السوشيال ميديا ليست خارج القانون.. لا تجعلوها ساحة لتصفية الحسابات وإشعال الفتنة
قد تهدم كلمة واحدة حياة إنسان، وقد تسرق منه سمعته في دقائق، وقد تجعل أسرة كاملة تدفع ثمن منشور لم يتأكد صاحبه من حقيقته. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتوقف أمامها ونحن نتعامل مع السوشيال ميديا، التي لم تعد مجرد مساحة لتبادل الصور والأخبار والآراء، وإنما أصبحت جزءًا من حياة الناس، نلجأ إليها عندما نبحث عن معلومة، ونطلب من خلالها المساعدة عندما تضيق بنا السبل، ونحكي عبرها عن مشكلات نريد أن تصل أصواتنا بشأنها إلى من يستطيع التدخل. لكن المساحة نفسها التي يمكن أن تكون بابًا للخير، قد تتحول في لحظة إلى باب للأذى، عندما تتحول الكلمة من شكوى إلى اتهام، ومن عرض واقعة إلى تشهير، ومن خلاف شخصي إلى حملة إلكترونية تستهدف إنسانًا أو مؤسسة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأننا أحيانًا نتعامل مع ما يظهر على شاشة الهاتف وكأنه كلام بلا ثمن، وننسى أن خلف كل اسم إنسانًا، وخلف كل صورة أسرة، وخلف كل اتهام حياة كاملة يمكن أن تتغير بسبب جملة واحدة. الشخص الذي نكتب عنه ليس مجرد حساب إلكتروني، وليس صورة نضغط عليها بإعجاب أو تعليق، وإنما إنسان له بيت وأبناء وأهل وعمل وسمعة وكرامة، وقد يجد نفسه فجأة أمام آلاف الأشخاص بسبب منشور كتبه شخص آخر في لحظة غضب أو رغبة في الانتقام أو حتى بسبب معلومة لم يتحقق منها.
ولذلك فإن السوشيال ميديا ليست محكمة شعبية، ولا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات. من حق المواطن أن يشتكي، وأن يعرض مشكلته، وأن يطلب المساعدة، وقد أثبتت منصات التواصل قدرتها على إيصال شكاوى واستغاثات إلى الجهات المعنية، وكشفت بالفعل عن مشكلات احتاجت إلى تدخل وفحص، وهذا دور إيجابي يجب الحفاظ عليه. لكن الحفاظ على هذا الدور يفرض علينا أن نعرف أين تنتهي الشكوى وتبدأ الإساءة، وأين ينتهي النقد ويبدأ التشهير، وأين يتوقف نقل الواقعة ويبدأ إصدار الأحكام على الناس.
فقد يبدأ الأمر بخلاف عائلي، أو نزاع مالي، أو مشكلة في العمل، ثم يقرر أحد الأطراف أن يضع قصته على السوشيال ميديا، وبعد دقائق يدخل المئات في القضية، ثم يتحول المئات إلى آلاف، ويصبح الإنسان الذي لم يسمع أحد روايته متهمًا أمام جمهور لا يعرفه، وربما لا يعرف شيئًا عن الحقيقة. وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف بين شخصين، وإنما يصبح هناك ضرر جديد صنعته المنصة نفسها، وقد يكون من الصعب إصلاحه حتى لو ظهرت الحقيقة بعد ذلك.
والأشد قسوة أن الشائعة لا تنتظر التحقيق، ولا تمنح الإنسان فرصة كافية للدفاع عن نفسه، فهي تصل أولًا، وتنتشر أولًا، وتترك أثرها أولًا، ثم تأتي الحقيقة أحيانًا متأخرة، تحاول أن تلحق بما سبقها. ولهذا فإن التثبت قبل النشر ليس رفاهية، وإنما مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.
وقال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
وهذا التثبت في عصر السرعة لا يحتاج إلى أكثر من لحظة تفكير قبل الضغط على زر المشاركة: من أين جاءت المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل هناك دليل يؤكدها؟ وهل أعرف القصة كاملة، أم أنني رأيت جزءًا منها فقط؟ فعدد المشاركات لا يجعل الخبر صحيحًا، وكثرة التعليقات لا تمنح الرواية مصداقية، وانتشار الصورة لا يعني أنها تعبر عن الحقيقة كاملة. وقد يكون الفارق بين إنصاف إنسان وظلمه مجرد ثوانٍ يتوقف فيها شخص واحد ويسأل نفسه: هل أنا متأكد؟
ومن هنا تبدأ مسؤولية المستخدم، لأن الشائعة لا تعيش بقوة صاحبها وحده، وإنما تعيش بمن يمنحها فرصة أخرى للانتشار. قد يكتب شخص مجهول منشورًا، لكن مئات الأشخاص هم الذين يصنعون له جمهورًا، وآلاف المشاركات هي التي تمنحه قوة لم تكن له في البداية. لذلك فإن عدم إعادة نشر الخبر مجهول المصدر، وعدم تداول الصور والمقاطع التي لا نعرف سياقها، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة، ليست مجرد تصرفات فردية بسيطة، وإنما هي جزء من حماية الناس من ظلم قد يبدأ بكلمة وينتهي بأزمة حقيقية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نضع كل المسؤولية على المواطن وحده، لأن مواجهة الفوضى الرقمية تحتاج إلى وعي مؤسسي مستمر، وإلى رسالة تصل إلى الناس قبل أن تقع المشكلة، وليس فقط بعد وقوعها. وهنا يبرز دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في توجيه رسائل توعوية مستمرة إلى المواطنين، تشرح بصورة بسيطة وواضحة حقوقهم وواجباتهم عند استخدام منصات التواصل، وتوضح الفارق بين حرية التعبير والتشهير، وبين الشكوى المشروعة ونشر الاتهامات، وتحذر من خطورة إعادة تداول الأخبار مجهولة المصدر والمحتوى الذي قد يضر بسمعة الآخرين. فالتوعية ليست أمرًا هامشيًا، وإنما يمكن أن تمنع ضررًا قبل وقوعه، وتجعل المواطن أكثر قدرة على التمييز بين الخبر والحقيقة، وبين النقد والإساءة، وبين نقل الواقعة وتحويلها إلى حكم نهائي على أصحابها.
ولا تتوقف المسؤولية عند التوعية، فالمحتوى المخالف يحتاج كذلك إلى إجراءات واضحة وسريعة للتعامل مع البلاغات والشكاوى، وتوثيق المحتوى محل الواقعة، وحفظ الأدلة الرقمية، وفحص ما ينشر، وتحديد الجهة المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية عندما تتوافر المخالفة. فالمحتوى الرقمي سريع الانتشار، وقد يعاد نشره عشرات أو مئات المرات قبل أن يلتفت أحد إلى حقيقته، وقد يحذف صاحبه المنشور بعد أن يكون الضرر قد وقع، ولذلك تصبح سرعة التعامل مع المحتوى المخالف جزءًا أساسيًا من حماية الحقوق.
لكن الحزم في مواجهة الشائعات لا يعني أبدًا التضييق على حرية التعبير، فالنقد حق، والاختلاف حق، والشكوى حق، ومن حق المواطن أن يسأل ويعترض ويكشف ما يراه مشكلة. إنما الفارق واضح بين أن تقول رأيك، وبين أن تتهم إنسانًا بجريمة دون دليل، وبين أن تنتقد أداء جهة أو شخص، وبين أن تنتهك خصوصيته أو تشوه سمعته. ولذلك يجب أن يكون المعيار هو الفعل والمحتوى ومدى مخالفته للقانون، لا مجرد اختلاف صاحب المنشور مع غيره.
وإذا أردنا أن نحافظ على الجانب الإيجابي للسوشيال ميديا، فعلينا ألا نحولها إلى مساحة للخوف، ولا أن نتركها في الوقت نفسه ساحة مفتوحة للفوضى. نريدها وسيلة يستطيع المواطن من خلالها أن يعرض مشكلته ويطلب المساعدة، وأن يناقش قضية عامة، وأن يوصل صوته، لكننا نريد أيضًا أن يعرف كل مستخدم أن الحرية لا تعني امتلاك حق إيذاء الآخرين، وأن الوصول إلى آلاف المتابعين لا يمنح أحدًا سلطة إصدار الأحكام.
وهنا تعود المسؤولية مرة أخرى إلى الإنسان نفسه، لأن أبسط خطوة يمكن أن تمنع ظلمًا كبيرًا هي أن نتوقف قليلًا قبل أن نضغط «شير». إذا وصل إليك خبر يمس سمعة إنسان، تحقق. وإذا شاهدت صورة تثير غضبك، ابحث عن سياقها. وإذا قرأت اتهامًا بلا دليل، فلا تكن أنت الشخص الذي يمنحه حياة جديدة. وإذا كانت هناك شكوى حقيقية، ساعد صاحبها على الوصول إلى الطريق القانوني، بدلًا من دفعه إلى معركة إلكترونية قد تتسع حتى يضيع أصل المشكلة وسط الضجيج.
تذكروا أن الإنسان الذي نتحدث عنه خلف الشاشة قد يكون أبًا ينتظر أبناءه، أو أمًا تخشى على بيتها، أو شابًا يحاول أن يبني مستقبله، أو شخصًا لا نعرف شيئًا عن ظروفه. وقد تكون أنت بالنسبة إليه مجرد اسم مر على منشوره وضغط زر المشاركة، بينما تكون هذه الضغطة بالنسبة إليه بداية أزمة لا يعرف كيف تنتهي.
السوشيال ميديا ليست جريمة، وليست منطقة خارج القانون، لكنها أيضًا ليست لعبة بلا ثمن. الكلمة فيها يمكن أن تنقذ إنسانًا، ويمكن أن تظلمه، ويمكن أن تكشف مشكلة حقيقية، ويمكن أن تصنع كذبة تعيش أطول من الحقيقة. ولذلك فإن المطلوب ليس إسكات المنصات، وإنما حماية استخدامها المشروع، وتوعية الناس بمسؤولياتهم، وتطبيق القانون على من يتعمد تحويلها إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
فلا تجعلوا من «شير» واحد بداية ظلم، ولا من منشور مجهول حكمًا على إنسان، ولا من خلاف شخصي قضية تشغل الناس. توقف قبل أن تصدق، تحقق قبل أن تنشر، وفكر قبل أن تؤذي.
لأن الحقيقة قد تتأخر، لكن الضرر لا ينتظر، ولأن المنشور الذي تنساه أنت بعد دقائق، قد يظل إنسان آخر يدفع ثمنه سنوات.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع