مصر أمام معادلة جديدة في باب المندب
تشهد التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة ذات أبعاد استراتيجية عميقة، حاملةً معها تحولات ميدانية تعيد صياغة المشهد الجيو-اقتصادي وتؤثر في حركة الملاحة الدولية على نحو لافت؛ ولعل أكثر هذه التحولات خطورة وحساسية هو نجاح الحوثيين في بسط سيطرتهم الميدانية والعسكرية المباشرة على طول الشريط الساحلي لليمن، ووصولهم إلى مضيق باب المندب والمناطق الحيوية المحيطة به، بما في ذلك مدينة المخا التاريخية، ومنطقة "ذو باب"، بالإضافة إلى جزر استراتيجية حاكمة مثل جزيرة ميون (بريم) وجزيرتي "حنيش وزُقر".
هذا التحول الميداني يضع القاهرة أمام واقع استراتيجي مغاير، وينقل طبيعة التحديات الأمنية في البحر الأحمر من حيز "التهديدات الأمنية غير المتماثلة" عبر الصواريخ والمسيرات "عن بُعد"، إلى مربع السيطرة الجغرافية والإشراف العسكري المباشر والتحكم في النطاق الجغرافي لواحد من أهم ممرات الملاحة البحرية والطاقة في العالم.
إن الوجود الحوثي الجديد في نقاط مثل جزيرة "ميون"، التي تشطر المضيق إلى قناتين ملاحيتين، والسيطرة على جزر حنيش وزُقر، يمنح الجماعة أفضلية استراتيجية بالغة الأهمية. عسكرياً، تعني هذه السيطرة تحويل هذه الجزر والمناطق الساحلية إلى منصات مراقبة، رصد، وإنذار مبكر متقدمة، قادرة على التأثير المباشر في وتيرة حركة السفن والناقلات، مما يجعل "عنق الزجاجة" للبحر الأحمر معبراً محكوماً بحسابات ميدانية وسياسية جديدة تستوجب مراجعة خطط التأمين الشاملة.
من المنظور الاستراتيجي للقاهرة، يمثل هذا التطور تهديداً مباشراً يمس معادلات الأمن القومي المصري؛ فمضيق باب المندب يشكل تاريخياً وعملياً العمق الاستراتيجي الحاكم للمصالح الحيوية والسيادية لمصر، وأي خلل أو تهديد مستدام لأمن الملاحة فيه ينعكس فوراً على حركة العبور في قناة السويس.
إن تحول السيطرة العسكرية للحوثيين على المضيق إلى "أمر واقع طويل الأمد" قد يدفع شركات الملاحة الكبرى لاعتماد مسار رأس الرجاء الصالح كسياسة دائمة وليست مؤقتة، مما يتسبب ليس فقط في تراجع مستمر ومقلق لعائدات قناة السويس من النقد الأجنبي، وإنما في الإضرار بمكانتها اللوجستية كممر حيوي لا غنى عنه للتجارة الدولية.
في ذات الوقت فإن استمرار التهديد يبرر الوجود العسكري المكثف للقوى الدولية والأساطيل الأجنبية. ولا شك أن مسار عسكرة وتدويل البحر الأحمر يرفع من الكلفة الاقتصادية الباهظة ومستوى التحديات الأمنية لدول المنطقة، كونه يزيد من احتمالات الانجرار لمواجهات استنزاف إقليمية مفتوحة، وتعريض الملاحة في البحر الأحمر للتوقف التام لفترة طويلة.
مصر، التي خاضت معارك دبلوماسية واقتصادية لتثبيت مكانة قناة السويس كشريان لا غنى عنه للتجارة العالمية، تجد نفسها اليوم أمام واقع يتطلب إدارة دبلوماسية وأمنية مرنة، وتحركاً حذراً يقوم على صيانة المصالح الوطنية دون الانجرار إلى صراعات المحاور الإقليمية.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع