إعلان

رسالة مفتوحة إلى الدكتور عبدالعزيز قنصوة (2-3)

محمد لطفي

كتب - محمد لطفي

10:15 م الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

في الرسالة الأولى من هذه السلسلة، تحدثنا عن أزمة المعهد العالي للنقد الفني وضرورة إعادة بناء معاييره من الداخل: مناهج، ولوائح، وكفاءات.

وإذا كانت تلك الرسالة قد طرحت السؤال «كيف تُدار مؤسسة ثقافية حين تنحرف عن فلسفتها التأسيسية؟»، فإن هذه الرسالة تطرح السؤال المقابل: كيف تبدو الإدارة الثقافية حين تعمل كما يجب أن تعمل؟ الإجابة، كما سنرى، قد تكون قريبة منك جغرافيًا أكثر مما تتصور: خلف الجامع الأزهر الشريف، حيث يقف «بيت الست وسيلة» الأثري.

يقف هذا المبنى، الذي تحوّل منذ سنوات إلى ما يُعرف بـ«بيت الشعر العربي» التابع لصندوق التنمية الثقافية، في قلب القاهرة الفاطمية.

هذا المكان ليس مجرد مبنى تاريخي يعود بناؤه إلى القرن السابع عشر الميلادي، بل هو كيان ثقافي فاعل يقدّم نموذجًا مختلفًا في الإدارة الثقافية، ويخوض معركةً مباشرة ضد موجات الردة الثقافية والإبداعية التي تكرّسها جوائز ومسابقات الأثرياء العرب.

نموذج إداري مختلف: الثقافة كفعلٍ لا كوظيفة


يقدّم بيت الشعر العربي نموذجًا في الإدارة الثقافية يقوم على ثلاثة أعمدة؛ الاستمرارية، والانفتاح على الجديد، والمواجهة المباشرة للردة الإبداعية.

فالإدارة الثقافية هنا ليست منصبًا بيروقراطيًا يُدار بالتعليمات، بل هي فعلٌ يومي متصل.

ومنذ تولّى الشاعر سامح محجوب إدارته، تحوّل البيت من مكانٍ للقراءات المتفرقة إلى مؤسسة تعمل على مدار العام، ببرامج ممتدة لا تنقطع بانتهاء فعالية أو موسم.

هذا النموذج يختلف جذريًا عن إدارة ثقافية «المناسبات» التي تظهر في المعارض والمهرجانات ثم تختفي.

أما الانفتاح على الكتابات الجديدة، فيتجلى في ملتقى بيت الشعر العربي للنص الجديد، الذي قدّم للحياة الثقافية، بحسب بيانات البيت نفسه، 120 شاعرًا شابًا تحت سن الأربعين في دورتين فقط.

هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء في كتيّب، بل أصواتًا نُشرت دواوينها، ونُوقشت تجاربها، ودخلت دائرة الضوء النقدي.

إلى جانب ذلك، تم تدشين منتدى بيت الشعر العربي لمناقشة الإصدارات الحديثة للشعراء المصريين والعرب، مما يجعل الكتاب الجديد حاضرًا في قلب الحركة الثقافية لا مؤجلًا إلى معرض سنوي.

حلقة القاهرة النقدية: اشتغالٌ على الوعي لا على الاحتفال


من أبرز ما يميز هذا النموذج حلقة القاهرة النقدية، التي ناقشت على مدار عامين المشاريع النقدية لثمانية عشر ناقدًا مصريًا، في مبادرة غير مسبوقة في العمل الثقافي.

فالنقد ليس ترفًا، بل هو الذي يحمي الإبداع من التسطيح والانحدار، والاشتغال على النقد يعني الاشتغال على المناعة الثقافية نفسها، أي على قدرة المشهد على تمييز الجيد من الرديء، والجاد من التجاري.

هنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي يواجهه بيت الشعر العربي فعلاً؟

يواجه موجات الردة الثقافية والإبداعية التي تكرّسها جوائز ومسابقات الأثرياء العرب.

هذه الجوائز، التي تُمنح غالبًا بمعايير غامضة أو بمزاج شخصي أو بعلاقات نفعية، أنتجت ظاهرة خطيرة: شاعرٌ يُصنع بالمال لا بالتجربة، ونصٌّ يُتوَّج لأنه يناسب ذوق ممولٍ لا لأنه يضيف للغة أو للوعي. النتيجة أن كثيرًا من الشعراء الشباب توجّهوا نحو «الشعر الذي يُرضي الجوائز»، فتراجعت التجربة الحقيقية لصالح النص المطاوع.

بيت الشعر العربي يواجه هذه الموجة بثلاث أدوات:

أولًا: استعادة الرموز الشعرية المصرية والعربية على مدار أربعة أعوام. فإعادة الاعتبار لشعراء مثل صالح الشرنوبي، وأحمد فتحي «شاعر الكرنك»، وسيد حجاب، ليست نوستالجيا، بل إعادة تثبيت لمعايير الجدّة والعمق، فحين يتم الاحتفاء بهؤلاء في مكانٍ رصين، تكون الرسالة واضحة؛ الشعر ليس ما يُتوَّج في مسابقات الترفيه، بل ما يصمد في الذاكرة.

ثانيًا: الاحتفاء بالنص الجديد دون وصاية، عن طريق تقديم 120 شاعرًا تحت الأربعين في دورتين، وهو ما يعني أن البيت لا ينتظر إذن الجوائز الخاصة ليكتشف المواهب، بل يبني مساره الخاص بالكشف والدعم والنشر والنقاش.

ثالثًا: الإصرار على الجمهور. وتشير متابعات فعاليات البيت إلى إقبال جماهيري لافت مقارنة بمساحات مشابهة، وهو مؤشر، وإن لم يكن رقمًا موثقًا رسميًا، على أن الجمهور موجود إذا وُجدت المنصة الجدية. والردة الثقافية تنمو في الفراغ؛ فحين يُملأ الفراغ بفعلٍ ثقافي حقيقي، ينحسر تأثير المال على المعايير.

سامح محجوب.. إدارةٌ تعرف معنى المعركة


الشاعر سامح محجوب، الذي يتولى إدارة بيت الشعر العربي، ليس وجهًا إداريًا فقط. تخرّج في كلية دار العلوم، وحاز جوائز أدبية منها درع أمير الشعراء أحمد شوقي، وجائزة البابطين، وجائزة أثير للشعر العربي. له دواوين منها «لا شيء يساوي حزن النهر» و«الحفر بيد واحدة» و«مجاز الماء».

عمل مديرًا لمركز سعد زغلول الثقافي، ونائبًا لمدير مركز النقد والإبداع بمتحف أحمد شوقي، ثم عمل في الإعلام قبل أن يعود إلى العمل الثقافي.

هذه الخلفية المزدوجة، الشعرية والإدارية، تجعله يفهم أن المعركة ليست على المناصب، بل على المعايير. ومن يدير بيت الشعر العربي اليوم يخوض معركةً مزدوجة: معركة إثبات أن الثقافة يمكن أن تُدار بكفاءة، ومعركة حماية الذوق العام من الانحدار الذي تُموّله جوائز الأثرياء العرب.

هل يصلح نموذج بيت الشعر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب؟


معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس حدثًا عاديًا؛ إنه أكبر تجمع ثقافي في مصر والعالم العربي، بما يحمله ذلك من تعقيدات لوجستية وعلاقات مع مئات الناشرين وجهات دولية، وهي تحديات تفوق في حجمها إدارة بيت شعري واحد مهما بلغ نجاحه. وأي مقارنة بين الموقعين لا بد أن تأخذ هذا الفارق في الاعتبار قبل أي حكم.

مع ذلك، فإن التجربة التي راكمها سامح محجوب تطرح نفسها كأحد النماذج الجديرة بالنظر عند التفكير في إدارة المعرض، لأسباب منها:

1. خبرة فعلية في إدارة مؤسسة ثقافية كبرى: ما حققه في بيت الشعر العربي من استقطاب جماهيري وجذب شعراء ونقاد من مختلف الدول العربية خلال فعاليات المعرض.

2. فهم للشعر والشعراء العرب: شبكة علاقات ثقافية واسعة يمكن أن تُثري المعرض بأسماء مؤثرة.

3. رؤية تجديدية غير منغلقة: انحيازه للحداثة العربية، ودعمه للأصوات الشابة، واهتمامه بالعامية المصرية والفصحى معًا.

4. استعداد للمواجهة: الرجل الذي يقف في وجه الردة الثقافية في بيت الشعر قادر على أن يجعل من المعرض منصةً للمعايير لا للسوق.

إن معرض القاهرة الدولي للكتاب، في ظل المنافسة الثقافية الإقليمية، يحتاج إلى إدارة تدرك أن الكتاب ليس سلعة تُعرض، بل هو جزء من مشهد ثقافي متكامل. وسامح محجوب، بما يمتلكه من تجربة في الجمع بين الشعر والإدارة، يمكن أن يقود المعرض نحو آفاق جديدة.

وبيت الشعر العربي في القاهرة ليس مجرد مبنى أثري، بل هو ذاكرة حيّة ونموذجٌ في الإدارة الثقافية. وإذا كانت رسالتنا الأولى إليك، دكتور قنصوة، قد تحدثت عن مؤسسة تحتاج لإصلاح عاجل، فإن هذه الرسالة تقول: النموذج البديل موجود بالفعل، ويعمل، وربما تستحق تجربته أن تُدرس عن قرب قبل أن تُستنسخ أو تُستدعى في مواقع أخرى من المشهد الثقافي.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان