إعلان

رأس المال الجديد.. كيف تستعيد الصحافة ولاء الجمهور؟

أشرف جهاد

كتب - أشرف جهاد

07:01 م الثلاثاء 04 أغسطس 2026

الآن، تحولت أطراف اقتصاد صناعة الصحافة، فلم يعد –اقتصادها– قائمًا على الانتباه، بل على القيمة.

ولم يعد نجاحها يقاس بجذب قارئ جديد ومجرد زيادة القراءات اللحظية، بل بات يتوقف على تحويل الانتباه والقيمة والزيارة إلى علاقة مستدامة، وزيادة الجمهور الوفي.

فلن تخسر الصحافة معركتها الحالية لأنها لا تصل إلى الناس، بل لأنها تصل إليهم ثم تفقدهم، لأنها انشغلت بإرضاء الخوارزميات أكثر من انشغالها بتمثيل الناس ونقل صوتهم وحل مشكلاتهم.

فالمنصات تمتلك الانتباه، أما الثقة فلا تزال فرصة المؤسسات الإخبارية إذا نجحت في بناء علاقة مباشرة وشفافة مع جمهورها.

معادلة خسارة الولاء.. استبدال الجمهور بالخوارزمية

وسط ضجيج معركة الوصول إلى المنصات وضغط خوارزميات عمالقة التكنولوجيا، والبيئة السياسية، لجأت الصحافة العربية إلى اختزال وظيفتها في دور واحد فقط، هو الدور الخبري، لتناور فقط في إطار أسئلة الـ 5Ws+1H: ماذا حدث؟ من قال ماذا؟ أين وقع الحدث؟ وكيف؟
وبشكل تراجيدي، تخلت الصحافة العربية عن دورين مهمين في الثالوث الوظيفي للصحافة: الدور الرقابي، الذي يتمثل في محاسبة السلطة، وكشف الفساد، وحماية المجال العام، وذلك تحت وطأة البيئة السياسية الصعبة.

والدور الخدمي، الذي يتمثل في مساعدة المواطن على حل مشكلاته، والدفاع عن مصالح الجمهور، والإجابة عن أسئلته اليومية، ومتابعة الخدمات العامة، وجعل الصحيفة جزءًا من حياة الناس.

هذا الدور الثالث بدأ يتآكل، ليس لأن الصحفيين لا يريدونه، ولكن لأن غرف الأخبار أصبحت أسيرة ثلاثة ضغوط: الترند، والخوارزميات، والهامش السياسي.

وبذلك تحولت الأولوية في إدارة الصحف من: ما المشكلة التي تؤرق الناس؟ إلى: ما الذي سيحقق أكبر عدد من القراءات؟ وهنا يبدأ الانفصال بين الصحافة والجمهور.

وتحولت المؤسسات الصحفية إلى "وسيط مجاني" يخلق محتوى سريعًا ليحقق زوارًا عابرين (Casual Visitors)، وهو جمهور لا يُمكن بناء نموذج عمل استثماري مستدام عليه (كالاشتراكات أو العضويات).

والولاء لا يُبنى بالخدمة وحدها، بل بالشفافية أيضًا. فالمؤسسة التي تشرح لجمهورها لماذا أخطأت، ولماذا تأخرت في النشر، وكيف تحققت من معلوماتها، تبني رصيدًا من الثقة يصعب على المنافسين تقليده.

فالولاء ليس نتاج الأخبار الصحيحة فقط، بل نتاج علاقة صادقة مع القارئ.

ومع كل خطوة في اتجاه الترند والخوارزميات والقراءات الآمنة، تتسع الهوة بين الصحافة وجمهورها. وتضعف قدرتها على التأثير والتمويل، وتتآكل مهنتها تدريجيًا.

فوفق تقرير الصحافة الرقمية الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة 2026، انخفضت الثقة العالمية في الأخبار إلى 37%، وهو أدنى مستوى منذ أن بدأ معهد رويترز قياس هذا المؤشر عام 2015. وارتفعت نسبة من يتجنبون متابعة الأخبار إلى 42% عالميًا. وهذان الرقمان لا يعكسان أزمة استهلاك للأخبار بقدر ما يكشفان أزمة علاقة بين المؤسسات وجمهورها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما كانت المؤسسات تبحث عن مصادر جديدة للإيرادات، كانت تتخلى تدريجيًا عن الأصل الاقتصادي الذي يصنع هذه الإيرادات أصلًا: ولاء الجمهور.

وتشير دراسات التسويق الرقمي إلى أن الاحتفاظ بعميل حالي أقل تكلفة من اكتساب عميل جديد عدة مرات، وهو ما يجعل الاستثمار في الولاء أكثر كفاءة اقتصاديًا من الاستثمار المستمر في شراء الزيارات.

رأس المال الجديد.. كيف يُستعاد الولاء؟

في هذا الوقت، تجد الصحافة نفسها تائهة مع التحول من عصر المواقع إلى عصر ما بعدها: المنصات.

وبشكل ما، ترتكب مواقع كبرى الخطأ نفسه، تطارد الخوارزميات للوصول إلى المنصات، وتنسى معركة الصحافة الأقدم والأهم، معركة الوصول إلى الجمهور، وبناء الولاء.

وبكل القراءات، فإن الولاء سيكون رأس المال الجديد في عصر المنصات، وما سيعقبه من "وكلاء الذكاء الاصطناعي".

ففي عصر المنصات، الذي بدأت رحاه في طحن الصحافة، لا تُبنى العضوية والاشتراكات بالترند، بل بالشفافية والخدمة الحقيقية التي تترجم صوت القارئ وتزيد شعوره بالولاء.

فالخبر العاجل أصبح سلعة متاحة للجميع، أما ما يدفع القارئ للاشتراك فهو الشعور بأن المؤسسة تقدم له قيمة لا يجدها في مكان آخر؛ تحل مشكلاته، وتختصر وقته، وتمثله، وتدافع عن مصالحه.

وفي عصر ما بعد المنصات، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، سيصبح الولاء، وما ينتج عنه من عضويات واشتراكات، درع الأمان الذي يمكّن المؤسسات من عبور عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي، عبر قاعدة قراء مستقرة توفر تمويلًا متكررًا ومستقلًا عن تقلبات المنصات.

كما أن الولاء سيمثل وزنًا معياريًا مهمًا لوكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي تشكل وجبة القارئ الإخبارية وفق احتياجاته ورغباته. ما يعني زيادة الاستشهاد من مواقع الولاء المرتفع.

لذا فإن المواقع التي تواصل التخلي عن دوريها الرقابي والخدمي، مقابل الانغماس في سباق الخوارزميات والترند السريع، ستخسر ليس فقط جمهورها وولاءه، لكنها ستفقد رأس مالها الجديد، وستتركه لعمالقة التكنولوجيا يأكلونه قضمةً قضمةً.

ولتحويل بناء الولاء إلى استراتيجية عمل مهنية، تحتاج غرف الأخبار إلى إجراء تحولات حقيقية في الهيكل الإداري والتحريري تتضمن:

1- إعادة تعريف "مؤشرات الأداء الرئيسية" (KPIs)، لتتغير الفلسفة من قراءات الخطفة إلى الاستدامة.

من: عدد مشاهدات الصفحة (Page Views) والوصول المطلق (Reach)، إلى: معدل عودة الزائر (Recency & Frequency)، ووقت البقاء في الصفحة (Dwell Time)، ونسبة المشاركة الحقيقية (Shares & Bookmarks).

ما يعني رفع قيمة مؤشرات الولاء، مقابل مؤشرات الزيارات العابرة.

فالزيارة ليست أصلًا اقتصاديًا، بل قيمة عابرة. أما الولاء فهو أصل يمكن تحويله إلى اشتراك، وعضوية، وفعالية، ونشرة بريدية، وبيانات، وحتى توصية من وكيل ذكاء اصطناعي.

لذلك فإن المؤسسة التي تملك مليون زائر عابر قد تكون أفقر من مؤسسة تملك مائة ألف قارئ وفي. والمؤسسة التي يزور 40% من قرائها الموقع أكثر من ثلاث مرات أسبوعيًا تملك قاعدة أكثر قابلية للاشتراك من مؤسسة تحقق ملايين الزيارات العابرة مرة واحدة.

ويمكن قياس الولاء عبر مؤشرات مثل معدل العودة الأسبوعي، وعدد الزيارات لكل مستخدم، ومعدل فتح النشرات البريدية، والاشتراكات المتكررة، ومعدل الاحتفاظ بالمشتركين (Retention Rate).

2-تفعيل دوري الرقابة والخدمات:

عبر ترسيخ ثقافة تحريرية جديدة تعيد للصحافة وظائفها كاملة. وتفعيل تياري الصحافة الخدمية، والصحافة الرقابية (السلطة الفوقية)، عبر تخصيص مساحة تحريرية أو أقسام صغيرة لإنتاج:

  • I.صحافة الخدمات: ومن بينها (صحافة الحلول، وصحافة المستهلك، وأدوات وأدلة الخدمات، وصحافة المواطن).
  • II.صحافة الرقابة: مثل (الصحافة الاستقصائية، وصحافة البيانات الرقابية، وصحافة المساءلة السياسية والبرلمانية).


3- بناء المجتمعات الخاصة أو المملوكة (Owned Communities)

بدلًا من الاستثمار الكامل في بناء أصول على أرض منصات التواصل (التي تتغير خوارزمياتها باستمرار)، يجب توجيه الجمهور إلى نشرة بريدية (Newsletter) متخصصة، أو مجتمعات محمية (قنوات واتساب/تليجرام بإنتاج خاص)، حيث يمتلك الموقع علاقته المباشرة مع القارئ دون وسيط، ويمكن بناء علاقة ولاء اعتمادية، تقوم على جمهور دائم، والتزام من الموقع بنقل صوت مجموعات القراء ومعالجة مشكلاتهم.

وتكشف التجارب الدولية أن القنوات المملوكة للمؤسسة تبني ولاءً أعلى من المنصات. فقد ذكرت واشنطن بوست أن مشتركي نشراتها البريدية يستهلكون نحو ثلاثة أضعاف المحتوى مقارنة بغير المشتركين، لأن العلاقة هنا مباشرة وليست خاضعة لخوارزميات المنصات.

كما أن جمهور الولاء يقلل تكلفة اكتساب المستخدم، فالقارئ الوفي: يعود وحده، ولا يحتاج إلى إعلان مدفوع، ويشارك المحتوى، ويجلب قراء آخرين، ويتحول إلى مشترك. أي إنه يخفض تكلفة التسويق بالكامل.

في الاقتصاد التقليدي، كان رأس المال يعني المال أو الأصول المادية. أما في الاقتصاد الرقمي، فقد أصبح رأس المال الحقيقي هو القدرة على الاحتفاظ بعلاقة مستدامة مع المستخدم. فالقارئ الوفي أصل اقتصادي متجدد، يمكن تحويله إلى اشتراك، وعضوية، وبيانات، وتوصية، وإيرادات متكررة، بينما الزائر العابر يستهلك المحتوى ثم يختفي دون أن يترك قيمة طويلة الأجل.

لذا الولاء لم يعد مجرد نتيجة للصحافة الجيدة، بل أصبح نموذج عمل. والمؤسسة التي تملك جمهورًا وفيًا تستطيع بيع الاشتراكات، وإطلاق العضويات، وتنظيم الفعاليات، وتسويق المنتجات، والحصول على بيانات مباشرة عن جمهورها، بينما المؤسسة التي تعتمد على الزيارات العابرة تظل رهينة خوارزميات لا تملك التحكم فيها.

والولاء ليس مكافأة تمنحها الجماهير للمؤسسات، بل أصل اقتصادي تبنيه المؤسسات باستمرار.

الخلاصة:

طوال عقدين، أنفقت الصحافة طاقتها في مطاردة المنصات، بينما كانت المنصات تبني علاقتها بالجمهور. واليوم لم يعد السؤال: كيف أصل إلى القارئ؟ بل: لماذا سيعود إليّ مرة أخرى؟

فالزائر رقم في لوحة الإحصاءات، أما القارئ الوفي فهو أصل في ميزانية المؤسسة، والمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر جمهور عابر، بل لمن يملك أكثر جمهور وفي.

فإذا كان اقتصاد الصحافة الجديد سيُبنى على العضويات والاشتراكات والثقة، فإن رأس المال الحقيقي لن يكون عدد القراءات، بل عدد الأشخاص الذين يشعرون أن هذه الصحيفة تمثلهم، وتدافع عنهم، ولا يستطيعون الاستغناء عنها.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان