المجلس الأعلى ونقابة الإعلاميين.. أنقذوا المهنة من الدخلاء
لم أكتب هذا المقال بدافع الانفعال، وإنما بدافع الخوف على مهنة كانت يومًا عنوانًا للثقة، فإذا ببعض المنصات تحاول تحويلها إلى سلعة تُباع وتُشترى. فما شهدناه من نقاش واسع حول واقعة متداولة مؤخرًا لم يكن في نظري سوى جرس إنذار جديد يؤكد أن المشكلة الحقيقية ليست في شخص أو واقعة، وإنما في غياب المهنية لدى بعض المنصات التي تفتح شاشاتها لكل من يرغب في الظهور، دون أن تجعل التحقق من الصفة أو المؤهل أو الخلفية شرطًا أساسيًا قبل أن تمنحه ثقة المشاهد.
قبل فترة كتبت مقالًا بعنوان «الإعلام بين المهنية والمال.. من يوقف فوضى شراء الهواء وضبط المشهد الإعلامي؟»، وحذرت فيه من أن بعض الشاشات تحولت إلى مساحات مفتوحة لمن يدفع، أو لمن يبحث عن شهرة سريعة، أو لمن يختبئ خلف لقب كبير يمنحه بريقًا لا يستحقه. يومها قال البعض إنني أبالغ، لكن ما نشهده اليوم يؤكد أن التحذير كان في محله، وأن ترك الهواء بلا ضوابط مهنية يفتح الباب أمام تضليل المواطن، ويهز ثقة الناس في الإعلام كله.
طوال السنوات الماضية تحدثت مرارًا عن خطورة استضافة أشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم خبراء في مجالات الطب، وعلاج الألم، والتخسيس، ومراكز الإنجاب، ومستحضرات التجميل، والشعر، بل وحتى مروجي الدجل والخرافة، دون أن يكون هناك تدقيق كافٍ في صفاتهم أو مؤهلاتهم. لم يكن اعتراضي على استضافة الضيوف، وإنما على تحويل الشاشة إلى شهادة ثقة مجانية، تمنح المصداقية قبل أن تتحقق ممن يستحقها.
المواطن البسيط لا يعرف ما يدور خلف الكواليس، ولا يعلم كيف تُعد الحلقات، ولا كيف يُختار الضيوف. هو يرى كاميرا، واستوديو، ومذيعًا، وشريطًا تعريفيًا يحمل ألقابًا، فيفترض بحسن نية أن المؤسسة الإعلامية قامت بواجبها، وأن كل ما يُعرض أمامه قد خضع للمراجعة والتدقيق. وهذه الثقة هي رأس مال الإعلام، فإذا ضاعت فلن تعيدها أضواء الاستوديو ولا الحملات الإعلانية.
وللأسف، أصبحت هناك ممارسات تسيء إلى المهنة، إذ يُنظر إلى الظهور الإعلامي أحيانًا باعتباره خدمة يمكن شراؤها، لا استحقاقًا مهنيًا. وقد عُرض عليَّ شخصيًا أكثر من مرة الظهور في برامج مقابل مبالغ مالية تحت عناوين مختلفة، منها ما سُمي صراحة بـ"التلميع الإعلامي". وكان ردي واضحًا: الإعلام الحقيقي لا يُشترى، والاحترام لا يُباع، والمصداقية لا تُدفع قيمتها في فاتورة إعلان.
وهنا تكمن الخطورة. فعندما تتحول الشاشة إلى وسيلة تمنح الانطباع بالثقة دون تحقق، فإنها لا تضر بالمهنة فقط، بل قد تؤثر في قرارات الناس، وفي نظرتهم إلى من يظهر أمامهم. ولهذا فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق المؤسسة الإعلامية، لأنها صاحبة القرار فيمن تستضيف، وبأي صفة تقدمه، وما المعلومات التي تضعها أمام المشاهد.
إن الإعلام ليس سباقًا على عدد الضيوف، ولا منافسة على ساعات البث، ولا تجارة لبيع الهواء. الإعلام رسالة، وأول شروط الرسالة الصدق، وأول قواعد الصدق التحقق. وكل وسيلة إعلامية تتخلى عن هذه القاعدة، فإنها تفرط في أهم ما تملكه، وهو ثقة الجمهور.
ومن هنا، فإنني أوجه نداءً صريحًا إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بأن يواصل دوره في حماية المشهد الإعلامي، وأن يراجع أداء المنصات التي لا تلتزم بأبسط قواعد التحقق، وأن يضع معايير أكثر صرامة بشأن تقديم الضيوف والصفات التي تُنسب إليهم على الهواء، لأن حماية وعي المواطن مسؤولية لا تقل أهمية عن حماية أي مصلحة عامة أخرى.
كما أوجه نداءً إلى نقابة الإعلاميين بأن تواصل الدفاع عن شرف المهنة، وأن تتصدى لكل الممارسات التي تسيء إلى الإعلام المصري، لأن النقابة ليست جهة لإصدار التصاريح فقط، بل هي الحارس الطبيعي لهيبة المهنة، والمدافع الأول عن قيمها وأخلاقياتها.
ولا يقل خطورة عن ذلك أن يطلق بعض الأشخاص على أنفسهم لقب "إعلامي" لمجرد امتلاكهم ميكروفونًا أو قناة على الإنترنت أو برنامجًا محدود الانتشار. فالإعلام ليس لقبًا يُكتب على بطاقة تعريف، ولا صفة يختارها الإنسان لنفسه، وإنما مهنة يحكمها القانون والضوابط المهنية. ومن هنا، فإنني أطالب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين باتخاذ الإجراءات القانونية والمهنية بحق كل من ينتحل صفة إعلامي أو يمارس العمل الإعلامي دون استيفاء الشروط التي يحددها القانون، حمايةً للمهنة، واحترامًا لآلاف الإعلاميين الحقيقيين الذين بنوا أسماءهم بالاجتهاد والالتزام، لا بالادعاء.
إن معركة الدولة اليوم ليست فقط مع الشائعات، وإنما أيضًا مع كل وسيلة تمنح الوهم ثوب الحقيقة. وإذا كانت مؤسسات الدولة تبذل جهودًا كبيرة في مواجهة النصب والاحتيال، فلا يجوز أن توجد منصات إعلامية تمنح، عن قصد أو عن تقصير، مصداقية لمن لم يتم التحقق من صفته أو ادعاءاته. إن حماية وعي المواطن تبدأ من شاشة مسؤولة، ومن إعلام يحترم الحقيقة قبل أن يبحث عن نسب المشاهدة.
إنني لا أطالب بتقييد الإعلام، بل بحمايته من الفوضى. ولا أطالب بإغلاق المنابر، بل بإلزامها بالمعايير التي تحفظ للمهنة هيبتها. فحرية الإعلام لا تعني غياب المسؤولية، والانفتاح لا يعني إسقاط قواعد التحقق، والسبق لا يبرر الاستسهال.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد إعلامًا يحترم عقول الناس، أم شاشات تمنح الوهم ثوب الحقيقة؟ إن الكلمة أمانة، والشاشة مسؤولية، وثقة الناس رأس مال لا يُعوَّض. فإذا أردنا إعلامًا يصنع الوعي، فعلينا أن نغلق أبواب الفوضى، وأن نمنع بيع الهواء تحت أي اسم، وأن نحاسب كل من يسيء إلى هذه المهنة العريقة، لأن الإعلام الحقيقي لا يمنح الأوهام شرعية، بل يكشفها، ولا يصنع الزيف، بل ينتصر للحقيقة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع