"حياة القفص" في الدولة العثمانية
نشأت الدولة العثمانية في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي نشأةً عسكرية، وتوسعت في البلاد المجاورة لها، وكان السلطان العثماني رئيسَ الدولة والقائد العام للقوات العثمانية ورئيس الهيئة الحاكمة، ويتمُّ اختياره من الأسرة العثمانية التي تنحدر من أوغوز خان، ويساعدُه في الإدارة الديوان الهمايوني، الذي كان يرأسه السلطان حتى عصر محمد الفاتح.
كان النظامُ الإداري في الدولة العثمانية ينقسمُ إلى ثلاثِ هيئات، هي: العلمية، والقلمية، والسيفية. ويقصَد بالعلمية: مشيخة الإسلام والعلماء والقضاة، وكل ما يمتُ للدين بِصِلة، مثل: التعليم، والمدارس، والمحاكم، والأوقاف، وغيرها. ورئيس الهيئة العلمية هو شيخُ الإسلام.
والقلمية: هم أصحاب القلم، المشرفون على الشؤون الإدارية في الدولة، سواء في الإدارة المركزية في إستانبول، أو في الإدارة الخارجية في الولايات الموجودة خارج عاصمة الدولة. أما السيفية: فهُم أربابُ السيف، الذين يدافعون عن أراضي الدولة، ويفتحون الأراضي الجديدة، ويعملون على استتباب الأمن واستقراره، وهُم من القوات البرية والبحرية.
وقد حافظت الحكومة العثمانية على التوازن بين هذه الهيئات الثلاث، حتى النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، فلم تظهر بوادرُ الاختلاف بينها إلا في نهاية هذا القرن، أي: بعد موت السلطان سليمان القانوني عام 1566م، فبدأ الفساد يدبُّ في إدارة الدولة، وترك السلاطين الخروجَ على رأس الحملات العسكرية، وتركتْ عساكر الدولة التدريب، وانشغلت بأعمال أخرى غير الأعمال العسكرية، وأهمل سباهية التيمار الأراضي وتدريبَ الفرسان القادرين على الحرب والضرب، وانعكس ذلك كله على ولايات الدولة الأخرى.
ونظام التيمار هو نظام إقطاعي عسكري وإداري استخدمته الدولة العثمانية، حيث كانت تمنح أراضٍ زراعية (تسمى تيمار) للفرسان العسكريين المعروفين بـ«السباهية» مقابل تقديم خدمات عسكرية والدفاع عن البلاد وحفظ الأمن دون إثقال كاهل خزينة الدولة بمراتب ثابتة.
حاول السلاطينُ العثمانيون كثيرًا إجراء إصلاحات في المجالات العسكرية والإدارية والعلمية في القرن السابع عشرالميلادي، وبذلت أسرة كوبريلي جهدًا كبيرًا في الحفاظ على هيبة الدولة، وتحقيق بعض الانتصارات في الساحة العسكرية، لكنَّ الأزمة كانت أكبر من ذلك، فتجرأت عساكر اليكيجرية على التمرد والعصيان، وعزل السلاطين وقتلهم أحيانًا.
ويُقدِّم د.محمد علي أونال، الباحث في التاريخ والحضارة العثمانية، رؤية مهمة بشأن التشكيلات المركزية (نظام السراي والعبيد، البيرون، الديوان الهمايوني، التشكيلات العسكرية من قوات المركز والولايات) ونظام التيمار في الدولة العثمانية، في كتابه «تاريخ المؤسسات العثمانية» (دار إشراقة، 2025)، الذي ترجمه إلى اللغة العربية الباحث المتمكن د.محمد عبد العاطي.
الشاهد أن التشكيلات المركزية (العسكرية والمالية والعلمية والعدلية) التي أوجدت الدولة العثمانية كانت في مقام العمود الأول الذي شكَّلَ ما عُرف فيما بعد باسم: نظام التيمار والأرض والتشكيلات العسكرية وغيرها.. وما يرتبط بهم.
لقد تم استغلالُ الخبرات المتراكمة في إدارة الدولة حتى القرن الرابع عشر على أفضل وجهٍ من قِبَل رجال الدولة العثمانيين، وبالتالي تم تحقيقُ كمالٍ في إدارة الدولة تجاوز عصرها، فقد أخذ العثمانيون التشكيلاتِ الإدارية التي كانت مُستخدمة في الدول التركية السابقة عنهم بعد تنقيحها وأخذ الجيد منها، وعملوا على تطويرها وتَرك التشكيلات التي قد يكون بها أخطاء.
كان لرجال دولة سلاجقة الأناضول -الذين دخلوا في خدمة الدولة العثمانية- الجهدُ الأكبر في هذه التشكيلات؛ فهؤلاء الأشخاص نقلوا خبرتهم وتجاربهم في إدارة الدولة السلجوقية بشكلٍ كبير إلى تشكيلات الدولة العثمانية.
كان العثمانيون في العصور الأولى التي أسسوا فيها الدولة في بورصة، لديهم إداريون عارفون بالأصول وأنظمة التي كانت مطبقة في الدول التركية والإسلامية. وقد أظهر فحصُ الوقفيات والمالكانيات (جمع مالكانه) التي نُظّمت في عصر السلاطين العثمانيين الأوائل؛ أن عثمان غازي وإخوته لم يكونوا رؤساء مجموعة من القبائل عاديين لا يعرفون القراءة أو الكتابة كما نظن. ويظهر ذلك من خلال وجود ألقابٍ معينة راسخة مثل: «بك» و«باشا» بين الشواهد الموجودة في الوقفيات التي تعود لهذه الفترة، وبين القضاة والكتبة الذين كتبوا اللغة العربية الفصحى، وإجراءات الكتابة والتسجيل المتقدمة.
لم يكن من الممكن منع الصراعات على العرش في «عصر الفترة» (الضعف) وفي أثناء حُكم السلطان مراد الثاني وما بعده، أدى رجال الدولة العثمانية –في الفترة حتى عصر الفاتح- دورًا مهمًا في مسألة الجلوس على العرش، وكان لأمراء الآقنجي (المهاجمين) –خاصة أصحاب النفوذ- تأثيرٌ كبير في ضمان وصول الأمراء المفضلين لديهم إلى العرش.
إن الممارسة التي جرى تنفيذها عندما تولى بايزيد العرش، تم تشريعها من قِبل السلطان محمد الفاتح. ومن أجل وضع حدٍ للصراع على العرش، اشترطَ الفاتح أن يقوم السلطان الجالس على العرش قتل إخوته دون إبداء سببٍ للقتل، ووضع مادة بشأن ذلك في القانون المسمى باسمه.
وهذه المادة هي: إذا تيسَّرت السلطنةُ لأحد أبنائي فمن المناسِب قتلُ إخوته من أجل «نظام العالم»، وقد أجاز أكثرُ العلماء ذلك، وليتمَّ العملُ به.
كان السلاطين الذين تولوا العرشَ بعد الفاتح -وفقًا لهذه المادة- يقتلون إخوتهم بتجنُّب أي معارك بين الإخوة حتى أواسط القرن السابع عشر الميلادي. ومع ذلك لكي يقتل الحاكم أخاه يجب أن يكون أحدُ إخوته على قيد الحياة أو أن يكون ابنُه حاضرًا. على سبيل المثال، أعدم السلطان مراد الرابع جميع إخوته، باستثناء الأمير إبراهيم. ويُروى أنه كان سيُصدر أمرَ إعدام إبراهيم في أواخر حياته، لكن بسبب عدم وجود أبناء لديه أبقى أخاه إبراهيم على قيد الحياة؛ لأنه هو الذكر الوحيد الموجود من السلالة العثمانية؛ لذلك لم يُنَفذ فيه حُكم الإعدام.
حدثَ تغييرٌ جذري في نظام وراثة العرش اعتبارًا من أوائل القرن السابع عشر الميلادي، وفقَدَ قانونُ قتلُ الإخوة الذي وضعه الفاتح صلاحيتَه بالفعل؛ فلم يقتل السلطان أحمد الأول -الذي اعتلى العرش عام 1603م وهو في الرابعة عشرة من عمره- إخوتَه الآخرين؛ لأنه لم يكن قد أنجب أبناء بعد. وبعد أن أصبح لديه أولاد ذكور، وعلى الرغم من أنه حاول قتل أخيه مصطفى، فإن رجال الدولة منعوه من ذلك قائلين: إنه مريض، ولن يؤذيك.
كان مصطفى مختلًا عقليًا وفاقدًا للإدراك. عندما توفي السلطان أحمد الأول عام 1617م، اعتلى العرش أخوه مصطفى الأول. وأصبحت هذه الممارسة عادةً مع مرور الوقت بتأثير بعض الأحداث الفعلية، وفي حالة وفاة السلطان يجلس أكبرُ ذَكر في العائلة مكانه. وحتى هذه الفترة، كانت السلطنة تنتقل دائمًا من الأب إلى الابن.
وعلى الرغم من أن السلطان عثمان الثاني والسلطان مراد الرابع قد قتلوا بعض إخوتهم البالغين، فإنهم لم يقتلوهم جميعًا؛ لأنهم لم يكن لديهم أبناء ذكور. وجلس محمد الرابع على العرش في السابعة من عمره، ولم يلمس إخوته حتى بعد أن أصبح لديه أبناء ذكور. وعندما خُلع من العرش بانقلابٍ عسكري عام 1687م، لم يجلسَ ابنه على العرش، إنما أكبرُ إخوته، وهو سليمان الثاني.
لهذا السبب اختفت عادة قتل الإخوة اعتبارًا من أواسط القرن السابع عشر الميلادي، وأصبحت العادة هي جلوس أكبر أفراد العائلة العثمانية سنًا على العرش، وعُرف هذا النظام باسم «أكبريت».
لم يحدث أي صراع على العرش قط في القرن الثامن عشر الميلادي. وفي القرن التاسع عشر الميلادي أصبحت هناك قاعدةٌ ثابتة هي تعيين الأكبر سنًا من أفراد الأسرة العثمانية على العرش. ووفقًا لـ«القانون الأساسي» المعلن في عام 1876م تم اعتمادُ الأكبر سنًا من العائلة العثمانية ليكون وليًا للعهد. وهكذا، انتهت «حياة القفص» للأمراء التي كانت مستمرةً منذ القرن السابع عشر الميلادي.
و«حياة القفص» (بالتركية العثمانية: Kafes) هي نظام إقامة جبرية صارم طُبّق على الأمراء والورثة المحتملين للعرش في الدولة العثمانية. كان هذا «القفص» عبارة عن جناح فاخر ومعزول داخل «الحرملك» بـقصر طوب قابي في إسطنبول.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع