إعلان

الحكم المصري في الشام

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الثلاثاء 18 أغسطس 2026

يعد هجوم محمد علي باشا على بلاد الشام عام 1831 نقطة تحول جوهرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. لم يكن الهجوم مجرد حملة عسكرية عابرة، بل كان تجسيدًا للمشروع الإمبراطوري الذي قاده والي مصر الطموح لبناء دولة قوية تعتمد على التحديث العسكري والإداري، ومحاولة جادة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للخلافة العثمانية.

تنوعت دوافع محمد علي للهجوم على سوريا بين أسباب استراتيجية عميقة وأخرى اتخذت كذرائع مباشرة لإعلان الحرب:

ولعل أبرز الدوافع الاستراتيجية والاقتصادية:

* تأمين الحدود الشمالية: رأى محمد علي أن أمن مصر القومي يبدأ من السيطرة على خطوط الدفاع الطبيعية في الشام.

* الموارد الطبيعية: الافتقار إلى الأخشاب اللازمة لبناء الأسطول المصري في غابات لبنان، والحصول على الفحم والمعادن.

* العنصر البشري: الرغبة في تجنيد الشوام لتعزيز صفوف الجيش المصري الناشئ.

من ناحية ثانية، سعى والي مصر إلى التعويض عن خسائر حرب اليونان؛ إذ شارك محمد علي بجيشه وأسطوله في حرب الاستقلال اليونانية (معركة نافارين 1827) بناء على طلب السلطان العثماني محمود الثاني. تكبدت مصر خسائر فادحة، ووعده السلطان بولاية الشام كتعويض، لكنه أخلف وعده وعرض عليه ولاية كريت المنكوبة، مما أثار حفيظة والي مصر.

أما السبب المباشر (الذريعة) للهجوم على سوريا فكان فرار آلاف الفلاحين المصريين إلى الشام هربًا من التجنيد الإجباري والضرائب المرتفعة. رفض والي عكا، عبد الله باشا، إعادة هؤلاء الفلاحين بحجة أنهم رعايا عثمانيون يحق لهم العيش في أي جزء من الإمبراطورية، مما منح محمد علي الذريعة العسكرية لبدء الزحف. واتهم محمد علي والي عكا بأنه يحرض على إرسال المحاصيل المصرية التي كانت إلى الشرق من طريق شبه جزيرة سيناء؛ لأن هذا الأمر يضر بالموانئ المصرية التي يهتم بها محمد علي كثيرًا.

ولعل أول كتاب تركي تناول هجوم محمد علي على سوريا في ضوء المصادر والوثائق العثمانية، هو كتاب د. شناسي آلتونداغ الذي يحمل عنوان «عصيان محمد علي باشا: المسألة المصرية (1831-1841)» (مؤسسة نماء للبحوث والدراسات، 2024) الذي ترجمه إلى العربية الباحث الأكاديمي د. محمد عبد العاطي محمد. في هذا الكتاب الذي صدر بالتركية عام 1945، أفاد المؤلف كثيرًا من وثائق الأرشيف العثماني في مدة كان تصنيف الوثائق في الأرشيف بدائيًا وليس متطورًا كما هو الحال الآن. إلا أن المؤلف حصل على وثائق مهمة كانت أساس هذه الدراسة القيمة.

يقول د. شناسي آلتونداغ إن محمد علي لم يخجل من إظهار طموحاته ونياته في سوريا قبل نحو 20 عامًا من هجومه عليها؛ ففي عام 1810 هرب والي الشام يوسف كنج باشا من والي صيدا سليمان باشا، والتجأ إلى محمد علي، فتواصل محمد علي مع الباب العالي في الحال، وطلب إعادة يوسف باشا إلى منصبه. وعلى الرغم من أن الباب العالي لم ير أن طلب محمد علي مناسب؛ فإن محمد علي استمر في إصراره على هذا الأمر؛ ففكر في حالة عدم إرجاع يوسف باشا إلى منصبه بأنه سوف يجعل ولاية عكا من نصيب ابنه طوسون باشا، وأعرب عن هذا في فرص كثيرة.

ذكر دروفتي Drovetti –القنصل الفرنسي في مصر- عن هذا الأمر في اللائحة التي كتبها إلى حكومته في عام 1811م، حيث قال: «إن محمد علي يريد ولاية سوريا، وقد قال لي إنه مستعد أن يدفع من سبعة إلى ثمانية ملايين قرش لخزينة السلطان من أجل الحصول عليها». وبعد أن تغلب على أعدائه وعلى الاضطرابات التي واجهته في اقتصاد البلاد، زادت فكرة الاستقلال عنده بقوة، وانتشرت مطامعه حتى وصلت إلى سوريا.

دبر الأمير بشير بعد مدة المؤامرات بين الولاة في سوريا وإثارة المشكلات في الأعمال الإدارية فيها، ثم التجأ مرة أخرى إلى محمد علي في يوليو 1822م، وحرض الأمير بشير أيضًا والي عكا عبد الله باشا ابن الجزار ضد والي الشام درويش باشا، وكاد الاثنان أن يفقدا حياتهما نتيجة لهذا الصراع؛ للفرمان السلطاني الصادر ضدهما. لكن نتيجة للطلب القطعي الذي قدمه محمد علي إلى الباب العالي عاد الاثنان مرة أخرى إلى منصبيهما، فكان نفوذ محمد علي يتزايد وينتشر في كل جانب، حتى زاد مؤيدوه، مما أوقع السلطان محمود الثاني ورجال الدولة العثمانية في قلق شديد.

كتب السلطان محمود الثاني بخطه على تقرير الصدارة الذي يخبر بقرار الديوان المجتمع لمناقشة رسالة محمد علي التي يطلب فيها العفو عن عبد الله باشا:

«وزيري! لقد اطلعت على هذا التقرير وأصبح لدى منظوري الهمايوني، ولم يعد هناك شيء يقال بعد مناقشات رجال الدولة والخاصة ومباحثاتهم، فإذا تمت الموافقة على إبقاء إيالة صيدا مع الوزارة له، والعفو عنه سيكون هذا غير مناسب كثيرًا. ولترسل الأوامر والتحريرات بعد المباحثات بحسب الإيجاب، ولينتبه وليتيقظ جدًا في التعبيرات المؤثرة المكتوبة إلى والي مصر، ويا ترى هل كتابة خط همايوني آخر على بياض بشكل سري (...) سيكون ذا فائدة، وما المناسب في هذا الشأن؟ لتبحثوا هذا الأمر وتعرضوه علي بعد ذلك».

يشير هذا إلى أن الباب العالي أدرك صراحة أطماع محمد علي في سوريا، وكان يعلم أيضًا أنه لا يمكن الاعتماد على محمد علي.

وفي عام 1825م وقع صراع بين حاكم لبنان الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط، فلم يفوت محمد علي هذه الفرصة بشأن التدخل في سوريا؛ إذ طلب في الحال من عبد الله باشا مساعدة الأمير بشير. وبعد إعدام بشير جنبلاط والرؤساء المنتسبين إلى آل عماد، أصبح لبنان تحت إدارة شخص واحد فقط هو الأمير بشير، وهي من أهم الخطوات التي استعد بها محمد علي للاستيلاء على سوريا.

ويقول كلوت بك -مؤسس أول مدرسة للطب الحديث في مصر وأحد مستشاري محمد علي- في ملاحظاته:

«إن استيلاء محمد علي على سوريا كان ضروريًا، ومنذ تشكلت في عقله فكرة إنشاء دولة كبيرة مستقلة على ضفاف النيل، كان لا بد له من ضم سوريا إلى مصر؛ لتحقيق هذه الغاية. والوضع العام للدولة ليس بمأمن يمكن حمايتها من التعديات الخارجية، خاصة التي تأتي من السويس، فإذا استثنينا في التاريخ حملتي الفاطميين، والفرنسيين بقيادة نابليون، فنجد أن جميع الحملات مثل الإيرانيين واليونانيين والأتراك والإسلاميين ]الفتح الإسلامي[ وفي النهاية الأتراك؛ جاءت إلى مصر من جهة الشرق أي من سوريا، لذلك لا يمكن أن تكون مصر مستقلة في أمان ما لم تلحق إليها الحدود السورية؛ لأن حدود مصر ليست في السويس بل في طوروس».

كانت الأمور مواتية جدًا لاستيلاء محمد علي على سوريا، فقد كان مركز الحكومة في سوريا –حينذاك- (عام 1831م) في حالة ضعف شديد، فقد ظهرت جماعات تعمل ضد بعضها عملًا شبه مستقل، وكان محمد علي يعمل على تحريض هذه الجماعات المختلفة، إحداها ضد الأخرى، ويحمي الذين يمكن أن يساعدوه، وتمكن من إحكام السيطرة على سوريا وبسط نفوذه فيها؛ عن طريق شبكة جاسوسية فعالة وواسعة. أخيرًا استطاع محمد علي أن يجذب إلى جانبه الأهالي المسيحيين جميعهم، بخلاف بعض المؤيدين الآخرين الذين نجح في استقطابهم، لدرجة أن الأهالي في بعض مدن سوريا كانوا ينتظرون محمد علي وكأنه منقذهم.

وقبل أن يتعرض محمد علي إلى سوريا، أعلن اضطراره لقتال عبد الله باشا الذي عصى السلطان عدة مرات، وما زال يستخدم الآلات الموسيقية الخاصة بالإنكشارية التي ألغاها السلطان محمود الثاني، وأكد أنه يسعى جاهدًا إلى تأديبه.

انطلقت الحملة في أكتوبر 1831 بقيادة إبراهيم باشا، الابن الأكبر لمحمد علي والقائد العسكري الفذ، واتسمت بجهوزية عالية للجيش المصري المحدث على النمط الأوروبي. وبعد أعوام في سوريا، خرجت قوات إبراهيم باشا بعد تدخل الحلفاء الأوروبيين في معاهدة لندن، حيث اكتمل إجلاء القوات المصرية تمامًا في 19 فبراير 1841.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان