إعلان

من عبد الناصر إلى السيسي.. مصر تعرف قيمة فنانيها

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

07:00 م الخميس 10 سبتمبر 2026

هناك لحظة يصل فيها الغضب إلى مرحلة لا يعود معها الصمت فضيلة، ولا يصبح السكوت حكمة، وإنما يتحول إلى نوع من التواطؤ مع الخطأ. وأنا اليوم غاضب، وغاضب جدًا، لأن ما يحدث مع بعض فناني مصر لم يعد مجرد نقد، ولم يعد مجرد اختلاف في الرأي، ولم يعد حتى مجرد تجاوز عابر على صفحات التواصل الاجتماعي، وإنما أصبح في بعض الأحيان حملة ممنهجة على الإنسان نفسه، على تاريخه، وعلى كرامته، وعلى حياته الخاصة، وكأن الشهرة سلبت الفنان حقه في أن يكون إنسانًا، وكأن وقوفه أمام الكاميرا أسقط عنه كل حقوقه خارجها.

اتركوا فناني مصر وشأنهم.

وأقولها لهؤلاء الذين جعلوا من حياة الفنانين سلعة، ومن أسرارهم مادة للفرجة، ومن أعمارهم وأمراضهم وأوجاعهم وأسرهم وسيلة للحصول على «لايك» أو مشاهدة: اتركوا فناني مصر وشأنهم. ليس من حق أحد أن يحوّل الفنان إلى فريسة، وليس من حق أحد أن يقتطع من حياته ما يشاء ثم يضعه على منصة التشهير، وليس من حق أحد أن يقرر أن كل صورة قديمة تصلح لأن تكون مادة للتشهير، وكل تصريح مبتور يصلح لأن يكون معركة، وكل لحظة ضعف تصلح لأن تكون «تريندًا».

الفنان المصري ليس ملكًا لأحد. والشهرة ليست صكًا بإهدار الكرامة. والجمهور الذي أحب الفنان لا يعني أنه اشترى حياته الخاصة معه.

والوطنية ليست كلمة تُرفع في الخطب، ولا شعارًا يُكتب على صورة، ولا اتهامًا جاهزًا نُلصقه بمن نختلف معه. الوطنية سلوك، واحترام، ومسؤولية، وحفاظ على كل ما صنعته مصر بجهد أبنائها. والفنان واحد من هؤلاء الذين حملوا اسم مصر إلى الناس، وقدموا صورتها ووجدانها ولهجتها وملامحها إلى أجيال عربية كاملة.

ولذلك فإن احترام الفنان المصري ليس مجاملة لشخص، وإنما احترام لجزء من تاريخ الوطن وذاكرته وقوته الناعمة. وإذا أردتم مني جملة أكثر حدة، فسأقولها بلا تردد: من يهين فناني مصر عمدًا من أجل المشاهدة والتريند، يتصرف بمنطق من يعادي قيمة مصر الناعمة، وكأن فنانينا خصوم يجب اصطيادهم، لا رموزًا صنعت جزءًا من وجدان هذا البلد.

ولست أنا من يقرر قيمة الفنان المصري من عنده؛ التاريخ نفسه يقول ذلك. منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كانت الدولة تعرف أن الفن قوة من قوى مصر الناعمة، وأن الفنان يستطيع أن يصل إلى قلب المواطن بطريقة قد تعجز عنها الخطب والبيانات. وتشير مصادر صحفية وتوثيقية إلى أن عبد الناصر كرّم رموزًا كبيرة مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، إدراكًا لقيمة الفن ودوره في تشكيل الوجدان الوطني.

ثم جاء الرئيس الراحل أنور السادات، الذي لم يكتفِ بتقدير الفنانين، وإنما جعل للفن عيدًا رسميًا. ففي عام 1976 انطلق «عيد الفن»، ووقف السادات أمام الفنانين والكتاب والمفكرين معلنًا أن الاحتفال بالفن هو في الحقيقة احتفال بمصر وبالقيم الإنسانية العليا. ولم تكن المسألة مجرد كلمات احتفالية؛ فقد جرى تكريم فنانين ومنح جوائز وشهادات تقدير، واتُخذت إجراءات لصالح حقوق الفنانين والمبدعين.

أي دولة هذه التي كان رؤساؤها يدركون قيمة الفنان، ثم يأتي اليوم من يعتقد أن إهانة الفنان بطولة؟ أي زمن هذا الذي أصبح فيه من يضحك على مرض فنان أو شكله أو سنه أو أسرته قادرًا على أن يصف نفسه بأنه «صانع محتوى» ثم يطالبنا بأن نصفق له لأنه جمع مليون مشاهدة؟

المليون مشاهدة لا تصنع قيمة. والتريند لا يصنع شرفًا. واللايكات لا تمنح صاحبها شهادة في الأخلاق. والانتشار ليس مرادفًا للمهنية.

ثم تعالوا إلى الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك، الذي قد يختلف الناس حول سياساته ومواقفه، لكن الوقائع لا تحتاج إلى مزايدة. عندما عُرض فيلم «أيام السادات» عام 2001، وهو الفيلم الذي جسد فيه أحمد زكي شخصية السادات، وشاركت فيه ميرفت أمين ومنى زكي، شاهد مبارك العرض الخاص، ثم كُرّم نجوم الفيلم وصنّاعه؛ فمنح أحمد زكي ومحمد خان وأحمد بهجت وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ومنح ميرفت أمين ومنى زكي الوسام من الطبقة الثانية.

هل تفهمون معنى هذه الواقعة؟ رئيس جمهورية يشاهد عملًا فنيًا يجسد رئيسًا سابقًا، فيقدّر العمل ويكرّم الفنانين الذين صنعوه. هذا هو احترام الفن. وهذا هو معنى أن تكون الدولة واعية بقوتها الناعمة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد شهدت السنوات التالية لقاءات وتكريمات للفنانين، ثم عادت الدولة إلى إحياء «عيد الفن» بعد غياب طويل، وفي احتفالية عام 2014 جرى تكريم عدد من رموز الإبداع ومنحهم أوسمة الجمهورية للعلوم والفنون.

واليوم، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا تزال الدولة تقيم مناسبات رسمية للاحتفاء بالمبدعين؛ ففي يناير 2026 أُقيمت النسخة الثانية من «عيد الثقافة» برعاية الرئيس، وشملت تكريم عدد من رموز الفن والموسيقى والفكر والثقافة، باعتبارهم جزءًا من صناع الهوية المصرية.

ولعل من أحدث الشواهد على تقدير الدولة لدور الفنان، ما حدث في مسلسل «الاختيار 3»، حين جسّد الفنان ياسر جلال شخصية الرئيس عبد الفتاح السيسي في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر.

لم يكن الأمر مجرد اختيار فنان لتجسيد شخصية رئيس جمهورية، وإنما كان تكليفًا فنيًا يحمل قدرًا كبيرًا من المسؤولية؛ فالفنان هنا لم يقدم شخصية عابرة، بل أدى دور شخصية سياسية ما زالت حاضرة في الواقع، وكان عليه أن يقترب من تفاصيلها وحضورها وطريقة حديثها في عمل درامي يتناول أحداثًا فارقة في تاريخ الوطن.

وكان اختيار الفنان ياسر جلال وتقديمه للشخصية دليلًا آخر على أن الدولة المصرية تنظر إلى الفن باعتباره قادرًا على توثيق اللحظة وصياغة الذاكرة العامة، وأن الفنان ليس خصمًا للدولة ولا عدوًا لها، وإنما يمكن أن يكون شريكًا في تقديم صورة مصر وتاريخها وقياداتها إلى الأجيال.

فالفنان ياسر جلال حظي بثقة كبيرة في أداء شخصية الرئيس السيسي، بينما يأتي البعض اليوم ليعامل الفنان المصري وكأنه شخص بلا قيمة، أو كأنه هدف مشروع لكل من يريد أن يصنع «تريندًا» من حياته الخاصة.

أي تناقض هذا؟ الدولة تفتح للفنان بابًا ليجسد شخصية رئيس الجمهورية، بينما تفتح بعض الصفحات أبوابًا أخرى للنيل من الفنان نفسه. الدولة ترى في الفن قوة ناعمة، وهم يرون فيه مادة سهلة للاستهلاك.

إذن، من عبد الناصر إلى السيسي، ظل هناك إدراك بدرجات مختلفة لحقيقة لا يستطيع أحد إنكارها: الفن المصري ليس ترفًا. الفن المصري تاريخ. الفن المصري ذاكرة. الفن المصري قوة ناعمة. الفن المصري صورة مصر أمام العرب والعالم.

والفنان الذي أسعد الناس نصف قرن لا يجوز أن يتحول في لحظة إلى مادة للسخرية لأن صفحة تريد أن تحقق انتشارًا. والوطنية الحقيقية تقتضي أن نحافظ على هذه القوة الناعمة، لا أن نهدمها بأيدينا.

فإذا كانت مصر قد صنعت عبر عقود مدرسة فنية تركت أثرها في العالم العربي، فمن العبث أن نسمح اليوم لمن يبحث عن المشاهدة السريعة بأن يحول رموز هذه المدرسة إلى مادة للتندر والإهانة.

من يحب وطنه لا يسيء إلى صورته، ومن يحترم تاريخ بلده لا يحوّل أبناء هذا التاريخ إلى فرائس سهلة في سوق المشاهدات.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن هذه المهزلة. الفنان عندما يغلق بابًا في وجه برنامج أو صفحة أو وسيلة إعلام، لا يعني أنه يكره الصحافة والإعلام. قد يكون ببساطة قد تعب.

وعندما يرفض أن يتحدث عن مرضه، فهذه ليست جريمة. وعندما يرفض أن يتحدث عن أسرته، فهذه ليست إهانة للإعلام. وعندما يرفض الإجابة عن سؤال شخصي، فليس من حق أحد أن ينتقم منه بتحويل حياته إلى مادة للتشهير.

الباب اللي يجيلك منه الريح.. سده واستريح. هكذا قال المصريون منذ زمن بعيد، لأنهم يعرفون أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج إلى معركة جديدة، وإنما يحتاج فقط إلى أن يغلق الباب.

لكن ماذا يفعل البعض؟ إذا أُغلق الباب، ذهبوا إلى الشباك. وإذا أُغلق الشباك، فتشوا عن ثقب في الحائط. وإذا لم يجدوا ثقبًا، اخترعوا قصة.

هذه ليست صحافة ولا إعلام. هذا اقتحام. هذا ليس نقدًا. هذا تنكيل. هذا ليس اهتمامًا بالجمهور. هذه متاجرة بالجمهور.

وأقول لمرتزقة اللايكات والمشاهدات: أنتم لا تملكون حق تحويل أعمار الناس إلى مادة للفرجة. ليس من الرجولة أن تضحك على إنسان تقدم به العمر. ليس من المهنية أن تتاجر بمرض إنسان. ليس من الأخلاق أن تستخدم أبناء الفنان وأسرته في تصفية حسابات مع شخص مشهور. وليس من الوطنية أن تهدم قيمة فنان مصري من أجل عنوان رخيص.

وإذا كان الفنان أخطأ، فليُنتقد. وإذا ارتكب مخالفة، فليحاسب. وإذا قدم عملًا ضعيفًا، فقولوا إنه ضعيف. لكن اتركوا الإنسان خارج غرفة التعذيب الإلكتروني التي صنعتموها.

نحن لا نطالب بحصانة للفنانين. نطالب بالعدل. لا نطالب بمنع النقد. نطالب بمنع الإهانة. لا نطالب بإسكات الصحافة والإعلام. نطالب بإعادة الصحافة والإعلام إلى مكانهما الطبيعي: الحقيقة أولًا، والإنسان أولًا، والمهنية فوق الإثارة.

وهنا أقولها بوضوح، ولن أتراجع عنها: لن نترك هذه الفوضى تمر وكأنها أمر طبيعي. وإذا استمرت هذه الحملات المنظمة، فسوف يتم تصعيد الأمر إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتباره الأب وكبير العائلة، لوضع هذه الظاهرة أمام المسؤولين، والتصدي لما أسميه «كيان مرتزقة اللايكات والمشاهدات» وكل من يستخدم المنصات الرقمية لهدم رموز مصر وتشويه صورتها. كما أطالب بمواجهة أي لجان إلكترونية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين أو غيرها إذا ثبت تورطها في استهداف الفنانين والمفكرين والمثقفين والمبدعين، فمصر أكبر من أن تُترك فريسة للفوضى الإلكترونية أو لمن يتخذون من التشهير وسيلة للابتزاز وصناعة التريند.

وأقول لوزير الدولة للإعلام ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: تصدوا لهذه الفوضى العارمة، واحموا رموزنا من الفنانين والمفكرين والمثقفين والمبدعين، لا بمنع النقد ولا بإسكات أحد، وإنما بتطبيق القانون ووضع حدود واضحة بين حرية الرأي وبين التشهير والإهانة وانتهاك الخصوصية. نحن لا نطلب امتيازات لأحد، وإنما نطلب أن يكون القانون هو الحكم، وأن تكون المؤسسات هي صاحبة الاختصاص، لا صفحات مجهولة ولا لجان إلكترونية ولا أشخاص نصبوا أنفسهم أوصياء ورقباء على الناس.

المشكلة في النهاية ليست أن يختلف الناس مع الفنان، فاختلاف الرأي حق، ولا أن ينتقدوا عملًا أو موقفًا، فالنقد ضرورة لأي مجتمع حي، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى رغبة في الانتقام، ويتحول النقد إلى مطاردة، ويتحول البحث عن الحقيقة إلى تفتيش في البيوت والذكريات والأوجاع. هنا تحديدًا يجب أن تتقدم المهنية خطوة إلى الأمام، وأن يتراجع العبث خطوة إلى الخلف. فالفنان، مثل أي مواطن، له حق أصيل في أن يختار ما يكشفه للناس وما يحتفظ به لنفسه، ومن حقه أن يقول «لا» عندما يشعر أن السؤال تجاوز حدود المهنة إلى حياته الخاصة. وهذه الـ«لا» يجب أن تُحترم، لا أن تُعاقب بحملة تشهير أو بتصفية حسابات على الشاشات والمنصات.

لقد أصبح الأمر أكبر من فنان هنا أو فنان هناك. نحن أمام سؤال يتعلق بصورة مصر نفسها. هل نريد أن تكون مصر بلدًا يقدّر مبدعيه، أم بلدًا ينهش أبناءه حين يضعفون؟ هل نريد إعلامًا ينتصر للحقيقة، أم صفحات تنتصر للتريند؟ هل نريد نقدًا يرفع مستوى الذوق العام، أم سخرية تهبط بنا إلى قاع الابتذال؟

أنا أختار مصر التي كرّمت أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش. أختار مصر التي صنعت عيدًا للفن. أختار مصر التي كرّمت أحمد زكي وميرفت أمين ومنى زكي ومحمد خان وأحمد بهجت على عمل فني تناول سيرة رئيس مصري. أختار مصر التي ما زالت تحتفي بمبدعيها.

ولا أقبل أن تصبح مصر التي يعرفها العالم بفنها وثقافتها وتاريخها، مجرد ساحة مفتوحة لمرتزقة المشاهدات كي يقتاتوا من أعمار الفنانين ومرضهم وحزنهم.

أما اتهام الناس بالخيانة لمجرد اختلافهم أو نقدهم فليس مقبولًا، لكن من حقنا أن نقول إن من يتعمد تحطيم رموز بلده وإهانة قوته الناعمة من أجل حفنة مشاهدات، إنما يضر وطنه قبل أن يضر الفنان الذي يستهدفه.

فنانو مصر ليسوا فرائس. ليسوا «تريندات». ليسوا صورًا قديمة تنتظر من يبعثها من الموت ليصنع بها ضجة. ليسوا مرضى تستحق آلامهم المشاهدة. ليسوا أسرًا مستباحة. إنهم جزء من ذاكرة مصر.

ومن يهدم ذاكرة بلده من أجل «لايك» لا يحتاج إلى جمهور يصفق له، وإنما إلى وقفة تعيد إليه معنى الكلمة التي نسيها: الوطن.

أما الباب الذي تأتي منه الريح، فقد أغلقه الفنانون لأنهم تعبوا. فلا تبحثوا عن الشباك. ولا تكسروا الباب. واتركوا لهم ما تبقى من عمرهم يعيشونه بسلام.

فمصر التي كرّمت فنانيها لعقود، لا يجوز أن تسمح اليوم بأن يتحولوا إلى صيد سهل في سوق التريند.

احترموا فناني مصر.. قبل أن تسألوا أنفسكم يومًا: ماذا فعلنا بتاريخ بلدنا؟

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان