حق الأداء العلني.. خطوة نحو ترسيخ العدالة في صناعة الفن
في كل صناعة ناضجة، لا تتحدد قوتها بحجم إنتاجها فقط، وإنما بقدرتها على حماية حقوق جميع المشاركين فيها، وتنظيم العلاقة بين أطرافها، ووضع قواعد واضحة تضمن استمرارها وتطورها. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر حول تفعيل حق الأداء العلني في مصر لا ينبغي أن يُختزل في كونه خلافًا بين الفنانين والمنتجين، أو أن يُنظر إليه باعتباره قضية مالية عابرة، وإنما يجب التعامل معه باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة لحماية الملكية الفكرية وتنظيم العلاقة الاقتصادية داخل الصناعة الفنية.
وفي هذا السياق، يستحق الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، والفنان والنائب ياسر جلال، الإشادة لطرحهما هذا الملف ووضعه في دائرة الاهتمام العام والمؤسسي. فالقيمة الحقيقية في تحركهما لا تكمن فقط في المطالبة بتفعيل حق قائم، وإنما في إعادة طرح سؤال مهم يتعلق بمكانة المبدع وحقوقه في ظل التطورات الكبيرة التي شهدتها صناعة المحتوى خلال السنوات الأخيرة.
فالعمل الفني لا تنتهي قيمته بالضرورة عند انتهاء عرضه الأول. هناك أفلام ومسلسلات وأعمال فنية تظل حاضرة لعشرات السنوات، تنتقل من جيل إلى جيل، وتجد جمهورًا جديدًا في كل مرة يعاد عرضها أو إتاحتها عبر وسيلة مختلفة. وهذا الاستمرار يمنح العمل حياة جديدة، ويؤكد أن القيمة الفنية ليست مرتبطة بزمن الإنتاج وحده، وإنما بقدرة العمل على البقاء والتأثير.
ومن هنا تظهر أهمية حق الأداء العلني، باعتباره أحد المفاهيم المرتبطة بحماية حقوق أصحاب الإسهام الإبداعي في العمل الفني. فالمبدع لا يقدم مجرد خدمة تنتهي بانتهاء تنفيذها، وإنما يشارك في إنتاج محتوى قد يستمر استخدامه واستغلاله لفترات طويلة. ومن ثم فإن النقاش حول حقوقه في هذا الاستغلال يصبح جزءًا طبيعيًا من تطور الصناعة.
والمسألة هنا لا تتعلق بالفنان وحده، وإنما تمتد إلى مختلف عناصر العملية الإبداعية. فكل عمل فني هو نتيجة تعاون بين المؤلف والمخرج والممثل والموسيقي وغيرهم من أصحاب المساهمات الإبداعية والفنية، ولذلك فإن أي منظومة لحماية الحقوق يجب أن تنظر إلى العمل باعتباره منتجًا جماعيًا تتداخل في تكوينه أدوار متعددة.
ولعل أهمية تحرك ياسر جلال تأتي من كونه يجمع بين الخبرة الفنية والعمل البرلماني، وهو ما أتاح نقل القضية من نطاق الحديث داخل الوسط الفني إلى مساحة النقاش المؤسسي. أما أشرف زكي، فإن موقعه النقابي يجعله في مواجهة مباشرة مع تفاصيل العلاقة بين الفنان وبقية أطراف الصناعة، ولذلك فإن تحركه يكتسب أهمية خاصة في محاولة الوصول إلى تطبيق يحفظ الحقوق دون أن يؤدي إلى اضطراب في السوق.
وأشرف زكي هنا يمكن وصفه بأنه رجل المهام الصعبة، فموقعه النقابي يضعه باستمرار أمام ملفات شديدة الحساسية، تتطلب الجمع بين الدفاع عن مصالح أعضاء النقابة، والحفاظ على استقرار العلاقة مع المنتجين، ومراعاة طبيعة السوق الفنية ومتغيراتها. وهذه المعادلة ليست سهلة، لأن أي قرار غير مدروس يمكن أن ينعكس على أكثر من طرف، ولذلك فإن إدارة مثل هذه الملفات تحتاج إلى تفاوض هادئ، ووعي قانوني، وقدرة على الوصول إلى مساحات مشتركة.
وهنا ينبغي التأكيد على نقطة أساسية، وهي أن حماية حقوق الفنانين لا تعني بأي حال من الأحوال الوقوف ضد المنتجين أو الاستثمار الفني. هذه الثنائية غير صحيحة من الناحية الاقتصادية ولا تخدم مستقبل الصناعة. فالمنتج يحتاج إلى الفنان، والفنان يحتاج إلى المنتج، والعمل الفني لا يمكن أن يرى النور من دون تفاعل رأس المال مع الموهبة والخبرة والإبداع.
ولهذا فإن نجاح تجربة تفعيل حق الأداء العلني يتطلب وجود حالة من التفاهم بين جميع الأطراف، لأن الهدف النهائي ليس تحقيق مكسب لطرف على حساب طرف آخر، وإنما الوصول إلى منظومة أكثر استقرارًا وعدالة.
كما أن تطور وسائل العرض جعل القضية أكثر إلحاحًا. فالأعمال الفنية لم تعد مرتبطة بالقناة التي عرضت فيها للمرة الأولى، وإنما أصبحت قابلة لإعادة العرض عبر وسائل متعددة، من القنوات الفضائية إلى المنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية وغيرها من الوسائط. وهذا التحول التكنولوجي أدى إلى تغيير مفهوم عمر العمل الفني، وأصبح من الممكن لعمل أنتج منذ سنوات طويلة أن يعود إلى الواجهة ويصل إلى جمهور لم يكن موجودًا عند إنتاجه.
وهنا تظهر الحاجة إلى تطوير الوعي بحقوق الملكية الفكرية داخل الصناعة، ليس فقط لدى الفنان، وإنما لدى المنتج والمؤسسات الإعلامية والمنصات والجمهور أيضًا. فاحترام الحقوق لا يمكن أن يتحقق بالقانون وحده، وإنما يحتاج إلى ثقافة عامة تدرك أن الإبداع له قيمة اقتصادية ومعنوية، وأن حماية هذه القيمة هي جزء من حماية الصناعة نفسها.
ومن المهم كذلك ألا يتحول النقاش إلى حالة من الاستقطاب. فالحقوق الفنية تحتاج إلى لغة قانونية واقتصادية هادئة، بعيدًا عن المبالغة أو التخوين. وكلما كان الحوار أكثر موضوعية، أصبحت فرص الوصول إلى حلول مستقرة أكبر.
وفي هذا الإطار، فإن الدور الذي يقوم به أشرف زكي يستحق التقدير، لأنه يتحرك في مساحة شديدة الحساسية بين الدفاع عن حقوق الفنانين والحفاظ على علاقة متوازنة مع المنتجين. كما أن تحرك ياسر جلال يعكس أهمية أن يكون للمبدعين حضور في النقاشات المتعلقة بالسياسات والتشريعات المنظمة لصناعتهم.
إن تفعيل حق الأداء العلني يمكن أن يمثل مرحلة جديدة في تطور الصناعة الفنية المصرية، إذا جرى التعامل معه باعتباره جزءًا من منظومة أوسع لتحديث سوق العمل الفني وترسيخ قواعد الملكية الفكرية.
فالفن ليس مجرد ترف ثقافي، وإنما أحد مكونات القوة الناعمة المصرية، وأحد المجالات التي راكمت فيها مصر خبرة تاريخية طويلة جعلت إنتاجها الفني حاضرًا في الوجدان العربي لعقود. ومن ثم فإن حماية المبدعين الذين أسهموا في بناء هذه المكانة ليست قضية هامشية، بل مسؤولية ترتبط بالحفاظ على قيمة ثقافية واقتصادية متراكمة.
والحقيقة أن الفنان عندما يرى عمله مستمرًا في الحياة بعد سنوات من إنتاجه، فإن ذلك يمثل في حد ذاته نجاحًا لإبداعه، لكن استمرار هذا العمل يجب أن يصاحبه أيضًا احترام للحقوق المرتبطة به وفقًا للقانون.
وهنا تكمن القيمة الأهم في فتح هذا الملف، وهي الانتقال من ثقافة التعامل مع الحقوق باعتبارها مسألة مؤجلة إلى ثقافة مؤسسية ترى أن الحقوق جزء أساسي من دورة الإنتاج.
لذلك فإن تحرك الدكتور أشرف زكي والفنان والنائب ياسر جلال يستحق الدعم، ليس باعتباره موقفًا ضد أحد، وإنما باعتباره خطوة نحو بناء وعي أكثر نضجًا بقيمة المبدع وحقوقه.
إن قوة أي صناعة لا تتحدد بإنتاجها وحده، وإنما بقدرتها على حماية من يصنعون هذا الإنتاج. وصناعة الفن المصرية، بتاريخها وتأثيرها وحضورها، تستحق منظومة حقوق أكثر وضوحًا واستقرارًا، تحفظ للمبدع مكانته، وتحمي الاستثمار، وتدعم استمرار الإنتاج.
ومن هذه الزاوية، فإن حق الأداء العلني ليس معركة بين الفنان والمنتج، وإنما اختبار لقدرة الصناعة على الانتقال إلى مرحلة أكثر تنظيمًا ونضجًا، يكون فيها احترام الإبداع جزءًا من احترام القانون، ويصبح حفظ حقوق المبدعين أحد الأسس التي تُبنى عليها صناعة فنية قوية ومستدامة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع