، هو "الحوار مع هذا الجيل"، وليس التحدث إليه فقط. وهنا أود أن ألفت الانتباه إلى أن عدم الانتقال إلى الحوار مع أبناء زد ستكون نتيجته انعزال بعض أبناء هذا الجيل اجتماعيًا عن باقي المجتمع وتنامي حالة اللامبالاة بقضايا المجتمع ومشاكله وعدم المساهمة في دعم جهود الدولة لحلها، وهذا الجيل هو ذاته الذي سيقود الدولة خلال العقود المقبلة.
ويرتبط التحدي الثاني بـ"فقاعة جيل زد"، فالخطاب الإعلامي المتعلق بجيل زد يركز على اختلاف هذا الجيل عن الجيل الذي يسبقه وهو جيل الألفية وهم من ولدوا خلال الفترة 1981 إلى 1996، ويخلق فقاعة حول جيل زد تسمه بسمات محددة منها أنه "جيل السوشيال ميديا" وجيل "لغة الفرانكو" وأنه جيل "لا يتحمل الضغوط" وأنه يبحث عن "النجاح السريع"، وأنه "الأقل قراءة" وأنه يعاني من "التعفن الدماغي"، على نحو تسبب في خلق حالة دفاعية عند أبناء هذا الجيل حتى يبرروا لمن هم أكبر منهم لماذا هم مختلفون.
ولا يخفى أن هذه السمات سبق أن سمعناها عن جيل الألفية حين انتشر في الإعلام والدراما عبارات "جيل التيك اواي" وجيل الإنترنت وغيرها، وأنه سبق مقارنة جيل الألفية بالأجيال التي تسبقه، وكانت نتيجة تسيد هذا الخطاب هو تحيز السياسات العامة للدولة ضد هذا الجيل ومحدودية فرص توليه مناصب قيادية في الدولة.
ولا يقلل هذا التحدي من حقيقة أن بعض من هذه السمات قد تكون عاكسة لبعض من واقع جيل زد، ولكن في الوقت نفسه لابد من التأكيد على أنه من الطبيعي أن يكون جيل زد مختلفًا عما سبقه وعما سيأتي بعده من أجيال بحكم الظروف والسياق المصاحب لنشأة هذا الجيل وتطوره.
كما أنه يتمتع أبناء زد بسمات إيجابية ولديهم مهارات لا تمتلكها الأجيال الأكبر وتحتاجها الدولة، سواء فيما يتعلق بإتقانهم لعديد من اللغات الأجنبية ولتمكنهم من المهارات التكنولوجية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن قدرتهم على التعلم السريع وأيضًا الإنجاز في وقت قياسي.
ولذا من المهم لفت الانتباه إلى أن الانسياق كثيرًا وراء هذا الخطاب والعمل على تضخيم هذه الفقاعة الجيلية ستكلف الدولة والمجتمع الكثير، وسينتج عنها عدم التوظيف الكامل لقدرات أبناء زد لقيادة ودعم العملية التنموية في الدولة.
إذن المطلوب تبني سياسات تعالج هذه التحديات وتقوم بتفعيل دور أبناء زد في الحفاظ على الهوية الوطنية المصرية بمكوناتها الحضارية والثقافية والتاريخية وفي تعزيز أبعادها المغذية للأمن القومي المصري، ومنحهم فرصة حقيقية للمساهمة في كل الجهود المتصلة بذلك، فنحن في نهاية المطاف نتحدث عن شريحة عريضة من المجتمع تمثل تقريبًا نصف قوة العمل الحالية في الدولة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع