متى ينفجر البلقان؟
كانت الجنازة الشعبية التي أُقيمت لمجرم حرب البوسنة «ميلاديتش»، من أطلق عليه لقب «جزار البوسنة»، هي المفجّر الحقيقي لنيران الكراهية في منطقة البلقان بعد أكثر من ثلاثين عامًا على انتهاء حرب البوسنة، خاصة مع حضور ستة وزراء لتلك الجنازة، ومعهم نجل الرئيس الحالي لصربيا، فوتشيتش، لها، بالإضافة إلى قيامه بتعزية أبناء مجرم الحرب هاتفيًا.
الحرب التي انتهت من خلال اتفاق دايتون للسلام، ومهندسه الدبلوماسي الأمريكي المخضرم ريتشارد هولبروك، حيث تم تقسيم الجمهورية إلى ثلاثة كيانات فيدرالية: الأول جمهورية صرب البوسنة، وعاصمتها بانيالوكا، وتمثل 48% من مساحة دولة البوسنة. ويقسم تلك الجمهورية كيان برتشكو المستقل، والذي يمثل 1% من مساحة البوسنة، وهو كيان تتحكم به الحكومة المركزية، وأُنشئ بشكل واضح لمنع اتصال جمهورية صرب البوسنة ببعضها البعض، منعًا لأي محاولة لاحقة للاستقلال أو الانضمام لدولة صربيا. والكيان الثالث هو فيدرالية البوسنة والهرسك، وتشمل 51% من جمهورية البوسنة، ويضم السكان المسلمين البوشناق والكروات.
يجمع كل تلك التقسيمات مجلس رئاسي من ثلاثة أعضاء: صربي وكرواتي ومسلم، يتبادلون رئاسة هذا المجلس بشكل مستقر منذ عام 1995.
ما أعاد تأجيج المشاعر القومية والتهديدات بالبوسنة كانت الجنازة الرسمية التي أقامتها الدولة الصربية لراتكو ميلاديتش، الذي قام بعمليات تطهير عرقي ومجازر بحق السكان البوشناق أثناء الحرب، وحُكم عليه من قبل المحكمة الجنائية الدولية بالسجن المؤبد، حيث توفي في محبسه.
ورأت الدولة الصربية أنه أحد أبطال الجيش الصربي، الأمر الذي أثار حفيظة الدولة البوسنية، التي اعتبرت ذلك إهانة لها، وقامت بطرد عدد من الدبلوماسيين الصرب وخفضت من عدد دبلوماسييها بسفارتها في بلجراد، خاصة مع دفاع الرئيس الصربي الحالي ألكسندر فوتشيتش عن جنازة ميلاديتش وأحداثها، وهو السياسي ذو الخلفية الراديكالية القومية، والذي كان يدعم العمليات العسكرية الصربية في البوسنة، بل وكان موجودًا في الخطوط الأمامية أثناء حصار سراييفو، مما أدى لخروج بعض الأصوات التي تتهمه بالمشاركة في رحلات قنص للمدنيين في سراييفو، وهو الأمر الذي نفاه بشدة، معللًا تواجده بقيامه بالتغطية الإعلامية للحرب آنذاك.
تتناسق تلك الأحداث مع قيام قادة ورئيس جمهورية صربسكا بزيارات متعددة للدولة العبرية، رغبة منهم في حشد وضمان تأييد اللوبي الإسرائيلي في أمريكا لرغبتهم في الانفصال عن البوسنة والانضمام لصربيا، لتحقيق حلم صربيا الكبرى الذي ذُبح من أجله الآلاف من البوشناق المسلمين، والذي يصر متطرفو الصرب على تحقيقه، رغم أن هذا الأمر لن تسمح به القوى الإقليمية، سواء من الكروات أو حتى جمهورية الجبل الأسود، التي قد يبتلعها حلم صربيا الكبرى كخطوة لاحقة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع