إعلان

بين مطرقة الفائدة المرتفعة وسندان السيولة: قراءة في الهزة المصرفية التركية

د. ميريت السيد

كتب - د. ميريت السيد

07:00 م الإثنين 21 سبتمبر 2026

لم تكن الهزة المالية الأخيرة التي شهدتها الأسواق التركية مجرد حدث عابر في شاشات التداول، بل هي جرس إنذار حقيقي يعيد تسليط الضوء على المعادلة المعقدة التي يعيشها الاقتصاد التركي. أمام خطر "تأثير الدومينو" الذي قد يعصف بالمنظومة المالية كاملة، في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية اتخذت السلطات قراراً يوصف بالـ "قيصري"؛ حيث أمرت بتعليق التداول وتصفية 131 صندوقاً استثمارياً بحجم أصول يتجاوز 21 مليار دولار تديرها 7 شركات لإدارة المحافظ (في مقدمتها شركتي "تيرا" و"بوصلة").

تأتي اضطرابات السوق في وقت حرج لوزير المالية محمد شيمشك، الذي يقود برنامجًا لإعادة بناء المصداقية الاقتصادية الدولية لتركيا. © جلال غونيش

تراجع مؤشر بيست 100 التركي القياسي بأكثر من 8% هذا الأسبوع © EPA-EFE

فخ السيولة في بيئة متشددة

يعيش الاقتصاد التركي حالياً تحت وطأة سياسة نقدية متشددة للغاية، حيث تبقي السلطات على أسعار الفائدة عند مستوى مرتفع يبلغ 37% كأداة رئيسية لمكافحة التضخم المزمن المستقر حول 31.5%. في هذه البيئة ذات الفائدة المرتفعة، تصبح السيولة النقدية "عزيزة" ومكلفة للغاية.

عندما أدخلت هيئة أسواق المال تعديلات تحد من مرونة الأسهم ضعيفة التداول، لم تضع في الحسبان "سيكولوجية الجماهير" في الأسواق المالية. التدافع الذعري للمستثمرين (Bank Run) لاسترداد أموالهم وضع الصناديق في فخ عدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها، ولضمان عدم انهيار قيم هذه الأصول أثناء التصفية، تدخلت الدولة مباشرة وأسندت الإشراف الكامل على هذه الصناديق المتعثرة إلى اثنين من عمالقة القطاع المصرفي: بنك زراعات الحكومي (Ziraat Bankasi) وبنك إيش التركي (Is Bankasi).

الرسائل السياسية وراء إلغاء ترخيص "بنك ملت"

لا يمكن قراءة المشهد المالي التركي الراهن بمعزل عن السياسة الدولية. إن خطوة إلغاء ترخيص فرع "بنك ملت" الإيراني في إسطنبول بالتزامن مع أزمة الصناديق، تحمل رسالة واضحة للأسواق الغربية ولوزارة الخزانة الأمريكية.

تركيا، التي تحاول جاهدة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتخفيف الضغط على عملتها، لا يمكنها تحمل رفاهية الدخول في مواجهة مع نظام العقوبات الأمريكية. لذا، جاءت التضحية بالوجود المصرفي الإيراني كخطوة براغماتية لحماية سمعة النظام المصرفي التركي ككل.

هندسة الإنقاذ: هل تنجح المسكنات؟

أظهر البنك المركزي التركي سرعة استجابة ممتصاً الصدمة عبر ضخ مئات المليارات من الليرات كقروض طارئة للبنوك وتخفيف قيود التداول بالهامش. هذا "الهندسة المالية الطارئة" نجحت بالفعل في وقف النزيف ودفعت أسهم البنوك للارتفاع مجدداً بنسبة 8%.

ومع ذلك، تظل هذه الخطوات بمثابة "مسكنات عاجلة" لأعراض المرض وليس للمرض نفسه. إن الأزمة الحقيقية تكمن في كيفية إدارة قنوات السيولة في اقتصاد يعاني من فجوة تضخمية واسعة.

ويمكن تلخيص تأثير هذه الأزمة على الليرة في النقاط والمحاور التالية:

1. الضغط الفوري وموجة بيع الأصول (المرحلة الأولى)

• الهروب نحو الدولار: مع بدء تجميد وتصفية الصناديق الـ 131 وتراجع بورصة إسطنبول بأكثر من 5% في جلسة واحدة، سادت حالة من الذعر بين المستثمرين (خاصة الأجانب والمحليين الكبار). هذا الخوف دفع الكثيرين إلى تسييل أصولهم بالليرة والتحول نحو العملات الأجنبية الصعبة (الملاذات الآمنة) كالدولار واليورو، مما فرض ضغطاً فورياً وهبوطاً في قيمة الليرة.

• ارتفاع تكلفة التحوط: زادت تكلفة عقود التحوط ضد مخاطر تخلف تركيا عن السداد (CDS)، مما يعكس تراجع ثقة المستثمرين في استقرار العملة المحلية على المدى القصير.

2. ضخ السيولة الهائل وتأثير التضخم (المرحلة الثانية)

• معضلة طباعة النقد: التدخل العاجل للبنك المركزي التركي (TCMB) لإنقاذ القطاع المصرفي تضمن ضخ سيولة ضخمة بالعملة المحلية (عبر رفع تمويل الريبو إلى 300 مليار ليرة وتوسيع حدود الاقتراض للبنوك بمقدار 10 أضعاف).

• الأثر العكسي: رغم أن هذا الإجراء حمى البنوك من الإفلاس وجفاف السيولة، إلا أن زيادة المعروض النقدي من الليرة التركية في الأسواق في وقت قصير يمثل وقوداً إضافياً للتضخم. هذا التناقض يضعف القوة الشرائية للعملة التركية ويقلل من جاذبيتها كأداة للادخار.

3. الجانب الإيجابي: دور الفائدة المرتفعة ومحاصرة الأزمة

• حائط الصد الاقتصادي: حافظت أسعار الفائدة الحالية المرتفعة للغاية (37%) على منع انهيار كامل وحاد للعملة؛ حيث لا تزال هذه الفائدة المغرية تجذب بعض رؤوس الأموال وتحفز المودعين على إبقاء أموالهم بالليرة بدلاً من التخلي عنها بالكامل.

• ارتداد مؤشر البنوك: تعافي أسهم البنوك بنسبة 8% بعد حزم الإنقاذ أعطى إشارة إيجابية للأسواق بأن الأزمة "محتواة وموضعية" وليست هيكلية في كامل النظام المالي، مما ساهم في تهدئة وتيرة هبوط الليرة وتحقيق استقرار نسبي مؤقت.

4. سحب ترخيص البنك الإيراني والتحول الإيجابي غير المباشر

• تفادي العقوبات الأمريكية: خطوة إلغاء ترخيص "بنك ملت" الإيراني في إسطنبول لحماية البنوك التركية من العقوبات الثانوية الأمريكية، تركت أثراً إيجابياً غير مباشر على الليرة؛ حيث أرسلت إشارة للمستثمرين الغربيين بأن تركيا حريصة على البقاء داخل المنظومة المالية العالمية الممتثلة للقوانين الدولية، مما قلل من مخاطر حدوث خروج جماعي مفاجئ لرؤوس الأموال الأجنبية (Capital Flight) والذي كان سيعصف بالليرة تماماً لو فرضت عقوبات.

خاتمة

لقد أثبتت التجربة الأخيرة أن القطاع المصرفي التركي يمتلك مرونة كافية للتحرك تحت الضغط، وأن البنوك الكبرى (الحكومية والخاصة) قادرة على لعب دور "صمام الأمان". لكن الدرس الأهم من هذه الأزمة هو أن القوانين التنظيمية في أوقات التشدد النقدي يجب أن تطبق بمشرط الجراح لا بمطرقة البناء؛ فالأسواق المالية لا ترحم، وثقة المستثمر التي تضيع في جلسة تداول واحدة، قد يستغرق استردادها سنوات.

merit.alsayed@gmail.com

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان