قاضٍ بلا منصة.. مسرحية الهيبة المزيفة؟
العدالة هي الحصن الأخير لكل مظلوم، والملاذ الآمن لكل صاحب حق. ومن أجل هيبة "المنصة"، ارتبط اسم القاضي في وجدان الشعوب بالوقار والنزاهة، والترفع عن كل صغائر الأمور.
غير أن النفس البشرية، إذا ما انحرفت عن بوصلتها، وتخلت عن رادع الضمير، قد تنتج لنا غرائب وعجائب يعجز خيال روائيي الدراما عن حبكها. ومن أبرز هذه الظواهر الصادمة، التي تطل علينا بين الحين والآخر من نافذة الجريمة، ظاهرة «القاضي المزيف»؛ ذلك النصاب المحترف الذي يرتدي ثوب العدالة زورًا، ليمارس أبشع أنواع الابتزاز والاحتيال باسم القانون.
لا يولد "القاضي المزيف" صدفة، بل هو نتاج تخطيط دقيق يعتمد كليًا على دراسة نفسية الضحايا. ويعلم هؤلاء المحتالون يقينًا أن المجتمع يرهب السلطة ويقدس رموزها، ومن ثم يستغلون هذه الثغرة النفسية أقصى استغلال.
يبدأ المشهد عادة بإنشاء هالة وهمية من النفوذ والعلاقات الواسعة: مظهر أنيق، سيارة فارهة مظللة الزجاج، عبارات منمقة تُلقى بعناية، وبطاقات تعريفية مزورة تحبس الأنفاس.
لا يحتاج المحتال هنا إلى سلاح ناري، فسلاحه الأقوى هو "الكارنيه المزيف" و"اللسان المعسول"، اللذان يفتحان له أبواب المغفلين، وأحيانًا أبواب الطامعين في تجاوز القانون أنفسهم، حين يبحث الضحية عن "الباطل" فيقع في الفخ.
الجانب الأكثر إيلامًا وعبثية في قضايا "القاضي المزيف" لا يكمن فقط في جرأة المحتال، بل في نوعية الضحايا أحيانًا؛ فكثير من هؤلاء الساقطين في شباك النصب لا يذهبون إلى القاضي الوهمي طلبًا للحق، بل سعيًا وراء "الواسطة"، أو تهربًا من حكم قضائي حقيقي، أو محاولة لتمرير مصلحة بطرق غير مشروعة.
وحين يلتقي الطمع بالاحتيال، تتم الصفقة في ظلام الدلماء؛ فيعدهم "سعادة البيه القاضي المزيف" بحل قضاياهم المعلقة، وإلغاء الأحكام، وتسريع المصالح مقابل مبالغ طائلة تُدفع تحت بند "الأتعاب الاستثنائية" أو "الرسوم الخاصة".
وما إن يقبض النصاب ثمن الوهم حتى يتبخر، تاركًا ضحيته بين حيرتين: ألاعيبه التي لا تنتهي، وخزي التقدم بشكوى رسمية تفضح تورطهم المبدئي في محاولة الالتفاف على القانون.
ولكن عين العدالة الساهرة لا تترك مجالًا للعبث بالمنصة؛ وظهور هذه النماذج الشاذة، رغم خطورتها، يواجه دائمًا بضربات أمنية حاسمة ورادعة من الأجهزة المختصة، التي تقف بالمرصاد لكل متسول يحاول التدليس باسم القضاء الشامخ.
فوزارة الداخلية والأجهزة الرقابية لا تترك خلفها ثغرة لمثل هؤلاء المتبتلين في محراب الوهم، وغالبًا ما تنتهي مسرحياتهم الهزلية في زنزانة الضبط والتحقيق، حيث تصبح "الكلبشات" هي الخاتمة الحتمية لكل من تجرأ على ارتداء عباءة القضاء بغير حق.
العدالة الحقيقية لا تكتفي بضبط الجاني فحسب، بل توجه رسالة مجتمعية بالغة الأهمية؛ وهي أن القضاء المصري العريق مؤسسة منيعة ومنظومة رقمية ومؤسسية محكمة، لا يمكن اختراقها بالبطاقات المزورة ولا بالادعاءات الزائفة.
وليكن الوعي هو خط الدفاع الأول والأخير ضد هؤلاء المحتالين؛ فإن القانون واضح، وطرق التقاضي رسمية ومكشوفة للجميع، ولا توجد "عدالة في الخفاء"، ولا "أحكام تُباع وتُشترى على المقاهي وفي الجلسات السرية".
واحترام منصة القضاء يبدأ برفض أي محاولة للالتفاف عليه، والإبلاغ الفوري عن كل من يزعم قدرته على شراء الأحكام أو توجيهها، فلتظل هيبة القانون مصانة، ولتخرس أصوات الدجالين ومدعي الطهارة، وليعلم كل محتال أن من يرتدي ثوبًا ليس مقاسه، قريبًا ما ينكشف عاريًا أمام حقيقة العدالة الناجزة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع